تشكّل السينما ذاكرةً بصريّةً وسمعيّةً للشعوب، توثّق لحظات من الزمن والثقافة والسياسة وتفاصيل الحياة اليوميّة والتحوّلات الاجتماعيّة، وتزداد أهمية ذلك في أزمنة الحروب والأزمات. وفي بلدٍ كلبنان، عاش مواطنوه هاربين من القنص والقصف، كانت السينما فيه شاهدةً على حياة الناس وموتهم، وعلى تناقضات البلد وحالة فصامه، وعلى التحوّلات التي لحقته بعد كلّ حربٍ دامية. من يحفظ لنا هذه الأفلام التي أصبحت ذاكرة لبنان؟ هذه الأفلام أصبحت شاهدةً أصدق من كتاب التاريخ، فمن يعتني بها كي نعود إليها كلّما احتجنا إلى أن نتعلّم من الماضي كي نُغيّر المستقبل؟
إنّ وجود مكتبة سينمائيّة تضمّ أرشيفات الأعمال البصريّة والسمعيّة، من أفلام وتسجيلات وكتب وصور وملصقات، يُعدّ أمراً أساسيّاً في أي مشهد ثقافي، يساهم في صون الذاكرة الجماعية وتعزيز البحث النقدي والحفاظ على السينما كمورد حيّ ومشترك بدلاً من أن تكون تراثاً مهدّداً بالاندثار. انطلاقاً من هذه الحاجات، احتُفل أخيراً بإعادة افتتاح "السينماتيك اللبنانية" التي اتخذت من المكتبة الوطنية في منطقة الصنايع مقرّاً جديداً لها.
"السينماتيك اللبنانية"... مشروع أُعيد إحياؤه
"السينماتيك اللبنانية" ليست وليدة اليوم، بل تأسست عام 2002 بهدف الحفاظ على التراث السينمائي اللبناني وترميمه، لكن بسبب الظروف والأزمات المتتالية في لبنان، توقّف عمل المكتبة السينمائية منذ حوالي عشر سنوات، وتمّت إعادة إحيائها أخيراً برعاية وزير الثقافة غسان سلامة وبدعم من المركز الوطني للسينما والصورة المتحرّكة في فرنسا.
يمكن أن يرى البعض قشرة هذا المشروع الخارجية: "مكتبة سينمائيّة تضمّ أرشيف السينما اللبنانيّة"، وقد يتساءل البعض: "لماذا الاهتمام بمثل هذا المشروع في وسط حربٍ دامية واحتلالٍ ودمار؟". في الواقع، إنّ أهم ما تقدّمه "السينماتيك" هو فعل المقاومة الثقافي الناتج عن إطلاقها: مقاومة النسيان وحفظ الذاكرة والتراث، في بلد يعيش الأزمات المتلاحقة.
الأرشيف السينمائي في مواجهة المحو والتدمير
في لبنان، حيث تتوالى الحروب والانهيارات والأحداث الكبرى، يصبح الأرشيف السينمائي وسيلةً لمواجهة محو الذاكرة، وحفظ قصص الأفراد والجماعات التي قد يغيب ذكرها عن السرديات الرسمية أو حتّى عن أرشيف الإعلام والصحافة. فالإعلام، في ظلّ الحروب والأزمات والتحوّلات، ينهمك بتغطية التصاريح السياسية والأحداث الكبرى، بينما تنهمك السينما بتوثيق حياة الأفراد وصراعاتهم اليوميّة في ظلّ كلّ هذه الأحداث.
توثّق الأفلام اللبنانية تحوّلات المجتمع اللبناني عبر العقود، من الحياة اليومية والعادات الاجتماعية إلى الحروب والأزمات والهجرة. وفي بلدٍ تعرّضت مؤسساته ووثائقه للتلف والضياع مراراً، أصبح الأرشيف السينمائي سجلاً بصرياً نادراً للتاريخ.


مادة أساسية للباحثين وصنّاع الأفلام
علاوةً على ذلك، فإنّ الأرشيف السينمائي يشكّل مادةً أساسيةً للباحثين في مجالات السينما والتاريخ والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع والدراسات الحضرية. الأفلام تحتوي على تفاصيل قد لا نجدها في الكتب والوثائق المكتوبة. يتيح هذا الأرشيف للأجيال الجديدة اكتشاف تاريخ السينما اللبنانية وروّادها، وفهم تطوّر اللغة البصرية المحلية، مما يساهم في بناء استمرارية ثقافية بين الأجيال.
الأهم من ذلك كلّه، هو قدرة هذا الأرشيف على إلهام صنّاع الأفلام الحاليين، إذ يوفّر للمخرجين والكتّاب والفنانين مرجعاً بصرياً وفنياً يساعدهم على تطوير أعمال جديدة تنطلق من تراكم التجربة السينمائية اللبنانية، علّنا نفتخر في المستقبل بتشكيل هويّة سينمائيّة لبنانيّة بحتة.
غسان سلامة: حفظ الذاكرة ضرورة وطنية
"في وقت يواجه فيه لبنان حرباً وأزمات عميقة، قد يبدو الحفاظ على تراثنا السينمائي ترفاً، لكنه يبقى ضرورة وطنية وثقافية. فأفلامنا تحمل القصص والذكريات والأفكار والنقاشات التي شهدها لبنان عبر الأجيال وعكست مختلف المراحل التي مرّ بها، وتشكل جزءاً أساسياً من تراثنا الثقافي غير المادي"، يقول وزير الثقافة في لبنان غسان سلامة لمجلّة "رمّان".
ويضيف: "من خلال حفظ هذا الأرشيف وإتاحته للجمهور، ولا سيما للشباب، تضمن "السينماتيك" بقاء المعرفة بتاريخنا وتجاربنا الجماعية في متناول الجميع، بما يساعد المواطنين على فهم المسار الذي سلكه لبنان، وتعزيز شعورهم بالانتماء إليه، والتفكير في مستقبله. فحماية هذه الصور ليست مجرد حفظ للذاكرة، بل هي أيضاً نقل لها من جيل إلى جيل، كي تتعلّم الأجيال القادمة منها وتواصل بناء سردية وطنية مشتركة". هكذا يؤكّد سلامة أهميّة حفظ الأرشيف السينمائي كفعل وطنيّ قبل أي شيء.

مشاريع مستقبلية وأرشيف متاح للجميع
حاليّاً، تنغمس "السينماتيك" في عمليّة تنظيم الأرشيف داخل مكتبتها ورقمنته وتطوير قاعدة بيانات متاحة للجميع، تخدم الطلّاب والباحثين وكلّ المهتمين بالوصول إلى أرشيف السينما اللبنانية.
بحسب البيان الذي رافق افتتاح "السينماتيك"، فإنّ عمليّة جمع الأرشيف السينمائي اللبناني في مكانٍ واحد هي "استكمال لجهود بذلتها على مدى السنوات الماضية جامعات ومؤسسات ثقافيّة ومبادرات فرديّة في لبنان تولّت حفظ أجزاء مهمّة من التراث السينمائي إلى حين إعادة إطلاق السينماتيك".
تهتم فانيسا حلو، مسؤولة الأرشيف السينمائي في السينماتيك، بعملية تنظيم الأرشيف في مقرّه الجديد، وقد حدّثت مجلّة "رمّان" عن المشاريع التي تخطّط "السينماتيك" لإطلاقها في المستقبل القريب، من بينها قسم خاص لترميم الأفلام ونادٍ سينمائي يعرض الأفلام بشكل شهري ويناقشها مع الجمهور.
كنوز تنتظر الزوّار
تتضمّن مكتبة "السينماتيك" شرائط لأفلام لبنانيّة كأفلام برهان علويّة ومارون بغدادي وجوسلين صعب وغيرهم من الراحلين الذين شهدت أفلامهم على يوميّات حياة اللبنانيين تحت القنص وفي ظلّ الاحتلال. كذلك تضمّ أفلاماً صنعت مجد لبنان في العالم العربي وجعلته يبدو "سويسرا الشرق" رغم الحروب التي كانت خلف الكاميرا.
ولا تقتصر الشرائط على الأرشيف البصري للأفلام أو المهرجانات والمسرحيّات اللبنانيّة، فبعضها شرائط صوتية لحفلات غنائيّة مثل حفلات وديع الصافي وفيروز، التي -بحسب فانيسا حلو- تتضمّن بعضها أغنيات "لم نسمعها من قبل".
وجميع هذه الشرائط ستكون متاحة قريباً جدّاً للمشاهدة من قبل العامّة، شرط أن يحجزوا موعداً مسبقاً ويختاروا الشريط الذي يودّون مشاهدته أو سماعه قبل الحجز.
بالإضافة إلى كلّ ذلك، تحتضن السينماتيك معدّات سينمائيّة قديمة كآلة المونتاج اليدويّة، وكتباً ومجلّات سينمائيّة وملصقات أفلام، معظمها من ستينيات القرن الماضي، كفيلم "حبيبة الكلّ" (إخراج رضا مير – بطولة صباح)، وفيلم "عتاب" (إخراج سيف الدين شوكت – بطولة سميرة توفيق)، بالإضافة إلى ملصق ضخم لفيلم "بيّاع الخواتم" (إخراج يوسف شاهين – تأليف عاصي الرحباني – بطولة فيروز).
ذاكرة لبنان بين الحفظ والاندثار
مشروع "السينماتيك" يستحق التطوير والتوسّع، وأن يحافظ وزراء الثقافة المستقبليون عليه كي لا يتم إهماله كالكثير من المشاريع الثقافيّة التي تمّ الاستهتار بها في لبنان. ففي بلدٍ اعتاد بناء نفسه بعد كلّ حرب، تبدو إعادة بناء ذاكرته أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. "السينماتيك اللبنانية" تتخطى فكرة المستودع للأفلام القديمة، أو المكتبة السينمائية، لتكون مساحة لحماية ما تبقّى من قصص اللبنانيين وصورهم وأصواتهم من الضياع. وبينما تستمرّ الأزمات وتتعاقب الحروب، يبقى حفظ هذا الأرشيف فعلاً من أفعال المقاومة الثقافية.

