بصدور العدد 144 (خريف 2025) من "مجلة الدراسات الفلسطينية" تكون حرب الإبادة التي تشنّها إسرائيل على قطاع غزة، على مدى عامين، قد بلغت ذروتها في الإجرام، من قتل لكل ما هو حي، وتدمير لكل معلم من معالم القطاع، ولهذا حمل هذا العدد عنوان "عامان على الإبادة"، وتصدّر غلافه عمل فني للفنانة منال محاميد بعنوان "إسرائيل تقتلني"، من مجموعة "مؤسسة الدراسات الفلسطينية". والإبادة لا تقتصر على قطاع غزة، إذ تشهد الضفة الغربية منذ ما قبل تشرين الأول / أكتوبر 2023، إبادة صامته تتمثل في عمليات طرد للسكان الفلسطينيين من أجزاء واسعة من المنطقة المصنّفة "ج" وفق اتفاق أوسلو، واستيلاء على الأراضي وبناء مستعمرات جديدة، وتوسيع المستعمرات القائمة، واستيلاء على مصادر المياه، وعلى المراعي، وقطع للأشجار، وعزل للقرى والبلدات والمدن بمئات الحواجز والبوابات والطرق الالتفافية، بالتآزر بين قوات الاحتلال والمستوطنين، حتى باتت الضفة الغربية أشبه بغيتوات؛ وهذا كله يجري "في ظل صمت الحكومات والقوى الفاعلة في العالم"، مثلما يرد في افتتاحية العدد التي تحمل عنوان العدد نفسه.
ولإلقاء الضوء على "الإبادة الصامتة" في الضفة الغربية، أفردت هيئة التحرير ملفاً بعنوان "سياسات الضمّ والتهجير" كتب مواده 12 كاتباً: فكتب أنطوان شلحت "الإجراءات الإسرائيلية في الضفة: نحو واقع الدولة الواحدة" التي باتت تحصيل حاصل مع تقطيع أوصال الضفة بما يمنع أي إمكان لقيام دولة فلسطينية ضمن حدود 1967. ويشترك مجدي المالكي وأحمد عز الدين أسعد في نص مطول يتناول الإجراءات الإسرائيلية في الضفة التي تمهّد لضمها، بعنوان "العنف الاستيطاني وتفكيك المكان: التمهيد لضمّ الضفة الغربية". أمّا عمليات الاستيطان فتسارعت وتيرتها بعد 7 تشرين الأول / أكتوبر 2023، مثلما يُبين أمير داود في مقالته "التحولات في المشروع الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة الغربية بعد 7 تشرين الأول / أكتوبر 2023". وتقرأ إيمان العصا ما يجري في الضفة من خلال مقارنة المفاهيم التي تتناول حقل ما بعد الكولونيالية، وانطباقها على فلسطين، في مقالة تحمل عنوان "الضفة الغربية وتنازع المفاهيم: قراءة في الحقل ما بعد الكولونيالي". ويرى أحمد حنيطي أن ما يجري هو مسعى لـ "المحو والإلغاء" لفلسطين، متناولاً عنف المستوطنين ضد المواطنين الفلسطينيين في مقالته "عنف المستوطنين في الضفة: محاولات المحو والإلغاء". ويفتح عبد القادر بدوي ملف المنظمات الصهيونية غير الحكومية التي تؤدي دوراً محورياً في عمليات الاستيلاء على الأراضي والاستيطان في مقالته "دور المنظمات الاستيطانية غير الحكومية في سياسة الاستيطان والضم".
ووسط جميع الإجراءات الإسرائيلية، فإن حركة الموطنين الفلسطينيين في الضفة الغربية باتت مقيّدة بشدة، بسبب مئات الحواجز والبوابات التي لا يعرف أحد متى تُغلق ومتى تُفتح، وعنها يكتب أشرف أبو عرام "بلمح البصر: البُنية التحتية وآليات الإغلاق السريع للضفة الغربية". أمّا النصيب الأكبر من الاستيلاء على الأراضي والتهجير كمقدمة للضم، فتعيشه المناطق الواقعة ضمن التصنيف "ج"، في محافظة سلفيت وفي الأغوار: ففي الأولى توجد أكبر نسبة من المستعمرات في الضفة مصحوبة بهجمة استيطانية متصاعدة ومواجهة ضعيفة، مثلما يقول باسل ريّان في مقالته "محافظة سلفيت ما بين تصاعد الهجمة الاستيطانية ومحدودية المقاومة الفردية"، ويكتب عطوة جبر عمّا يجري في منطقة الأغوار، متناولاً أهميتها وتاريخها وواقعها الحالي تحت عنوان "بين الضمّ والتهجير: قراءة تاريخية لواقع الأغوار الفلسطينية المحتلة". ودائماً ما كانت مصادر المياه، وهي شريان الحياة، في عين إعصار الاستيطان لأنها تقع كلها ضمن نطاق المستعمرات، ولهذا فإن إسرائيل تستولي على مصادر المياه هذه، ثم تبيعها للفلسطينيين. وعن ذلك يكتب عبد الرحمن التميمي "المياه في فلسطين: نموذج لآلية الاستعمار الاستيطاني". وعلى غرار قضية المياه، فإن القدس التي ضمتها إسرائيل بعد احتلالها في سنة 1967، هي أيضاً في عين الإعصار الاستيطاني مثلما يوضح خليل تفكجي في مقالته "القدس: إعادة تشكيل / حرب تشرين". وكانت الهجمة المتصاعدة على الضفة الغربية بدأت قبل نحو عام من "طوفان الأقصى" باستهداف مخيمات شمال الضفة" وتكثفت بعدها، ولا سيما في مخيمات جنين وطولكرم وطوباس، وعن ذلك يكتب أيهم السهلي تقريراً بعنوان "مخيمات شمال الضفة.. 'غزة صامتة'".
نوع ثالث من الإبادة يعيشها فلسطينيو الأرض المحتلة منذ سنة 1948، عبر كتم صوتهم ومنعهم من التضامن مع غزة وملاحقة ممثليهم السياسيين، وإشاعة الجريمة المنظمة في وسطهم. وعن ذلك أعدت هيئة التحرير محوراً بعنوان "إفلات يد الجريمة وملاحقة سياسية" تناول الأبعاد القانونية والسياسية والاجتماعية لما يجري، وكتب فيه كل من: حنين الزعبي "لحظة غزة: مقاربة في فهم الداخل الفلسطيني"؛ عرين هوّاري "الفلسطينيون في مناطق 48 ولحظة الإبادة"؛ أنس إبراهيم "الجريمة المنظمة في ظل دولة الإبادة"؛ خالد عنبتاوي "الجريمة المنظمة ووجوهها الثلاثة لدى فلسطينيي 48".
باب مقالات تضمن 12 نصاً عالجت التكتيكات التفاوضية إزاء غزة، وهندسة التجويع، وقضية الأسرى، والتفكيك الاقتصادي، كما عالجت التطورات الإقليمية من إيران إلى سورية فاليمن ولبنان. فكتب هاني المصري "استخدام المفاوضات للتغطية على استمرار الحرب"؛ فؤاد أبو سيف "البُنية الاستعمارية للتجويع الإسرائيلي في قطاع غزة"؛ يارا عاصي "علاقة الفلسطينيين بأرضهم: من الجذور إلى المجاعة"؛ نصر عبد الكريم "تفكيك الاقتصاد الفلسطيني في سياق الحكم الذاتي"؛ سحر فرنسيس "هل أنصفت الإجراءات القانونية الدولية الأسرى الفلسطينيين؟"؛ علي هاشم "حدود المبادرة الإيرانية بعد 7 تشرين الأول / أكتوبر 2023"؛ محمود البازي "احتمالات اليوم التالي بين إسرائيل وإيران وحسابات ما بعد حرب حزيران / يونيو 2025"؛ فيصل علوش "سورية تطلب الود وإسرائيل تتمنّع: من المواجهة إلى النادي الأبراهيمي"؛ بشار اللقيس "أنصار الله ومزاولة المستحيل"؛ خليل شاهين "جدوى أن تكون فلسطينياً يسارياً في حقبة الإبادة". كما يتضمن باب مقالات نصين ثقافيّين: "المشهد اللغوي الإسرائيلي بين الاستخدام المعجمي المحايد والرسائل الموجهة" لماهر داود، و"الفيلم النضالي الفلسطيني: استثنائية تزامن َ العملين السينمائي والمسلح" لسليم البيك.
باب دراسات فيه دراستان: تتناول لميس فرّاج في إحداهما "جدلية العمال الفلسطينيين في الداخل المحتل" وذلك لما تحمله مسألة الاستغلال الإسرائيلي المركب للعمالة الفلسطينية من الضفة الغربية وغزة في الداخل المحتل منذ سنة 1948، وانعكاساته على الواقع الاقتصادي الفلسطيني. وفي الثانية يُبحر سعيد سلطان الهاشمي في العلاقة بين عُمان (الشعبية والرسمية) وفلسطين، تاريخياً وفي ظل الإبادة الغزيّة، بعنوان "فلسطين والعمانيون بين النكبة والطوفان: قراءة تاريخية مقارنة للموقفين الشعبي والرسمي".
وفي ظل المقتلة المستمرة، غيابات لقامات فلسطينية، أو حملت فلسطين في قلبها وعقلها، كرمتهم "مجلة الدراسات الفلسطينية" بنصوص تناولت مكانتهم ومساهماتهم. فعن غياب المؤرخة والكاتبة بيان نويهض الحوت كتب كل من: ماهر الشريف "الأستاذة التي أغنت بنتاجاتها التاريخية المكتبة الفلسطينية والعربية"؛ فيحاء قاسم عبد الهادي "شهادة شخصية"؛ رامي الريّس "من القدس إلى بيروت"؛ سناء حمودي "في موسم الخذلان رحلت أستاذتي". وعن المسرحي الفلسطيني عادل الترتير الذي ترك خلفه إرثاً مسرحياً عظيماً، كتب كل من: علاء الترتير "عطاء مسرحي حتى النَفَس الأخير"؛ زياد خداش "المسرحي الكبير الذي مشى"؛ أيمن عبد المجيد "الفنان المثقف صاحب الرسالة والمسيرة". وفي موسم الغياب كان رحيل أحد رواد التكنولوجيا الفلسطينية مروان طوطح، وتكريماً له كتب كل من: سامية جبران طوطح (زوجة الراحل) "حيث رأى الجميع حدوداً، صنع هو إمكانات"؛ عمرو كردي "هندسة الوجود الفلسطيني في الفضاء الرقمي". وثمة ثلاثة نصوص تناولت رحيل الفنان الإنسان زياد الرحباني: لويس بريهوني "الصوت الصامد للمقاومة والثورة"؛ أشرف بيدس "موطن صالح"؛ جاد غصن "إيّام السعد جايين". وفي مثل هذه الأيام، ومع صدور العدد 144، يكون قد مر عام على رحيل رئيس تحرير "مجلة الدراسات الفلسطينية" الروائي الكبير الأستاذ الياس خوري، واستذكاراً له، تنشر المجلة مقابلة كان قد أجراها معه إيلان بابِهْ بعنوان "أوقات النضال والتحرر الثقافي: مقابلة مع إلياس خوري".
وتضمّن العدد تقريرَين: "فلسطين في 3 أشهر: تدمير ومجازر وتجويع في غزة، وحرب إسرائيلية أمنية وتوسّعية على الضفة لضمها" بقلم عبد الباسط خلف، و"جدل السلاح: لبنان إلى أين؟" بقلم أيهم السهلي. وبعنوان "غزة وحرب الإبادة"، أنجز تحسين يقين قراءة خاصة بكتاب "غزة: حرب الانتقام المسعورة - مجموعة أوراق سياسات" بجزأيه 1 و2 الصادرين عن "مؤسسة الدراسات الفلسطينية خلال سنتَي 2024 و2025. وفي باب قراءات مراجعتان لكل من: فيليتسيا البرغوثي لكتاب "أثر الصورة: الفوتوغرافيا وتاريخ فلسطين المهمّش"، وجهاد الرنتيسي لكتاب "اليسار التونسي والقضية الفلسطينية".
