صدر حديثاً عن منشورات "تكوين"، كتاب "الإبادة الجماعية في غزة: حرب إسرائيل الممتدة على فلسطين"، للمؤرخ اليهودي آڤي شلايم وبترجمة لشهد دعباس.
شكّلت الحرب الوحشية التي شنّتها إسرائيل على قطاع غزة من بعد عملية حركة حماس في ٧ أكتوبر 2023، محطة مفصلية كبرى في التاريخ الملطخ بالدماء للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني. وقد كانت هذه الهجمة العسكرية الإسرائيلية الثامنة على غزة منذ عملية "الرصاص المصبوب" في ديسمبر 2008. كما كانت الأكثر شراسة وتدميرا وإزهاقا للأرواح، إذ تجاوز عدد ضحاياها بكثير مجموع قتلى الهجمات السبع السابقة مجتمعة.
إن تزويد إسرائيل بأسلحة القتل الجماعي، إلى جانب الحماية الدبلوماسية التي تحظى بها في الأمم المتحدة، يجعل الولايات المتحدة وبريطانيا ومعظم دول الاتحاد الأوروبي ليسوا مجرد متواطئين فحسب، بل ممكّنين لجرائم الحرب الإسرائيلية الفادحة. وقد لاحظ نعوم تشومسكي أن "الاستعمار الاستيطاني هو الشكل الأكثر تطرفا ووحشية من الإمبريالية". ولا يوجد ما يجسد هذه الحقيقة الجوهرية على نحو أوضح من حرب إسرائيل الطويلة والوحشية ضد الشعب الفلسطيني.

تقول فرانشيسكا ألبانيزي - المقرِّرة الخاصة للأمم المتحدة في الأراضي الفلسطينية المحتلّة: إن المجتمع الدوليّ يقف اليوم على حافّة هاوية قانونية وأخلاقية، إذ إن إفلات إسرائيل المستمرّ من المحاسبة لم يؤدِّ إلى تصعيد ممارساتها الشنيعة فحسب، بل بات يُقوّض أسس القانون الدوليّ ذاته. وفي هذا السياق، شكّل قرارُ محكمة العدل الدوليّة إدانةً صريحةً وواضحةً لسلوك إسرائيل، مؤكّدًا عدم شرعيّته وطابعه الاستعماريّ التوسّعي، بما يُمهّد لتحوّلٍ حقيقيّ في الموقف الدوليّ. لقد جاء هذا القرار بمثابة نداءٍ حاسمٍ ينبغي على الدول أن تُصغي إليه، فلم يعُد مقبولًا - لا أخلاقيًّا ولا قانونيًّا - الاستمرارُ في التعامل مع الاحتلال كأمرٍ واقع. بل أصبح التخلي عن هذا الموقف التواطئيّ التزامًا قانونيًّا صريحًا يقع على عاتق الدول.
وتكمل: بالنسبة إلى كلٍّ منّا، لم يعُد هناك متّسعٌ للتقاعس، لقد حان وقتُ الفعل. فالشعب الفلسطيني بات يواجه تهديدًا وجوديًّا، ومن محض الحماقة تصوّرُ أن أيًّا من هذه الأعمال والسياسات قد يجعل الإسرائيليين أكثر أمانًا واستقرارًا، في عالمٍ نرجو أن يكون قد شهد آخر إبادة جماعية في التاريخ الحديث. علاوة على ذلك، إذا فشل المجتمع الدوليّ في محاسبة إسرائيل في أعقاب هذا العنف المتواصل، فإنه بذلك يكون قد حطم عن قصد الأساس الذي قام عليه القانون الدوليّ على مدى القرن الماضي. وكما حذّر المدعي العام للمحكمة الجنائية الدوليّة من أن التطبيق الانتقائي للقانون من شأنه أن يتسبب في الانهيار التام لمنظومة العدالة الدوليّة في نهاية المطاف. وبينما نشاهد أول إبادة جماعية استعمارية استيطانية تُبثُّ مباشرة، يصير تحقيق العدالة ضرورة لا تحتمل التأجيل، لأن العدالة وحدها، بمفهومها الأوسع، قادرة على مداواة الجروح التي تركتها المصالح السياسية تتقيَّح لعقود. وكما اختتمت تقريري الأخير، «الإبادة الجماعية كمحو استعماري»، فإن الفتك بهذا العدد الهائل من الأرواح لا يشكِّل فقط إهانة للإنسانية، بل يمثِّل أيضًا تهديدًا جوهريًّا لكل ما يجسّده القانون الدوليّ.
آڤي شلايم هو أستاذ فخري للعلاقات الدولية في جامعة أكسفورد، وزميل في كلية سانت أنطونيز، يُعد شلايم مؤرخا عالميا مرموقا للشرق الأوسط الحديث. شغل زمالة البحث في الأكاديمية البريطانية بين عامي 1995 و1997، وأستاذية البحث في الأكاديمية نفسها بين عامي 2003 و2006، وانتُخب زميلا في الأكاديمية البريطانية عام 2006، كما مُنح ميدالية الأكاديمية البريطانية عن مجمل إنجازاته عام 2017.
يهودي عربي، وُلد في بغداد عام 1945، ونشأ في إسرائيل، وخدم في الجيش الإسرائيلي، وتلقى تعليمه الجامعي في جامعتي كامبريدج وكلية لندن للاقتصاد. يعمل في مركز الشرق الأوسط في كلية سانت أنطونيز، حيث يتركز اهتمامه البحثي الأساسي على الصراع العربي-الإسرائيلي، ولا سيما أخيرا الإبادة الجماعية في غزة. وقد اشتهر على نطاق واسع بوصفه أحد "المؤرخين الجدد"، وهي مجموعة صغيرة من الباحثين الإسرائيليين الذين قدموا، منذ أواخر ثمانينيات القرن العشرين، قراءات نقدية لتاريخ الصهيونية وإسرائيل.
يؤمن آفي شلايم بالوظيفة التخريبية للتاريخ، وباستخدام المصادر الأرشيفية لتحدي المسلمات السائدة وتفكيك الأساطير القومية. وهو يرى أن "المهمة الأساسية للمؤرخ ليست السرد الزمني، بل التقييم… إخضاع ادعاءات جميع الأطراف لفحص صارم، ورفض كل ادعاء، مهما كان عزيزا ومتجذرا، إذا لم يصمد أمام هذا الفحص."
رمان
