صدر أخيراً عن مركز دراسات الوحدة العربية كتاب "الذاكرة الفلسطينية في الفضاء الرقمي: أشكالها، إشكالياتها، آفاقها"، لمؤلفته تغريد علي السميري. يشكّل الكتاب محاولة علميةً في فهم التحوّل العميق في طبيعة الذاكرة التي تتعدّى كونها مضموناً ثابتاً إلى ممارسةٍ رقميةٍ متغيّرة، يصوغها الجمهور الفلسطيني بشكل يوميّ عبر الشاشات.
ينتمي الكتاب إلى حقل دراسات الذاكرة، ويعتمد مقاربةً متداخلةً تجمع بين الإعلام والسوسيولوجيا والدراسات الثقافية، واضعاً سؤال الذاكرة الفلسطينية في صلب التحوّلات الرقمية المعاصرة. ولا يكتفي العمل بتتبع أشكالِ حضور الذاكرة في المنصّات الرقمية، متجاوزاً ذلك إلى تفكيك آليات إنتاجها وشروط تداولها وكذا حدود السيطرة عليها في فضاء تحكمه الخوارزميات وتعيد تشكيله تفاعلات المستخدمين.
تنطلق السميري، الباحثة في الإعلام ودراسات الذاكرة، من مساءلةٍ مركزيةٍ تتعلق بكيفية بناء الذاكرة الفلسطينية وإعادة بنائها في الحيّز الرقمي، ومن هم الفاعلون الجدد في هذه العملية، وما طبيعة العلاقة بين المتذكِّر الفلسطيني والمنصّة الرقمية. وفي هذا الإطار، تبحث الكاتبة في خصائص الذاكرة الفلسطينية الرقمية، وفي تحوّل المتلقّي من مستهلكٍ للذاكرة إلى شريكٍ في إنتاجها وفي طبيعة الفضاء الرقمي الذي أضحى وسيطاً أساسيّاً للتذكر.
يعتمد الكتاب على تحليل محتوى ثماني مبادراتٍ رقميةٍ، فردية ومؤسسية، معنية بتوثيق الذاكرة الفلسطينية، ويقاربها باعتبارها نماذجَ لطرائق مختلفةٍ في سرد الماضي وتمثيله على نحو رقميٍّ. كما يستند إلى حلقة مناقشةٍ مركّزةٍ مع عدد من الشباب الفلسطيني، بهدف فهم أنماط التفاعل مع هذه المبادرات، إضافةً إلى مقابلاتٍ مفتوحةٍ مع ستة من صنّاع المحتوى الرقمي المتخصّصين في الذاكرة الفلسطينية للكشف عن إشكاليات التوثيق وحدود السرد وتحديات العمل في فضاءٍ رقميٍّ غير محايدٍ.
وتخلص المؤلفة إلى نتائج لافتةٍ، أبرزها أن مفهوم الذاكرةِ الجمعيةِ بصيغته الكلاسيكية لم يعد قادراً على تفسير ما يجري في الفضاء الرقمي الفلسطيني، حيث تبرز ذاكرةُ الجمهور باعتبارها الشكل الغالب للذاكرة: ذاكرةٌ متشظّيةٌ، متعدّدة الأصوات، تتكوّن من مساهماتٍ فرديةٍ تتقاطع داخل شبكةٍ رقميةٍ واحدةٍ. كما يشير إلى أن المنصّات الرقمية أتاحت للفلسطينيين هامشاً أوسع للتحرّر من أنماط التحكم التقليدية في الذاكرة، ومكّنتهم من ممارسة ما تصفه المؤلفة بـ"النسيان الاحتياطي"، أي اختيار ما يُحفَظ وما يُؤجَّل وكذا ما يُستبعَد من التداول.
يتوزّع الجديد على ثمانية فصولٍ ضمن قسمين، ويضمّ إلى جانب ذلك الجداول والأشكال والملاحق والمراجع، في بناءٍ علميٍ متماسكٍ يعكس جهداً بحثياً ممتداً. وتكمن أهميته في كونه يتعامل مع الذاكرة الفلسطينية بوصفها عملية مفتوحة، تخضع باستمرارٍ لإعادة الصياغة في ضوء التحولات الرقمية، حيث الصراع يدور حول السرد والتمثيل ومن يمتلك حقّ التذكّر في فضاء لا يعترف بالثبات.
