أزرق

من القدس والقاهرة إلى العالم: الإمبراطورية العثمانية وإعادة كتابة تاريخ الحداثة

A painting of Sultan Selim I (r. 1512-1520 CE) during the Egypt campaign (1516-1517 CE). (Source: Army Museum, Istanbul).

عبدالله البياري

كاتب وباحث من فلسطين

تتضاعف أهمية هذا الأفق في السياق السياسي والمعرفي الراهن، ولا سيما في ظل أزمة الحداثة الغربية الأوروبية–الأمريكية التي تتكشّف اليوم بوضوح غير مسبوق. فالحرب الإسرائيلية الإبادية على غزة لم تفضح فقط عنف الاستعمار الاستيطاني المعاصر، بل كشفت أيضًا هشاشة الادعاءات الأخلاقية للحداثة الغربية،

للكاتب/ة

وارتهانها التاريخي لمنطق الإمبراطورية، والإقصاء، وإدارة الموت. في هذا السياق، لم تعد أسئلة التاريخ العالمي أكاديمية محضة، بل تحوّلت إلى أدوات لفهم العنف المعاصر وجذوره البنيوية، المتمثلة في سياسات اليومي المعيش. وهنا، يكتسب "ظلّ الله" راهنيته القصوى،

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

23/12/2025

تصوير: اسماء الغول

عبدالله البياري

كاتب وباحث من فلسطين

عبدالله البياري

مراجعة نقدية في كتاب آلان ميخائيل "ظل الله: السلطان سليم والامبراطورية العثمانية وتشكل العالم الحديث"

 

مقدّمة: إعادة تموضع الإمبراطورية في قلب التاريخ العالمي

يأتي كتاب آلان ميخائيل God’s Shadow: Sultan Selim, His Ottoman Empire, and the Making of the Modern World (ميخائيل 2020) في لحظة معرفية يشهد فيها حقل التاريخ العالمي (Global History) مراجعات جذرية لسرديات الحداثة، ولا سيما تلك التي اختزلت تشكّل العالم الحديث في المسار الأطلسي الأوروبي. لا يقدّم ميخائيل مجرّد سيرة سياسية للسلطان سليم الأوّل، بل يقترح إعادة كتابة تاريخ القرن السادس عشر بوصفه لحظة انعطاف عالمية تشكّلت من خلالها أنماط السلطة، والحكم الإمبراطوري، والتواصل العابر للأقاليم (Transregional Communication)، من داخل الفضاء العثماني ذاته. بهذا المعنى، ينخرط الكتاب في مشروع نظري أوسع يسعى إلى تفكيك مركزية أوروبا في السرد التاريخي، وإعادة الاعتبار للإمبراطوريات البرّية والمتوسّطية بوصفهما فاعلين بنيويين في صناعة العالم الحديث (Braudel 1972, Wallerstein 1974, Chakrabarty 2000).

تنطلق أطروحة ميخائيل من فرضية حاسمة مفادها أن الإمبراطورية العثمانية لم تكن مجرّد قوّة موازية لأوروبا الصاعدة، بل شكّلت شرطًا بنيويًا لتحوّلاتها، بما في ذلك التوسّع الأطلسي، والاستعمار في الأميركيتين، وصياغة أنماط الحكم الإمبراطوري الحديثة (Mikhail 2020) وقد أثارت هذه الأطروحة استقبالًا نقديًا واسعًا، تراوح بين الإشادة بجرأة الكتاب التحليلية (Finkel 2020, Mazower 2020)، والتنبيه إلى مخاطر التعميم والمبالغة السردية في بعض مقاطع التاريخ العالمي (Cromohs Debate 2021؛  غير أن هذا الجدل نفسه يكشف عن القيمة المعرفية للكتاب: إذ يدفع حدود ما يمكن أن يقوله التاريخ العثماني عندما يُكتب لا بوصفه تاريخًا إقليميًا، بل كبنية اتصالية عالمية.

تسعى هذه المراجعة إلى قراءة "ظلّ الله" من خلال خمس مقاربات متقاطعة: نظرية الاتصال والشبكات، ونظرية التاريخ العالمي، والسوسيولوجيا الحضرية في المشرق وشمال أفريقيا، ونقاشات الحداثة وصناعة العالم الجديد، وأخيرًا الإمبريالية بوصفها منطقًا مُؤسِّسًا للعالم الحديث. الهدف ليس تلخيص الكتاب، بل مساءلة أدواته التحليلية، وحدود مقاربته، ومساهمته الفعلية في إعادة التفكير بتاريخنا المعاصر.

الإمبراطورية بوصفها شبكة: الاتصال، الحركة، وإنتاج السلطة

يُعدّ أحد أكثر إسهامات "ظلّ الله" لفتًا للنظر هو معالجته للإمبراطورية العثمانية بوصفها شبكة اتصالية كثيفة، لا مجرد كيان سيادي قائم على الفتح العسكري. فميخائيل يبتعد عن النموذج الكلاسيكي الذي يفهم الإمبراطورية من خلال مركز وأطراف، ويقترح بدلًا من ذلك تصورًا أقرب إلى ما تصفه نظريات الشبكات بوصفه نظامًا متعدد العقد، تتوزّع فيه السلطة عبر مسارات التجارة، والحج، والدبلوماسية، والمعرفة، والبنى التحتية (Latour 2005, Castells 1996). في هذا السياق، يظهر السلطان سليم لا فقط كفاتح، بل بما هو "مكثِّف للشبكة" (network intensifier) أعاد تنظيم مسارات الاتصال وربط فضاءات كانت متجاورة لكنها غير متداخلة ولا متكاملة.

يبرز هذا المنطق الشبكي بوضوح في تحليل الكتاب لسيطرة العثمانيين على القاهرة والحجاز، حيث لم تكن الغاية ضمّ أراضٍ جديدة فحسب، بل إعادة تشكيل شبكات الإمداد الغذائي، وتدفقات الحج، والشرعية الدينية المرتبطة بالخلافة (Mikhail 2020, 210–245). هنا، تلتقي أطروحة ميخائيل مع تقاليد تحليلية ترى في الإمبراطوريات فضاءات تواصل قبل أن تكون حدودًا سياسية، على نحو ما صاغه فرناند بروديل في قراءته الطويلة الأمد للمتوسّط بوصفه نظام حركة لا مسرح أحداث (Braudel 1972).

غير أن اعتماد هذا المنظور الشبكي يطرح أيضًا إشكالات نقدية. فبعض المراجعات أشارت إلى أن تضخيم دور الشبكات الإمبراطورية قد يؤدي إلى تهميش أشكال الانقطاع، والمقاومة، واللا-تزامن داخل هذه الشبكات نفسها (Cromohs Debate 2021). ومع ذلك، يبقى إنجاز "ظلّ الله" الأساسي هو نقل النقاش من سؤال "من حكم؟" إلى سؤال "كيف تحرّكت السلطة؟"—وهو تحوّل تحليلي بالغ الأهمية في كتابة التاريخ العثماني والعالمي معًا.

مدن المشرق كعُقَد سيادية: دمشق، القدس، والقاهرة في المنظومة العثمانية

يعالج الكتاب مدن المشرق—دمشق، القدس، والقاهرة—بوصفها ركائز تشغيلية داخل البنية الإمبراطورية العثمانية، لا كمراكز إدارية هامشية أو فضاءات رمزية معزولة. ويقترح ميخائيل قراءة حضرية–سياسية ترى في هذه المدن عُقَدًا سيادية تتجسّد فيها الإمبراطورية عبر تنظيم الحركة، وإدارة الموارد، وإنتاج الشرعية، أكثر مما تتجسّد عبر السيطرة العسكرية المباشرة (Mikhail 2020, 235–315). بهذا المعنى، لا تظهر المدينة في الكتاب كمكان ثابت، بل كجهاز ديناميكي لإدارة الإمبراطورية.

تُقدَّم دمشق بوصفها مدينة-ممر، أو ما يمكن تسميته "بنية عبور إمبراطورية"، حيث تتقاطع فيها شبكات الأناضول، والجزيرة العربية، وشرق المتوسط، وصولًا لأوراسيا. وتكمن أهميتها، بحسب ميخائيل، في دورها المحوري في تنظيم الحج الشامي، وهو ما يجعلها مدينة سيادية بامتياز، تُمارَس فيها السلطة من خلال ضبط الإيقاع الزمني للحركة وزمنيتها، وتأمين الطرق، وإدارة الموارد المرتبطة بالقوافل (Mikhail 2020, 260–275). هنا، تتقاطع قراءة ميخائيل مع نظريات ترى في التحكم بالحركة والتنقّل أحد الأسس المبكرة للحكم الحديث (Harvey 2001)

غير أن القدس تحتل موقعًا أكثر تعقيدًا وحساسية في أطروحة ميخائيل. فالمدينة لا تُقرأ بوصفها هامشًا دينيًا أو رمزًا لاهوتيًا فحسب، بل كفضاء صيغت فيه شرعية إمبراطورية متعددة الطبقات. يشدّد ميخائيل على أن دمج القدس في المنظومة العثمانية لم يتم عبر عسكرة الفضاء أو فرض نموذج إداري صارم، بل عبر إعادة تنظيم شبكة الأوقاف، وترميم العمران، وربط المدينة إداريًا واقتصاديًا بدمشق والقاهرة، ضمن منطق إمبراطوري قائم على الرعاية والاحتواء (Mikhail 2020, 300–330). بهذا المعنى، تصبح القدس نموذجًا لما يمكن تسميته «السيادة الناعمة»، حيث تُنتَج السلطة من خلال الاستمرارية، والتنظيم اليومي، وإدارة المقدّس.

تكتسب هذه القراءة أهميتها حين توضع في سياق أوسع من تاريخ المدن المقدسة، حيث لا تُدار القداسة بوصفها نقيضًا للسياسة، بل كأحد مواردها الأساسية. فالقدس، في القراءة العثمانية التي يعيد ميخائيل إبرازها، ليست استثناءً خارج منطق الإمبراطورية، بل أحد مختبراته المركزية لإنتاج الشرعية العابرة للأقاليم. وهو ما يجعلها، وللمفارقة، مدينة «عالمية» قبل الحداثة، مندمجة في شبكات الحج، والمعرفة، والتجارة، والرمزية الدينية التي تجاوزت حدود المشرق ذاته (Mikhail 2020, 310–315).

أما القاهرة، فتُمثّل في الكتاب ذروة التحوّل الحضري–الإمبراطوري. فضمّها لم يكن مجرد توسّع جغرافي، بل إعادة توجيه لمنظومة بيئية–اقتصادية كاملة، تتمحور حول النيل، والحبوب، والعلاقة مع البحر الأحمر والمحيط الهندي. تتحوّل القاهرة، في هذا السياق، إلى عقدة لوجستية عالمية، تُدار من خلالها تدفّقات الغذاء، والضرائب، والحج، بما يربط المتوسط بشرق أفريقيا وآسيا (Mikhail 2020, 215–245, Bose 2006). هذا ما يجعل المدينة نموذجًا مبكرًا لما يمكن فهمه بوصفه «مدينة عالمية إمبراطورية» قبل تشكّل المدن الرأسمالية الحديثة، في صورتها الأوروبية الغربية.

يسمح هذا التركيز على مدن المشرق بإعادة قراءة الإمبراطورية العثمانية بوصفها مشروعًا حضريًا شبكيًا، حيث تُنتَج السلطة داخل المدن ومن خلالها، لا من المركز فقط. غير أن هذا المنظور يفتح أيضًا مجالًا لنقد مشروع: إذ إن التركيز على وظائف المدينة الإمبراطورية قد يُخفي التوترات الاجتماعية، واللا-تزامن التاريخي، وأشكال المقاومة المحلية التي لم تُدمَج بالكامل في الشبكة الإمبراطورية—وهي ملاحظات أثارها بعض نقّاد الكتاب في سياق الجدل حول سرديات التاريخ العالمي (boundary 2 2022).

مع ذلك، يظلّ إسهام "ظلّ الله" حاسمًا في إعادة وضع القدس، ودمشق، والقاهرة في قلب نقاشات الحداثة المبكرة، لا كمدن ما قبل حديثة، بل بما هي فضاءات تشكّلت فيها—بصيغ مختلفة—منطقيات الحكم، والتنظيم، والسيادة التي ستطبع العالم الحديث لاحقًا.

الحداثة، الأطلسي، وصناعة العالم الجديد: المشرق بوصفه شرطًا بنيويًا

يفتح "ظل الله" أفقًا تحليليًا مهمًا في نقاشات الحداثة من خلال قلب العلاقة الافتراضية المألوفة بين أوروبا والعالم غير الأوروبي. فبدل أن تُقرأ الحداثة بوصفها نتاجًا داخليًا لتطوّر أوروبي ذاتي، تقرر مدّه على أصقاع الدنيا، يقترح ميخائيل فهمها بوصفها عملية علائقية Relational تشكّلت عبر احتكاكات إمبراطورية متداخلة، كان للمشرق العثماني—ومدنه المركزية—دور بنيوي في صياغتها (Mikhail 2020, 120–170). بهذا المعنى؛ لا تُفهم الحداثة هنا كنقطة انطلاق أوروبية، بل كنتيجة لسلسلة من التفاعلات القسرية، والقيود الجيوسياسية، وإعادة توجيه لمسارات عالمية.

يجادل ميخائيل بأن السيطرة العثمانية على مفاصل التجارة في شرق المتوسّط، والبحر الأحمر، ومراكز الإنتاج الزراعي في مصر وبلاد الشام، أسهمت في دفع القوى الإيبيرية، ولاحقًا الأوروبية، إلى البحث عن مسارات بديلة خارج هذا النظام الإمبراطوري المغلق نسبيًا (Mikhail 2020, 145–160). في هذا السياق، لا يظهر التوسّع الأطلسي بوصفه فعل مبادرة حداثية خالصة، بل باعتباره استجابة تاريخية لضغط إمبراطوري قائم. يلتقي هذا الطرح مع نقد فرناند بروديل للسرديات الخطية للحداثة، حيث تُفهم التحوّلات الكبرى بوصفها ناتجة عن اختلالات في توازنات طويلة الأمد، لا عن اختراعات مفاجئة (Braudel 1972).

تكمن أهمية هذا التحليل في أنه يعيد إدخال مدن المشرق—ولا سيما القاهرة ودمشق—في قلب قصة "العالم الجديد". فالقاهرة، بوصفها مركزًا حيويًا لإدارة الحبوب والضرائب وشبكات البحر الأحمر، شكّلت عنصرًا حاسمًا في التحكم بتدفّقات الغذاء والتجارة نحو أوروبا، ما جعل السيطرة عليها عاملًا مؤثرًا في إعادة تشكيل الاقتصاد الأوروبي المبكر (Mikhail 2020, 215–245). أما دمشق، باعتبارها عقدة حركة وحج، فقد ساهمت في ضبط شبكات تنقّل ومعرفة امتد أثرها إلى ما وراء الفضاء الإسلامي، عبر وسطاء، ورحّالة، وتجار شكّلوا جزءًا من المخيال الأوروبي عن «الشرق» والعالم.

في هذا الإطار، تتقاطع أطروحة ميخائيل مع دعوة ديبيش تشاكرابارتي إلى «توطين أوروبا» داخل تاريخ عالمي متعدد المراكز، حيث لا تعود أوروبا معيارًا كونيًا للحداثة، بل حالة تاريخية تشكّلت ضمن شبكة أوسع من العلاقات الإمبراطورية (Chakrabarty 2000). غير أن الكتاب يذهب خطوة إضافية أبعد، إذ لا يكتفي بتفكيك مركزية أوروبا، بل يُظهر كيف أن أنماطًا من التنظيم، والإدارة، والسيادة—التي غالبًا ما تُنسب إلى الحداثة الأوروبية—قد تبلورت سابقًا داخل المنظومة العثمانية، وإن بصيغ مختلفة وغير متطابقة.

مع ذلك، يظل هذا الطرح عرضة لمساءلة نقدية مشروعة. فقد أشار بعض النقّاد إلى أن ربط الحداثة الأوروبية بشكل مباشر بالضغط العثماني قد ينزلق أحيانًا نحو سببية مبالغ فيها، تُقلّل من شأن الديناميات الاجتماعية والاقتصادية الداخلية في أوروبا نفسها (Mazower 2020،  Cromohs Debate 2021). غير أن قوة الكتاب لا تكمن في تقديم تفسير أحادي، بل في زعزعة اليقين السردي الذي طالما فصل بين "شرق متخلف ورجعي" و"غرب متقدم وحديث".

من هذا المنظور، لا يعود "العالم الجديد" فضاءً منفصلًا عن تاريخ المشرق، بل امتدادًا غير مباشر لتحوّلات بدأت في مدن مثل القاهرة ودمشق والقدس. فالحداثة، كما يقترح "ظلّ الله"، ليست انتقالًا من الشرق إلى الغرب، ولا قطيعة زمنية، بل إعادة توزيع للقوة داخل عالم كان متشابكًا منذ البداية.

الإمبريالية، الأطلسي، والأميركيتان: العثمانيون وصناعة العالم الجديد

يشكّل ربط الإمبراطورية العثمانية بتاريخ التوسّع الأطلسي والأميركيتين أحد أكثر جوانب الكتاب إثارة للجدل والاشتباك النظري.  ففي مواجهة السرديات التي تفصل بين تاريخ "العالم الإسلامي" وتاريخ الاستعمار الأوروبي، يجادل ميخائيل بأن الإمبريالية الأوروبية في العالم الجديد لا يمكن فهمها بمعزل عن الصراع البنيوي مع القوة العثمانية في المتوسّط والشرق (Mikhail 2020, 85–130) ،لا تظهر الإمبراطورية العثمانية هنا بوصفها غائبة عن الأطلسي، بل كقوة حاضرة عبر أثرها غير المباشر في إعادة توجيه الجغرافيا السياسية والاقتصادية الأوروبية.

يربط ميخائيل بين الحروب الدينية في أواخر العصور الوسطى وبدايات العصر الحديث—ولا سيما العداء المتصاعد للإسلام العثماني—وبين المخيال الاستعماري الذي رافق الغزو الأوروبي للأميركيتين. فشخصيات مثل كولومبوس، بحسب قراءة الكتاب، لم تتحرّك بدافع الاكتشاف أو التجارة فحسب، بل ضمن أفق صليبي متجدّد، نُقل من المتوسّط إلى الأطلسي بعد أن أُغلقت مساراته التقليدية (Mikhail 2020, 90–110) . بهذا المعنى، لا يكون "العالم الجديد" فضاءً بريئًا أو منفصلًا، بل مسرحًا جديدًا لاستمرار صراعات إمبراطورية ودينية بدأت في مدن مثل القدس والقاهرة ودمشق.

تكمن أهمية هذا الطرح في أنه يربط الإمبريالية الأوروبية المبكرة بمنطق التحويل الجغرافي للصراع (Geographical Displacement / Spatial Transfer of Conflict)، حيث لا تُلغى الحروب القديمة، بل يُعاد تموضعها في فضاءات جديدة. يتقاطع هذا التحليل مع مقاربات ترى في الإمبريالية مشروعًا تراكميًا لإعادة توزيع العنف والموارد، لا قطيعة تاريخية مفاجئة (Harvey 2003 Wallerstein 1974,). فالعنف الاستعماري في الأميركيتين—من الإبادة إلى العبودية—يظهر في "ظلّ الله" كامتداد لسجل طويل من الحروب الدينية والإمبراطورية التي شكّلت أوروبا نفسها.

غير أن هذا الربط الطموح يطرح أيضًا أسئلة نقدية جوهرية. فقد نبّه عدد من النقّاد إلى أن تحميل الإمبراطورية العثمانية دور "السبب البنيوي" للتوسّع الأطلسي قد يُخاطر بتقليص تعقيد السياقات المحلية في إيبيريا، أو بإضفاء وحدة أيديولوجية على مشاريع استعمارية كانت في الواقع متباينة بل وحتى متنافسة (Mazower 2020, Cromohs Debate 2021). كما أن التركيز على الإسلام بوصفه "الآخر المؤسِّس" للخيال الاستعماري الأوروبي قد يُغفل أشكالًا أخرى من العنف الداخلي الأوروبي التي سبقت الاحتكاك العثماني أو رافقته.

مع ذلك، تظل قيمة هذه النظرة في "ظل الله" في كسرها الفصل الاصطناعي بين تاريخ الإمبراطوريات، أو ما يعرف بالانقطاعات. فبدل النظر إلى الإمبراطورية العثمانية، والإمبراطوريات الأوروبية، والاستعمار في الأميركيتين بوصفها مسارات منفصلة، يصرّ ميخائيل على قراءتها باعتبارها تواريخ متداخلة تشكّلت عبر منطق المنافسة، والمحاكاة، والعداء المتبادل. وهو بذلك يعيد الإمبريالية إلى سياقها العالمي الحقيقي، لا بوصفها "اختراعًا أوروبيًا"، بل بما هي منطق ضروري، تشكّل داخل عالم متعدد الإمبراطوريات.

خاتمة

يقدّم كتاب "ظلّ الله"، في محصّلته النهائية، أكثر من إعادة كتابة لتاريخ الإمبراطورية العثمانية في مطلع العصر الحديث؛ إنّه اقتراح منهجي لإعادة التفكير في كيفية كتابة التاريخ العالمي نفسه. فالميزة الأهم في عمل ميخائيل لا تكمن فقط في إعادة إدراج العثمانيين في قلب السردية العالمية، بل في مساءلته العميقة للمنطق الذي حوّل الحداثة الأوروبية إلى أفق تفسيري شامل، تُقاس عليه جميع التجارب التاريخية الأخرى (Mikhail 2020). من خلال ربط الإمبراطورية بالشبكات، والمدن، والبنية التحتية، والإمبريالية، يكشف الكتاب أن العالم الحديث تشكّل داخل فضاء إمبراطوري متشابك وممتد، لا عبر مسار تقدّمي خطي ينطلق من أوروبا نحو بقية العالم.

من هذا المنطلق، تكتسب ترجمة "ظلّ الله" إلى اللغة العربية أهمية معرفية تتجاوز حدود نقل المعرفة، لتدخل في صلب معركة إبستمولوجية حول من يكتب التاريخ، ومن يُستبعد من سردياته. فالمكتبة العربية شهدت خلال العقدين الأخيرين تراكمًا لافتًا في ترجمات أعمال التاريخ العالمي والدراسات العابرة للأقاليم—من سوغاتا بوس وأطروحته حول المحيط الهندي وتاريخه الاجتماعي الممتد إلى الخليج العربي والبحر الأحمر، إلى إلهام خوري-مقدسي وتحليلها لشرق المتوسط بحواضره الأساسية بوصفه فضاءً عالميًا للراديكالية، إلى ميشيل برونو في أوراسيا، وأعمال أميتاف غوش وأسامة مقدسي التي أعادت ربط التاريخ المحلي بسياقات إمبراطورية وعالمية أوسع. إدراج "ظلّ الله" ضمن هذا المسار لا يضيف كتابًا جديدًا فحسب، بل يساهم في إعادة تموضع تاريخ المشرق نفسه بوصفه تاريخًا مُؤسِّسًا للعالم الحديث، لا هامشًا تابعًا له.

تتضاعف أهمية هذا الأفق في السياق السياسي والمعرفي الراهن، ولا سيما في ظل أزمة الحداثة الغربية الأوروبية–الأمريكية التي تتكشّف اليوم بوضوح غير مسبوق. فالحرب الإسرائيلية الإبادية على غزة لم تفضح فقط عنف الاستعمار الاستيطاني المعاصر، بل كشفت أيضًا هشاشة الادعاءات الأخلاقية للحداثة الغربية، وارتهانها التاريخي لمنطق الإمبراطورية، والإقصاء، وإدارة الموت. في هذا السياق، لم تعد أسئلة التاريخ العالمي أكاديمية محضة، بل تحوّلت إلى أدوات لفهم العنف المعاصر وجذوره البنيوية، المتمثلة في سياسات اليومي المعيش. وهنا، يكتسب "ظلّ الله" راهنيته القصوى، إذ يسمح بقراءة الحاضر بوصفه استمرارًا لتاريخ طويل من التنافس الإمبراطوري، وصناعة "الآخر"، وتدوير العنف عبر فضاءات جديدة.

إن تقاطع الكتاب مع تصاعد تيارات الدراسات المناهضة للكولونيالية (Anti-colonial Studies) والنازعة لها (decolonial studies) ليس عرضيًا. فإعادة تفكيك مركزية أوروبا، وإبراز الطابع العلائقي للحداثة، وفضح الأسس الإمبراطورية التي قامت عليها، تمثّل اليوم شروطًا ضرورية لأي مشروع نقدي يسعى إلى تجاوز الاستعمار معرفيًا، لا فقط سياسيًا. غير أن قوة “ظلّ الله” تكمن في أنه لا يستبدل مركزية بأخرى، ولا يمجّد الإمبراطورية العثمانية بوصفها بديلًا أخلاقيًا، بل يستخدمها كعدسة تاريخية لكسر منطق المركز ذاته. بهذا المعنى، يمكن النظر إلى ظلّ الله بوصفه نصًا تأسيسيًا في لحظة تاريخية تتداعى فيها السرديات الغربية الكبرى، وتتبلور فيها الحاجة إلى كتابة تاريخ عالمي أكثر تعدّدًا، وأكثر قدرة على مساءلة الحداثة بوصفها مشروعًا عنيفًا بقدر ما هو منتِج. إن ترجمة هذا العمل، وقراءته نقديًا في السياق العربي، ليست فعل استقبال معرفي، بل جزء من معركة أوسع لإعادة امتلاك التاريخ، والحاضر، وإمكانات المستقبل.

المراجع:

  1. Braudel, Fernand. The Mediterranean and the Mediterranean World in the Age of Philip II. Translated by Siân Reynolds. New York: Harper & Row, 1972.

  2. Bose, Sugata. A Hundred Horizons: The Indian Ocean in the Age of Global Empire. Cambridge, MA: Harvard University Press, 2006.

  3. Castells, Manuel. The Rise of the Network Society. Oxford: Blackwell, 1996.

  4. Chakrabarty, Dipesh. Provincializing Europe: Postcolonial Thought and Historical Difference. Princeton, NJ: Princeton University Press, 2000.

  5. Cromohs Debate. “How to Write Fake Global History.” Cromohs – Cyber Review of Modern Historiography, 2021. Florence: Firenze University Press.

  6. Finkel, Caroline. Review of God’s Shadow: Sultan Selim, His Ottoman Empire, and the Making of the Modern World, by Alan Mikhail. Literary Review, 2020.

  7. Ghosh, Amitav. In an Antique Land. New York: Vintage, 1992.

  8. ———. The Great Derangement: Climate Change and the Unthinkable. Chicago: University of Chicago Press, 2016.

  9. Harvey, David. Spaces of Capital: Towards a Critical Geography. New York: Routledge, 2001.

  10. ———. The New Imperialism. Oxford: Oxford University Press, 2003.

  11. Khuri-Makdisi, Ilham. The Eastern Mediterranean and the Making of Global Radicalism, 1860–1914. Berkeley: University of California Press, 2010.

  12. Latour, Bruno. Reassembling the Social: An Introduction to Actor-Network-Theory. Oxford: Oxford University Press, 2005.

  13. Mazower, Mark. Review of God’s Shadow: Sultan Selim, His Ottoman Empire, and the Making of the Modern World, by Alan Mikhail. Financial Times, 2020.

  14. Mikhail, Alan. God’s Shadow: Sultan Selim, His Ottoman Empire, and the Making of the Modern World. New York: Liveright, 2020.

  15. Makdisi, Ussama. Age of Coexistence: The Ecumenical Frame and the Making of the Modern Arab World. Berkeley: University of California Press, 2019.

  16. Wallerstein, Immanuel. The Modern World-System I: Capitalist Agriculture and the Origins of the European World-Economy in the Sixteenth Century. New York: Academic Press, 1974.

هوامش

موضوعات

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع