يُغمض عينيه، يرفع رأسه ويده اليسرى عالياً، فيما يصدح صوته بكلّ ما فيه من إصرار وإنسانيّة وحبّ ونضال: "أناديكم". تعدّدت خشبات المسارح التي غنّى عليها الراحل أحمد قعبور أغنيته الأشهر "أناديكم"، إلّا أنّ جميع تلك الخشبات قد تحوّلت بحضوره إلى حقول تبغٍ ترعاها صفرة الشمس وتحرسها أشجار الزيتون والبرتقال. هو الذي لم يُغنِّ إلّا بما آمن به، فغنّى بعزيمة وعناد ووجع أولاد الأرض. كانت إحدى الأمور التي تميّز بها عن فنّاني جيله الملتزمين هي قدرته على أن يرسم لنا، بإحساسه، ما هو غير مادّي، ولا يمكن رؤيته إلّا حين تُغمض العيون. إلى جانب صدقه، قد يكون سبب ذلك خلفيّته المسرحيّة، إذ إنّ قعبور، الذي وُلد في بيروت عام 1955، هو خرّيج قسم المسرح والتلفزيون في الجامعة اللبنانية، وله محطّات مسرحيّة عديدة حفرت في ذاكرة أجيالٍ عدّة.
"أناديكم": المقاومة حُبّ وإنسانيّة
عام 1975، لم يكن قعبور قد تجاوز 19 عاماً حين قام بتلحين وغناء قصيدة "أناديكم" التي كتبها الشاعر الفلسطيني توفيق زياد، فشكّلت الأغنية بدايةً مميّزةً وخاصّةً لمسيرة قعبور الفنيّة والإنسانيّة. صدرت الأغنية في زمنٍ محمّلٍ بالأسئلة والخوف، فجاء لحنها وكأنّه يعد بالإنسانيّة، وجاء صوت قعبور دافئاً وحنوناً وصادقاً ومتأمّلاً وصارماً ومنفعلاً في الوقت عينه، فذكّر السامعين بأنّ المقاومة فعلُ حبّ وإنسانيّة. هكذا انتشرت أغنيته في لبنان وفلسطين وساحات العالم العربي، وصارت تُردَّد مع كلّ انتصارٍ أو انكسارٍ جديد، وحفرت في ذاكرة النضال لدى أجيالٍ متعدّدة.
صوت النضال والصمود
عام 1976، أصدر قعبور ألبوماً يحمل عنوان أغنيته الأشهر "أناديكم"، ويتضمّن أغانٍ تحمل روح النضال والصمود والألم والحنين والأمل بغدٍ حُرّ، فكان من بينها أغنية "أمّي"، و"إرحل"، و"المنفى"، و"الضفة"، و"جنوبيون" وغيرها. خاطب الألبوم أبناء الأرض والحق في الجنوب وفلسطين، وجاءت أغنية "الضفة" كصرخة تمثّل وجع الفلسطينيين وتتمنّى لهم الحريّة. هو قعبور الذي ارتبط اسمه وجدانياً بفلسطين وظلّ وفيّاً لها طوال مسيرته، فغنّى للمخيمات، وللأسرى، وللأرض المسلوبة.
"حُبّ"... الجنوب حاضرٌ دوماً
بأسلوبه الذي اتسم بالبساطة، وبقدرته على مخاطبة جميع الأعمار والفئات، أصدر قعبور عام 1985 ألبوم "حُبّ"، تضمّن أغنية "يا رايح صوب بلادي"، و"يا ستّي"، و"يا ليمون"، و"شو بعاد"، و"ولكم"، و"وبيروت يا بيروت"، وغيرها. هو ألبوم ذو ألحان حالمة تخاطب الروح الإنسانية والحزن الذي تحمله، أمّا الكلمات فلا تُجمّل الواقع، بل تبحث عمّا هو صادق وإنساني في واقع المنطقة المرير وتحوّله إلى قصّة تثير الحُبّ والحنين والألفة. في أغنيته "يا رايح صوب بلادي" جاد قعبور بكلمات "يا رايح صوب الليطاني دخلك وصلّي السلام/ صبّح أهالي النبطيّة/ وطلّ شويّة عالخيام"، حينها كانت من المرّات النادرة التي يسمع فيها الجنوبيون اسم قرية ومدينة جنوبية في أغنية، إذ كان الجدل مُثاراً حول بعض اللبنانيين الذين لا يفقهون أسماء قرى ومدن الجنوب.
الصوت المقاوم العابر للأحزاب والأديان
تتالت أغنيات قعبور، وكان بعضها أغانٍ تخدم أعمالاً مسرحيّة، لعلّ أشهرها أغنية "والله وطلعناهم برّا" التي غُنّيت في مسرحية "بنسيون الست نعيمة" (إخراج جلال خوري - 1955)، وهي مسرحية تدور أحداثها في بيروت التي شهدت اجتياحاً صهيونياً انتهى بخروج قوّات العدو منها مذلولة. هي أغنية يعد قعبور بخاتمتها "بكرا الأرض بترجع حرّة"، وقد أعاد إصدارها بصيغة فيديو مصوّر. بهذه الأغنية، وسابقاتها ولاحقاتها، جعل قعبور من المقاومة والنضال فعلين يُعنى بهما كلّ إنسان شريف ووفيّ، بغضّ النظر عن انتمائه الديني أو الحزبي، فأثارت أغانيه روح الكفاح والحماس لدى عدّة أجيال سبقته أو عاصرته أو لحقته. وظلّ هو بدوره وفيّاً للإنسان والأرض والمقاومة دون أن ينتسب يوماً إلى أيّ حزب سياسيّ.
"بدي غنّي للناس": بيان فنّي
عام 2009، وفي خضمّ وقتٍ باتت الشعوب العربية تتناسى التزامها بالنضال للقضية الأعدل، أصدر قعبور ألبوم "بدي غنّي للناس". تضمّن الألبوم أغنية "حق العودة" التي جاد فيها عن اللاجئين وشروق الشمس في يافا، وأغنية "وينك يا حريّة" التي فيها ناجى قعبور الحرية. كما جاء في الألبوم مقاطع موسيقية دون كلام مثل "معركة" و"من هناك"، التي اكتفت بالآلات الموسيقيّة كي تحاكي تراجيديا الأرض المغتصبة وعزيمة أهلها والمقاومين الذين يتنقّلون بين الحقول، فيما الشمس وحدها التي تحميهم من قسوة هذا العالم. وطبعاً لم ينسَ قعبور أن يخصّ في الألبوم مدينته بيروت بأغانٍ مثل "يا بيروت" و"شو بدّك". أمّا الأغنية التي حمل الألبوم اسمها "بدي غنّي للناس"، فقد جاءت وكأنّها بيان فنّي يعلن قعبور فيه عن التحامه بالناس، الهاربين من الحرب والخائفين والوحيدين، بياناً يعلن فيه أنّ الفنّ الصادق هو الذي يكون للناس وعنهم. هو قعبور الذي كان دوماً واحداً من الناس وبينهم، يلاقوه محبّوه صدفةً في شارع الحمرا وباقي شوارع بيروت، آمن بالإنسان فأحبّ الجميع، وآمن بالفنّ الملتزم والهادف فلم يساوم بفنّه يوماً ولم يتاجر به، بل هو من القلّة التي لم تجمع ثروةً على حساب الناس والقضيّة، وبقي متواضعاً وملتزماً طوال حياته.
الصوت الذي لوّن الطفولة
لكن أغانيه لم تقتصر على مواضيع الأرض والنضال وحُبّ بيروت، فقد غنّى أحمد قعبور للأطفال. هو الذي افتتح مسيرته بالعمل المسرحي مع فرقة "السنابل"، فجاد صوته بأغانٍ مثل "هيلا هوبا" و"كتار صرنا كتار" و"أرنب أرنب"، وغيرها من الأغنيات التي رسمت طفولة جيل السبعينيات بأكمله. وأبى قعبور ألّا يكون للأجيال اللاحقة أغانٍ مرتبطة بطفولتهم، فانضمّ مع مطلع التسعينيات إلى المخرج كريم دكروب، الذي أسّس "مسرح الدمى اللبناني"، وأصبح قعبور أحد الأعمدة الرئيسية لهذا المسرح، فلحّن وغنّى أغاني مسرحيات "ألف وردة ووردة" و"فراس العطّاس" و"كفر منخار" وغيرها... وجاءت هذه الأغنيات بعيدةً عن الخطاب الأبوي المبتذل والمباشر، فاحترمت عقول الأطفال وذكاءهم وخيالهم، فيما أثارت حنين الكبار فأحبّوها بدورهم. ولم تنحصر أعمال قعبور للأطفال ضمن إطار المسرح، بل أصدر عدّة تسجيلات خاصّة أبرزها أغنية "علو البيارق" (1995)، التي سجّلها بالتعاون مع كورال دار الأيتام الإسلامية، و"توتي توتي" التي جاءت ضمن ألبوم "رمضانيات" (2011).
مسيرة نداء
تتالت إصدارات قعبور وتعدّدت مواضيعها الإنسانية، ولكلٍّ منها كان وقعها، خاصّةً في الأوساط اللبنانيّة. في أواخر عام 2024 أصدر قعبور أغنية "أختي أميرة"، أغنية أثارت ضجّة وإعجاباً عارماً فور صدورها، وهي تتطرّق إلى تفاصيل حياة النساء اللواتي اخترن العيش بمفردهنّ. ومن أواخر الأغنيات التي أصدرها أيضاً في أواخر عام 2025 كانت أغنية "ما عندي مينا"، هي أغنية عن الحُبّ وبيروت في الوقت نفسه، وقد شاركته زوجته الفنانة التشكيلية إيمان بكداش أداء الفيديو المصوّر الخاص بالأغنية. في أحد مقاطع "أنا ما عندي مينا" يجود أحمد قعبور: "أنا والله لبلادي قضّيتها عم نادي". ولعلّ هذه الكلمات التي كتبها ولحّنها وغنّاها هي التي تختصر مسيرته الحافلة بالنداء من أجل الحق والأرض والإنسان. هو الذي غنّى بكلّ صدق حتى اشتهر صوته وكلماته أكثر من اسمه، فكُثرٌ هم في الوطن العربي الذين يعرفون ويردّدون رسائل قعبور ولا يدركون اسم صاحبها.
في السينما والمسرح والتلفزيون
إلى جانب الغناء والعمل مع فرق الدمى، شارك قعبور في عدّة أعمال سينمائية، أهمها فيلم "ناجي العلي" (1992). وفي التلفزيون، شارك في مسلسلات ثقافية وتاريخية من بينها "البحث عن صلاح الدين" (2001)، و"أبو الطيب المتنبي" (2002)، و"النار بالنار" (2023).
ومع انطلاقة تلفزيون المستقبل، أسهم في برامج موسيقية موجّهة للجمهور العام، مثل "لعيونك"، و"بتمون"، و"روح شوف مستقبلك"، بالتعاون مع فرقة "الطرابيش"، عبر تلك البرامج، اقتحم قعبور المنازل اللبنانية فأصبح جزءاً من الحياة اليوميّة لدى الكثيرين.
وطبعاً كان له حضوره في الكثير من الأعمال المسرحيّة، فشارك في مسرحية "نزهة ريفية غير مرخّص بها" (إخراج يعقوب الشدراوي - 1984)، وكان له حصته من مسرح زياد الرحباني، فشارك في مسرحيّة "شي فاشل" (1983) التي أدّى فيها دور الصحافي.
في رحيل قعبور... من ذا الذي يُنادي؟
رحل الفنّان الصادق أحمد قعبور في زمنٍ تُحاصر وتُباد فيه غزّة، فيما جنوب لبنان يُنتهك، وبيروت تبكي آلام المهجّرين من بيوتهم قسراً، فتزدحم بالخيم وتناجي قلقةً من أن يعيد التاريخ نفسه، ذلك التاريخ الذي وثّقه قعبور بصوته. رحل قعبور والإنسانية في أمسّ الحاجة لصوتٍ ملتزمٍ يصرخ أوجاعها بكلّ عنفوان، في وقتٍ تتراجع فيه الأغنية الملتزمة التي تجمع المنطقة العربية، بينما تتصاعد الأغنية التجارية التي تغضّ النظر عن الإنسان الذي بات يُنتهك يومياً، عن المقاوم واللاجئ والجائع والذي يبيت في خيمةٍ ويدعو أن يعود إلى أرضه ليجد منزله واقفاً، وعن الأرض التي ما زالت تُغتصب بينما العالم يدير وجهه.
مع رحيله، عادت أغنية "أناديكم" تصدح في أزقّة بيروت ومقاهيها وتُتداول على منصّات التواصل الاجتماعي. هي أيقونة النضال، التي بصوت قعبور، أصبحت صرخة توقظ إنسانيتنا كلّما غفت.
