سؤال العودة والهوية المفقودة في "عائد إلى حيفا" و"اللي باقي منك"

من الفيلم، معدلة.

باسمة التكروري

كاتبة فلسطينية

هنا تلتقي دعيبس مع كنفاني وتفترق عنه في الوقت ذاته. ففي «عائد إلى حيفا» يصل سعيد وصفية أخيرا إلى ما كانا يبحثان عنه ثم يكتشفان أن الاستعادة مستحيلة. أما في «كل ما تبقى منك» فإن الاستحالة تسبق الاستعادة نفسها.

للكاتب/ة

فالسؤال يتجاوز ما إذا كان بالإمكان استعادة ما فقدناه إلى سؤال أكثر إرباكا: أين يوجد ما فقدناه أصلا. وحين يتشظى الابن بين الذاكرة والقبر والجسد الآخر، كما تتشظى البلاد بين الخرائط والذكريات والوقائع المتعاقبة، تغدو العودة أقل شبها بالطريق وأكثر شبها بالوقوف الطويل على عتبة بيت ما،

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

18/06/2026

تصوير: اسماء الغول

باسمة التكروري

كاتبة فلسطينية

باسمة التكروري

وروائية مقيمة في كندا

يخوض سؤال العودة -الذي يتوسط السردية الفلسطينية-  تحولا شائكا من بنيته الصلبة والواضحة الحدود في  رواية "عائد إلى حيفا" لغسان كنفاني كمسعى حثيث للاستعادة إلى مساحة أقل يقينا وثباتا في فيلم "اللي باقي منك"،  للمخرجة شيرين دعيبس (2025)، حيث تتصدع فكرة العودة نفسها وتغدو عاجزة عن جمع ما بددته سلسلة النكبات والنكسات المتعاقبة جيلا بعد جيل. وفي حين تلتقط عدسة كنفاني محاولة بائسة لاسترجاع الابن/الوطن المستلب مرة، فإن عدسة دعيبس تلاحق سلسلة الانشطارات المنعكسة والمرتدة في ذاكرة جمعية تراكمت في شخصية سليم الطفل على ثلاثة أجيال، حتى ضاعفت عليه فقدان ابنه ثلاثة أضعاف، ففقده معنويا في طفولته حين انكسر أمامه، وفقده حين دفنه. وفقده حين وزعه قطعا وترك قلبه ينبض في قلب فتى إسرائيلي. 

في نص كنفاني تتكثف حركة العودة بدقة تكاد تكون مرعبة، كأن سنوات الغياب كلها كانت تنتظر تلك اللحظة الوحيدة التي سينكشف فيها كل شيء؛ يصل الأبوان، يعثران على الابن، وفي تلك اللحظة المضغوطة والكثيفة يتخذ الفقد شكلا نهائيا، لأن الابن الذي يقف أمامهما لم يعد معلقا بين هويتين، فقد حسم أمره نهائيا. صار جوابا مكتملا ومتجذرا في لغة ونظام سبق أن شكلاه. وفيما ينصت الوالدان إليه يترسب إدراك واضح لا لبس فيه، أن التغير الذي مر فيه ابنهما لا رجعة منه، وأنه أعاد ترتيب نفسه في مكان آخر، خارج فكرة الاستعادة نفسها. أما في «اللي باقي منك" فلا يتجسد الفقد في لحظة حاسمة، إذ يتوارثه الأبناء ويتكاثر عبر الأجيال حتى يغدو حالة مستمرة أكثر منه حدثا منتهيا.

ومن هذا الاختلاف في بناء تجربة الفقد تنبثق مقاربة مختلفة لمعنى العودة نفسها. تقود العودة عند كنفاني إلى يقين مؤلم باستحالتها، بينما تقود عند دعيبس إلى أسئلة مفتوحة لا تنتهي بإجابة حاسمة حول معناها. نور يموت لكن قلبه يواصل الحياة في جسد آخر، فيصبح حضوره موزعا بين القبر والذاكرة والجسد الجديد. وبهذا ينتهي سؤال: هل يمكن استعادة ما فقد؟ ويبدأ سؤال: أين يستقر ما فقد أصلا؟

وإذا كان كنفاني قد ربط أزمة الهوية بلحظة المواجهة مع الماضي، فإن دعيبس توسع هذا السؤال ليشمل الجسد والذاكرة معا. فالتشظي يتجاوز الفقد مفتتا الهوية نفسها. الرجل الذي يحمل قلب نور يحاول فهم الأمر بلغة الطب والعقل، بينما تصر الأم على أن القلب يحمل أثرا من ابنها يتجاوز الوظيفة البيولوجية. وبين الرؤيتين تبقى المسافة مفتوحة، كما تبقى الهوية عصية على الاختزال.

 

خافيير باردم ومارك روفالو منتجان تنفيذيان في "اللي باقي منك"

 

ومن خلال هذا التوسع في معنى الهوية ينتقل الفيلم إلى إعادة قراءة جرح التخلي بوصفه تجربة متوارثة، ويعيد إنتاج ذلك الجرح  عبر الأجيال. الأب الذي هجر، والابن الذي عجز عن الحماية، والحفيد الذي يتشظى جسده بعد الموت. ليست هناك خيانة مكتملة ولا بطولة مكتملة، بل سلسلة من الخيارات القاسية التي يفرضها العنف الاستعماري على الأفراد.

وهنا تلتقي دعيبس مع كنفاني في تفكيك الأحكام المبسطة، وإن اختلفت أدوات كل منهما؛ فمن هنا يصبح التخلي عن الابن أو الأرض أو الجسد سؤالا يتجاوز الأحكام الأخلاقية السهلة. لا تملك الشخصيات رفاهية الاختيار بين الخير والشر، كل ما أمامها هو خسارات متعددة. لذلك تبقى الخيانة جرحا حاضرا، لكنها تبقى أيضا ابنة الضرورة والخوف والرغبة في النجاة.

وفي نهاية الفيلم، حين يقف الأب أمام بيت يافا عند خط العبور دون أن يتجاوزه، لا يبدو المشهد محاولة متأخرة لتحقيق العودة بقدر ما يبدو مواجهة أخيرة مع حدودها. فالبيت الذي جاء يبحث عنه لم يعد موجودا بالصورة التي حملها معه كل تلك السنوات، تماما كما أن الابن الذي دفنه لم يعد مستقرا في القبر وحده. شيء منه بقي هناك، وشيء منه مضى إلى مكان آخر، كما لو أن الفقد نفسه رفض أن يستقر في هيئة واحدة.

هنا تلتقي دعيبس مع كنفاني وتفترق عنه في الوقت ذاته. ففي «عائد إلى حيفا» يصل سعيد وصفية أخيرا إلى ما كانا يبحثان عنه ثم يكتشفان أن الاستعادة مستحيلة. أما في «كل ما تبقى منك» فإن الاستحالة تسبق الاستعادة نفسها. فالسؤال يتجاوز ما إذا كان بالإمكان استعادة ما فقدناه إلى سؤال أكثر إرباكا: أين يوجد ما فقدناه أصلا. وحين يتشظى الابن بين الذاكرة والقبر والجسد الآخر، كما تتشظى البلاد بين الخرائط والذكريات والوقائع المتعاقبة، تغدو العودة أقل شبها بالطريق وأكثر شبها بالوقوف الطويل على عتبة بيت ما، بيت يجرحنا أنه لم يعد يشبهنا أو يعرفنا أو يعترف بما صرناه. قريب وبعيد في آن، أمامنا ومسروق منا. لا يشبه قلب الابن الذي يواصل النبض في جسد الغريب بقدر ما يشبه الجسد الذي تركناه في القبر بينما مضى جزء منه ليمنح الغريب حياته. عند تلك العتبة يتكشف التوتر الذي يبني الفيلم كله: أن ما يمنح الآخر حياته هو نفسه ما يؤكد خسارتنا. وأن ما يبقى لنا ليس الاستعادة، بل العيش مع هذا التناقض، مع بيت لنا وليس لنا تماما، ومع ابن غائب لم يغب كله.

هوامش

موضوعات

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع