في "أعلم أنك تسمعني"، ينطلق كاتب ومخرج الفيلم يوسف الصالحي إلى رحلة تكاد تكون الأكثر نوعية في مسيرته التي أخذ ينميها على مدار السنوات بحبٍّ للسينما وشغف لا ينضب اتجاهها في ظروف سياسية وتمويلية نعلم كلنا ضيقها وصعوبتها، ليكللها عام 2025 بافتتاح فيلمه هذا لمهرجان القاهرة الدولي للفيلم القصير بنسخته السابعة على التوالي، وقد عبر الصالحي على صفحاته عن اكتمال نمو هذه التجربة التي بدأها بورشة لكتابة السيناريو في فيلم لاب فلسطين بتوجيه آنذاك من المخرجة الفلسطينية سهى عراف، لتكون العمل الأضخم والأكثر طموحاً في مسيرته حتى الآن من خلال عمله مع فريق سينمائي كامل.
"أعلم أنك تسمعني" فيلم روائي قصير من 25 دقيقة، يحكي قصة حب ووفاء بين كوزيت (أمل مرقس) وسليم (كامل الباشا) اللذين سلب الاحتلال منهمها عشرين عاماً، وعوضهما بأرقٍ وكوابيس وفقدٍ ورسائل وصلت ولكنها لم تُقرأ بعد. لعل هذه هي المرة الأولى التي يلمس فيها الصالحي موضوعاً سياسياً، لكنه أيضاً لم يتجرد من رغبته في الحديث عن ظواهر اجتماعية برؤية امرأتين هما فريدة ورقية اللتين تلعباهما كارمن لاما وهدى الإمام بالترتيب، وبمشاركة فداء زيدان، أديب الصفدي، إميل سابا ودورٍ كالورد كان من نصيب جورج خليفي بشخصية العم ربيع.

يبدأ الفيلم مع بيضتين في المقلاة، وبيضتين أخريتين تهم كوزيت في كسرهما، لكنها تتذكر أن الكمية التي تحضرها كافية لها هي التي فقدت والدها منذ بضعة أيام، إلا أن هذا التردد تجاه عدد البيضات كان في الخفاء ينمُّ عن أشياء أخرى؛ فليس التردد من شيمها، لكن محاولاتها لمدِّ جسر تواصلٍ جديد مع سليم بدأت تأخذ مراحلها الأخيرة دون أمل في العودة. كوزيت كاتبة تعيش في عالمها الرومانسي الدافىء، في بيتها الحي، المنير كالبيضة والبرتقال والليمون رغماً عن أنفِ الموت الذي زارها، لها من اسمها نصيب؛ فهي تحمل اسم شخصية فيكتور هيوجو الشهيرة في روايته البؤساء، الشخصية التي أصبحت بمرورِ الزمن رمزاً للأمل ولنشدِ العدالة. أمَّا كوزيت في "أعلم أنك تسمعني" كاتبة حالمة تعلم دوافع شخصيات رواياتها، ولكنها لا تفهم سليم، خطيبها منذ عشرين عاماً، الذي أمسى يعيش بعد الأسر في زنزانة بيته البارد، بعيداً عن مهنته في التدريس، محاصراً بقوقعة صمته المربك الذي تجهل كوزيت ما وراءه، هي التي عرفت سليم بأوج عنفوانه.
لم يتنصل الصالحي -مرةً أخرى- من إدخال عنصر الكوميديا على قطعته هذه، بل حافظ على روح تجربته التي جسدها في أفلامه السابقة كما في فيلم ذاكرة السمكة (2017) وخالد للأبد (2023): الإطارات والسيناريو كوسيلة للحلم، لعلي شعرت للحظةٍ ما أن عنصر الكوميديا كان زائداً عن الحاجة، ولكن لا بد أنه البؤس الذي يربكنا فيخرج ما فينا من سخرية تجاه القدر، بكل الأحوال أصبح هذا العنصر مبرراً؛ لأنه كشف عن تفاصيل أخرى سنعلمها عن كوزيت وسليم.
ما لا يُقال وتحكيه الصورة
لم تكن ميرا وفريدة وَرُقية محركات للأحداث أو الدوافع بقدر الرغبة في خلق جو ما، أو التعرض -كما ذكرنا سابقاً- لظواهر اجتماعية، على الرغم من ذلك فقد نالت هذه الشخصيات اهتماماً خاصاً في اختيار الأزياء، هؤلاء النساء الثلاث يرتدين ستراً منقوشة، ثلاثهن "حشريات" كلٌّ على مقدارها. أما العم ربيع (الشخصية الوحيدة التي تلتقي بالبطلين كليهما؛ ليحرك فيهما شيئاً ما) فقد جمع في كنزته برد سليم، وفي جاكيته دفء كوزيت.
كما كان للوحات التي ظهرت في أماكن مختلفة دورٌ فاعل في رواية الحكايةِ وصياغة تعابير جمالية وإنسانية توشي بنهايةٍ جسدت الإطار الأجمل والأكثر جرأة في الفيلم، هذه النهاية التي أظهرت مهارةً أخرى للصالحي في كتابة الأغنية التي سجلت بصوت حلا طراد.
إخلاص عشرين عاماً مشروع حكاية أخرى عن ما بعد النهاية
شخصياً، شاهدت الفيلم ثلاث مرات، كانت الأولى كفيلةً لكتابة هذه القراءة، أما عن المشاهدتين التاليتين فكانتا لإعطاء الفيلم حقه، وتجنباً للخطأ. عند مشاهدتي الأولى، لم أحرك فأرة حاسوبي، إلا لأتعلم أكثر عن بنية الأحداث وتوقيتها -وهو ما أفعله دوماً مع كل الأفلام التي أختار مشاهدتها-، قد يكون فحص التوقيت للبعض علامةً على ملل في مواضع ما، لكنني لم ألمس موضعاً يدعوني للتململ في "أعلم أنك تسمعني"، على العكس تماماً، آثرت لو أن الفيلم تنفسَ أكثر.
برنين الهاتف والكلمات وصل الصالحي إلى نهاية قصته. وفي ظل ما يعيشه الأسرى في سجون الاحتلال، للفيلم موقفان يذكران: الأول هو التعبير عن الحالة النفسية للأسير الفلسطيني، والثاني هو الموقف الإيجابي للمرأة الفلسطينية التي تنتظر لسنوات عديدة طويلة حبيبها، أو خطيبها، أو زوجها تربي أبناءهما وحدها إلى أن يشاء القدر أن يجتمعا مرةً أخرى.

