أصدرت مجموعة من المثقفين والسينمائيين من دول الجنوب العالمي بياناً تضامنياً مع حق سينمائيين سحب أفلامهم من مهرجان مارسيليا السينمائي على إثر قرار إدارة المهرجان استضافة المخرج الإسرائيلي نداف لابيد، هنا ننشر البيان كاملاً:
نحن الفنانين والباحثين والمثقفين المنتمين إلى بلدان الجنوب أو المنحدرين منها، نعلن دعمنا الكامل لصنّاع الأفلام والمنتجات والمنتجين: هالة العبد الله، عصمت أميرالاي، فاطمة الشريف، أود فوريل، محمد حمدي، عايدة قعدان، فارس العجيمي، ناريمان ماري، مونيكا ماورر، نور صبّاغ، غسان سلهب، ومحمد سويد، الذين قرروا سحب أفلامهم من مهرجان مرسيليا الدولي للسينما (FID)، المقرر عقده في تموز/يوليو 2026، ما دام المهرجان متمسكًا بقرار تكريم مخرج منخرط في منظومات التطبيع مع دولة إسرائيل .1عرض المخرج نداف لابيد أفلامه في مهرجانات مدعومة من وزارات إسرائيلية، وشارك في جوائز أوفير للسينما الإسرائيلية (التي يُمثّل الفائز بها إسرائيل تلقائيًا في جوائز الأوسكار) ، كما شارك مرارًا في مهرجان الفيلم الإسرائيلي في باريس، المدعوم خصوصًا من السفارة الإسرائيلية، والذي افتُتحت دورته هذا العام بكلمة ألقاها السفير الإسرائيلي في فرنسا.
كان يفترض بهذا الموقف السياسي الرافض أن يفتح مساحةً للتفكير الجماعي في معنى المقاطعة الثقافية، وفي رفض أشكال التطبيع كافة مع الدولة الإسرائيلية، وفي مسؤولية الوسط الثقافي تجاه الإبادة الجماعية الجارية في قطاع غزة، وتجاه نضال الشعب الفلسطيني بصورة أوسع.
لكن ذلك لم يحدث.
على العكس، قوبل هذا الموقف باستنكار عدد واسع داخل الأوساط الثقافية الفرنسية، وبتغطية إعلامية لافتة للانتباه، بقدر ما كانت كاشفة.2جرى رصد نحو 180 تغطية إعلامية في فرنسا خلال الأيام الستة الأولى التي تلت إعلان سحب الأفلام، ولم ينقل سوى ثلاثة منها بعض الكلمات التي قالها أصحاب قرار سحب أفلامهم.
لقد هبّ جزء واسع من الوسط الثقافي3«دعوة فنان إلى مهرجان لا تعني تنصيبه سفيرًا ثقافيًا»: أكثر من 350 شخصية تدعم المخرج الإسرائيلي نداف لابيد، لوموند، 8 يونيو/حزيران 2026.، لا للتنديد بتدمير غزة، ولا بإبادة الشعب الفلسطيني، ولا بغزو جنوب لبنان واحتلاله، ولا بتوسع الاحتلال في سوريا، ولا بتواطؤ فرنسا في الإبادة الجماعية الجارية.
نعم السينما سياسية: بيان السينمائيين في مهرجان مارسيليا دعما للمقاطعة
لم يتحرك احتجاجًا على التدمير المنهجي في قطاع غزة والضفة الغربية للجامعات والمراكز الثقافية والمكتبات وفضاءات المعرفة.
لم يتحرك لإدانة الرقابة واعتقال الفنانين والمثقفين الفلسطينيين وسجنهم وتعذيبهم واغتيالهم. كما لم يبدِ القلق نفسه حيال حملة القمع غير المسبوقة التي تطال في فرنسا الأصوات المتضامنة مع النضال الفلسطيني.
أما ما أثار صدمتنا، فهو فعل الرفض نفسه؛ إذ جرى تصويره فورًا بوصفه خطأً أخلاقيًا يوازي الرقابة، ودليلًا على فكر عقائدي جامد، واعتداءً على حرية التعبير، وجبنًا، بل وحتى تعبيرًا عن غضب وعنف بدائيين.
ونذكّر بأن الذين اختاروا سحب أفلامهم فعلوا ذلك استجابةً للنداء الذي أطلقته 172 منظمة من منظمات المجتمع المدني الفلسطيني. وهو المجتمع المدني نفسه الذي أطلق عام 2005، مستلهمًا الحملات الدولية ضد نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS).
هذا المجتمع هو الذي حدّد أشكال مقاومته اللاعنفية، ودعا المجتمعات المدنية حول العالم إلى دعمه وفق آليات صاغها انطلاقًا من تجربته التاريخية مع الاستعمار والاحتلال ونظام الاضطهاد الذي يخضع له.
ومن خلال قرارهم سحب أفلامهم، استجاب السينمائيون المدعوون إلى مهرجان مرسيليا لنداء الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل (PACBI)، وانضموا بذلك إلى حملة دولية باتت مبادئها معلنة وجزءًا من تاريخ النضالات المناهضة للاستعمار.4الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل (PACBI) هي حملة تستهدف المؤسسات الثقافية الإسرائيلية وأشكال التواطؤ أو الرعاية أو التمويل أو التمثيل المرتبطة بهذه المؤسسات، ولا تستهدف الفنانين بصفتهم أفرادًا على أساس جنسيتهم أو أصولهم أو آرائهم.
لقد تابعنا باهتمام رد الفعل شبه الإجماعية في الأوساط الثقافية والفكرية الفرنسية. رأيناها تمنح الشرعية أو تحجبها، وتسعى إلى نزع المصداقية عن المقاطعة بوصفها شكلًا من أشكال النضال، وتُبالغ في إصدار الأحكام الأخلاقية، محددة أي أشكال المقاومة مقبولة وأيها مرفوضة، إلى حدّ أنها وضعت نفسها محل الفلسطينيين أنفسهم في تقرير ما يخدم قضيتهم وما يضرّ بها.
وكانت النتيجة، كما يحدث غالبًا، واحدة: ترهيب الأصوات الداعمة للنضال الفلسطيني، ودفعها إلى الصمت، ثم نزع الشرعية عن نداء المجتمع المدني الفلسطيني.
هذه الآلية الأبوية ليست جديدة علينا.
فنحن نأتي من جزء آخر من العالم. ننتمي إلى تاريخ آخر؛ تاريخ الذين تعرضوا الاستعمار والعنصرية. تاريخ الذين يرون فيما يجري في فلسطين اليوم امتدادًا لمسار تاريخي من الاستعمار الامبريالية وسلب الأرض والسيطرة.
المقاطعة الثقافية فعل سياسي: بيان بشأن استبعاد المخرج الإسرائيلي من مهرجان مارسيليا
نحن نعرف، حتى في أجسادنا وذاكرتنا، معنى الاستعمار والعنصرية والإذلال وفكرة التفوق الأبيض.
ونعرف أنه في فرنسا، كما في أماكن أخرى من الغرب، يُطلب منا باستمرار أن نشرح أنفسنا، وأن نُبرّر كلماتنا قبل أن ننطق بها. نعرف أن الشك يسبق خطابنا، وأن علينا دائمًا إحاطته بالتحفظات حتى لا تُسحب منه الشرعية.
ونعرف أيضًا أن الندوات والمهرجانات والمؤتمرات والفضاءات الثقافية لا تفتح أبوابها لنا إلا ضمن شرط غير معلن: قبول قواعد اللعبة التي تفرضها الهيمنة الثقافية الغربية.
كما نعرف أن تضامننا مع فلسطين لا يُعتبر مقبولًا إلا عندما يكون مخففًا، ومؤطرًا، ومحكومًا بمنطق التناظر، أو مصادقًا عليه من سلطة أخلاقية إسرائيلية.
وعندما نرفض هذه الشروط، كما فعل السينمائيون في مهرجان مرسيليا، تأتي العقوبة سريعًا: التشكيك في شرعيتنا، إسكاتنا، ودفعنا خارج دوائر الاعتراف في الفضاء الثقافي والفكري والإعلامي الفرنسي والغربي.
لكننا نرفض أن نُختزل إلى مجرد واجهة رمزية، أو ذريعة، أو موضوع للشفقة.
نحن ذوات سياسية كاملة الحقوق.
ومن هذا الموقع، نملك الحق في تحديد الشروط التي نتحدث ضمنها، أو نعرض أعمالنا فيها، أو نمتنع عن المشاركة من خلالها.
ونملك كامل الحق في سحب حضورنا من أي إطار يستخدم مشاركتنا لتبرئة ضميره بدل مساءلة مسؤوليته ومسؤولية القوى الغربية عن الإبادة الجماعية الجارية.
ونملك أيضًا الحق في مساءلة هذا الإطار عندما يعجز عن مواجهة إرثه الاستعماري، وفي دفعه إلى إعادة النظر في مركزية منظوره.
ونبقي الأمل في أن يأتي يوم تتوقف فيه المؤسسات الثقافية عن مطالبة الفنانين بالتخلي عن قناعاتهم عند أبواب المهرجانات والمتاحف والمسارح.
كما نأمل أن تعترف هذه المؤسسات بأن الثقافة ليست فضاءً منفصلًا عن صراعات العالم، بل مكانًا ينبغي أن تُسمّى فيه أزمات عصرنا، وأن تُواجه، وأن يُفكّر فيها بحرية؛ من دون أن يُطلب ممن يحملون هذه الأسئلة التخلي عن كرامتهم السياسية.
هوامش
- 1عرض المخرج نداف لابيد أفلامه في مهرجانات مدعومة من وزارات إسرائيلية، وشارك في جوائز أوفير للسينما الإسرائيلية (التي يُمثّل الفائز بها إسرائيل تلقائيًا في جوائز الأوسكار) ، كما شارك مرارًا في مهرجان الفيلم الإسرائيلي في باريس، المدعوم خصوصًا من السفارة الإسرائيلية، والذي افتُتحت دورته هذا العام بكلمة ألقاها السفير الإسرائيلي في فرنسا.
- 2جرى رصد نحو 180 تغطية إعلامية في فرنسا خلال الأيام الستة الأولى التي تلت إعلان سحب الأفلام، ولم ينقل سوى ثلاثة منها بعض الكلمات التي قالها أصحاب قرار سحب أفلامهم.
- 3«دعوة فنان إلى مهرجان لا تعني تنصيبه سفيرًا ثقافيًا»: أكثر من 350 شخصية تدعم المخرج الإسرائيلي نداف لابيد، لوموند، 8 يونيو/حزيران 2026.
- 4الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل (PACBI) هي حملة تستهدف المؤسسات الثقافية الإسرائيلية وأشكال التواطؤ أو الرعاية أو التمويل أو التمثيل المرتبطة بهذه المؤسسات، ولا تستهدف الفنانين بصفتهم أفرادًا على أساس جنسيتهم أو أصولهم أو آرائهم.
