صدر أخيراً كتابان حول المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد، الأول هو "إدوارد سعيد: رواية أفكاره" (الرواق، 2026) للروائية والباحثة اللبنانية دومينيك إدّه، ومن ترجمة خميلة الجندي. أما الثاني فهو "الخطاب النقدي عند إدوارد سعيد: السرديات والتأويليات الثقافية"، للكاتب السوري عبد الرحمن نعسان، (ميسلون للثقافة والترجمة والنشر، 2026)
"إدوارد سعيد: رواية أفكاره"
يتتبّع كتاب دومينيك إدّه "إدوارد سعيد: رواية أفكاره" المسار الفكري لإدوارد سعيد، من خلال قراءة معمّقة لتشكّل مواقفه في تقاطع الفلسفة والسياسة والتاريخ، إلى جانب تخصّصه في الأدب والنقد وفقه اللغة. وتسعى إدّه إلى إخراج تجربة سعيد من الاختزال الشائع في كتابه الأشهر "الاستشراق"، عبر إبراز أبعاد فكرية وإنسانية أوسع، تجعل منه مثقفاً مركّباً لا يُختصر في عمل واحد مهما بلغت أهميته.
تنطلق إدّه من محدّدات أساسية في تجربة سعيد، وفي مقدّمها كونه مثقفاً فلسطينياً سُلب وطنه الأول، ما جعل المنفى والاغتراب من المحاور المركزية في تفكيره. وتعرض بالتوازي نقده المتواصل لإسرائيل بوصفها نظاماً عنصرياً، وإدراكه، المتقاطع مع طرح فرانز فانون، أنّ الإفلات الدائم من العقاب على السياسات العنصرية يفضي، على المدى البعيد، إلى عنف و"انتقام لا يُروَّض". كما تضع أفكار سعيد في سياق حوار وصدام مع مفكّرين وكتّاب مثل جان بول سارتر وألبير كامو، مبيّنة كيف تشكّل فكره عبر الاحتكاك بالمكان والمنفى واللغة، وفي تداخل العمل الأكاديمي مع الالتزام الحقوقي.
ويتوقّف الكتاب عند جوانب أقل تداولاً في شخصية سعيد، مثل علاقته بالموسيقى وصداقته مع عازف البيانو غلين غولد، في محاولة لتقديم صورة المثقف الإنساني المتعدّد الاهتمامات. وبفصوله الثلاثة والعشرين، يشكّل الكتاب سيرة غيريّة للفكر السعيدي، تُعاد قراءته في سياق راهن تتصاعد فيه صراعات الهوية وتتقلّص مساحات الحوار، ما يجعل صوته أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
"الخطاب النقدي عند إدوارد سعيد /السرديات والتأويليات الثقافية"
يبيّن النص أنّ تشكّل النظريات في العلوم الإنسانيّة، ومنها الفكر العربي، ارتبط تاريخياً بالعلاقة الجدليّة بين المركز والأطراف في سياق تحوّلات سياسية ومعرفية معقّدة. وفي هذا الإطار، اندمج الخطاب النقدي العربي، الأدبي والثقافي، ضمن مشروع نقدي عالمي تبلور مع مرحلة ما بعد الاستعمار. وقد أسهم في هذا المشروع مفكّرون من أبناء المستعمرات السابقة، ينتمون ثقافياً إلى الأطراف ويعملون أكاديمياً داخل بلدان المركز، ما أتاح لهم مساءلته من مواقع بينيّة. ويبرز إدوارد سعيد نموذجاً لهذا المسار، إذ أصبح مشروعه النقدي جزءاً فاعلاً من المشهد الفكري العالمي، مؤكداً أنّ النقد لم يعد حكراً على المركز الرأسمالي، بل بات يُعاد إنتاجه وإعادة صياغته من قبل مثقفي الأطراف وسكان الجنوب انطلاقاً من داخل المركز نفسه.
رمان
