08/02/2026

تصوير: اسماء الغول

رمان الثقافية

مجلة ثقافية فلسطينية

رمان الثقافية

كتبها ريموند دين ونشرتها "جاكوبين" في ٧/١٢/٢٠٢٥.

مراجعة لكتاب (2025) Genocide in Gaza: Israel’s Long War on Palestine.

 

في عام 1988، صدرت ثلاثة كتب لما يعرف بـ«المؤرخين الجدد» في إسرائيل، فككت الأساطير المحيطة بتأسيس الدولة الإسرائيلية قبل أربعين عاما: "نشوء مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، 1947-1948" لبيني موريس، و"بريطانيا والصراع العربي-الإسرائيلي، 1948-1951" لإيلان بابيه، و"التواطؤ عبر نهر الأردن: الملك عبد الله، الحركة الصهيونية، وتقسيم فلسطين" لآفي شلايم.

من بين هؤلاء الثلاثة، بدأ موريس ناقدا للصهيونية وكان يفكر في الهجرة قبل أن يغير مواقفه وينضم إلى المؤسسة الصهيونية؛ أما بابيه فبقي وفيا لنقده الجذري وأجبر على المنفى المهني في بريطانيا عام 2007، مع استمرار اعتباره حيفا موطنا له؛ في حين اعتنق شلايم الصهيونية في البداية، لكنه اختار المنفى الطوعي قبل أن يطور منظوره بشكل جذري تدريجيا.

تشكل مجموعة جديدة من مقالات شلايم، Genocide in Gaza، إدانة قوية للهجوم القاتل الذي شنته إسرائيل على سكان غزة. كما تقدم أدلة على تطور تفكير شلايم نفسه، إذ أصبح خلال القرن الأخير ناقدا أكثر حدة للمشروع الصهيوني.

من بغداد إلى أوكسفورد

ولد شلايم في بغداد عام 1945. انتقلت عائلته الميسورة إلى دولة إسرائيل الناشئة عندما كان في الخامسة من عمره. في مذكراته الحديثة Three Worlds: Memoirs of an Arab-Jew، يستعيد أثر خلفيته قائلا:

«لو كان علي أن أحدد عاملا واحدا رئيسيا شكل علاقتي المبكرة بالمجتمع الإسرائيلي، لكان عقدة نقص... لقد قبلت دون مساءلة الهرمية الاجتماعية التي وضعت اليهود الأوروبيين في القمة، ويهود البلدان العربية والأفريقية في القاع».

بعد مغادرة العراق، فقدت عائلة شلايم مكانتها الاجتماعية وكذلك «إحساسنا الفخور بهويتنا كيهود عراقيين». سعت الدولة الإسرائيلية الجديدة إلى الحفاظ على «احتكار أشكنازي للمراكز الثقافية والسياسية للسلطة». وكان شلايم يشعر بالخجل من التحدث بالعربية، «لغة العدو»، في الأماكن العامة: «في عامي الأول في إسرائيل، بالكاد تحدثت على الإطلاق حتى تمكنت من التحدث بالعبرية على نحو صحيح».

وهو يشعر «بالغضب والاغتراب»، انجذب إلى اليمين في السياسة الإسرائيلية. وكان بطله رئيس الوزراء المستقبلي مناحيم بيغن، «شعبوي ذكي لعب بمهارة على استيائي من المؤسسة الأشكنازية».

في عام 1961، انتقل شلايم إلى لندن طالبا في مدرسة Jewish Free School. ورغم أنه وجد أن «قدرا كبيرا من البريق والوجاهة كانا مرتبطين بكون المرء إسرائيليا»، فإنه لم يستفد من ذلك لأنه «لم يكن قد طور أي نوع من الهوية كمواطن إسرائيلي». ومع ذلك، أدى بين عامي 1964 و1966 الخدمة الوطنية في الجيش الإسرائيلي.

بالنسبة لشلايم، مثل ذلك «ذروة تعريفي بنفسي مع دولة إسرائيل»، وهو ما «ساعدني على فهم قبضتها الخانقة القوية على النفسية الإسرائيلية». ثم التحق بكلية جيسوس في كامبريدج طالبا للتاريخ.

تجددت وطنيته خلال حرب الأيام الستة عام 1967، قبل أن يتطور لديه شعور بالخيبة «ببطء وبألم»: «بعد حرب 1967، جادلت بأن إسرائيل أصبحت قوة استعمارية تضطهد الفلسطينيين في الأراضي المحتلة». بقي شلايم في بريطانيا، وتخرج في كلية جيسوس عام 1969، ثم درّس في جامعتي ريدينغ وأوكسفورد، وأصبح مؤلفا غزير الإنتاج واسع القراءة.

 

 

الجدار الحديدي

أثار كتابه الصادر عام 1988 عن ملك الأردن عبد الله جدلا بسبب كلمة «تواطؤ» في عنوانه. فقد أوحت هذه الكلمة بأن المفاوضات بين عبد الله والحركة الصهيونية والسلطات الاستعمارية البريطانية كانت «تهدف بوعي وتعمد إلى إحباط إرادة المجتمع الدولي»، الذي كان يؤيد إنشاء دولة عربية مستقلة في جزء من فلسطين التاريخية.

وفي عام 1989 أعد طبعة ورقية مختصرة بعنوان جديد هو The Politics of Partition. حذف كلمة «تواطؤ»، كما يخبرنا، «لأنها ركزت الانتباه على الجانب الأكثر تآمرا في علاقة عبد الله بإسرائيل»، وكان يأمل أن يسهم حذفها «إلى حد ما في التكفير عن خطيئتي الأصلية».

مع كتاب The Iron Wall الصادر عام 2000، والذي نُقح ووسع لاحقا عام 2014، قدم شلايم عرضا لا غنى عنه لما يسمى الصراع العربي-الإسرائيلي. استعار عنوانه من نصين يعودان إلى عام 1923 لفلاديمير (زئيف) جابوتنسكي، مؤسس الصهيونية التنقيحية والسلف الأيديولوجي لحزب الليكود المعاصر.

ورغم أن أيديولوجية جابوتنسكي كانت أكثر تعظيما في مطالبها الإقليمية من الصهيونية الرسمية، يوضح شلايم أن موقفه من العرب الأصليين كان في جوهره محايدا لا عدائيا. فقد قبل كأمر بديهي أن السكان الأصليين «سيقاومون المستوطنين الغرباء ما داموا يرون أي أمل في تخليص أنفسهم من خطر الاستيطان الأجنبي». ومن ثم كان على أي استيطان أن يتطور «خلف جدار حديدي يعجزون عن تحطيمه».

بالنسبة لشلايم، «كان الجدار الحديدي عند جابوتنسكي يضم نظرية للتغيير في العلاقات اليهودية-الفلسطينية تقود إلى المصالحة والتعايش السلمي». أما الصهاينة السائدون، فكانوا يرون الجدار الحديدي «أداة لإبقاء الفلسطينيين في حالة دائمة من التبعية». ومن خلال كشفه عن سخرية قادة صهاينة مثل ديفيد بن غوريون وموشيه ديان أو شمعون بيريز، قوض شلايم الوهم القائل إنهم يمثلون نقيضا إيجابيا للتنقيحيين.

إبادة غزة

في كلا طبعتَي The Iron Wall، وصف شلايم إسرائيل في أواخر خمسينيات القرن الماضي بأنها كانت «غير ملوثة بشبهة الاستعمار». وفي مجموعته المقالية Israel and Palestine الصادرة عام 2009، أكد أن الحل «العادل والمعقول» الوحيد هو حل الدولتين. غير أنه في Three Worlds، يصف الصهيونية بأنها كانت «حركة استعمارية استيطانية معلنة منذ البداية». والنتيجة التي بات شلايم يفضلها الآن هي «دولة ديمقراطية واحدة بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط».

إن عنوان عمله الأخير، Genocide in Gaza، يبرهن على مدى صراحة شلايم منذ جدل كتاب الملك عبد الله. ففي مقابلة مع صحيفة Irish News في نيسان الماضي، أشار إلى المجموعة الجديدة بوصفها «كتابه الإيرلندي»، لأن «إيرلندا هي الصديق الطبيعي لأي نضال مناهض للاستعمار».

الناشر هو دار Irish Pages Press في بلفاست، التي سبق أن نشرت مقال شلايم «Israel and the Arrogance of Power» في مجلد بعنوان Islam, Israel and the West. وفي «All That Remains»، وهو مقال من عام 2024 وارد في الكتاب الجديد، يقترح أن «تسوية سياسية تفاوضية، كما في إيرلندا الشمالية، هي الطريق الوحيد إلى الأمام». غير أن هذا المآل تعرقله الولايات المتحدة، وهي الدولة نفسها التي لعبت في إيرلندا دور «الوسيط النزيه».

بعد مقدمة توصي فيها المقررة الخاصة للأمم المتحدة فرانشيسكا ألبانيزي بالكتاب «بحزن مهيب»، يضم الكتاب اثنتي عشرة مقالة متفاوتة الطول، ثلاث منها كتبت خصيصا لهذه المجموعة. وتتخللها مجموعة خرائط، وتسلسل من الرسومات لبيتر رودس مستوحاة من هجوم إسرائيل على غزة عامي 2008-2009، وتسلسل من صور أطفال غزة جمعته فيدا شتية.

ويأتي خاتمة الكتاب في خطاب للمحامية الإيرلندية بلينه ني غرالاي أمام محكمة العدل الدولية نيابة عن جنوب أفريقيا، حين اتهمت إسرائيل بانتهاك اتفاقية الإبادة الجماعية. وبينما تعد هذه الإضافات مرحبا بها، فإن غياب الفهرس -وهو بلا شك عنصر لا غنى عنه في أي عمل مرجعي من هذا النوع- أمر مؤسف.

كما يوجد بعض التكرار بين الفصول المختلفة. ويقر شلايم بذلك في بداية الكتاب: «كان لدي خيار إزالة التكرارات... [لكنني] قررت إعادة طباعة كل مقال كما ظهر في الأصل»، متبعا نصيحة ناشره كريس آغي بأن هذا «سيكون أكثر صدقا وأكثر أصالة».

 

"الإبادة الجماعية في غزة: حرب إسرائيل الممتدة على فلسطين"، لآڤي شلايم بالعربية

 

تواريخ الخيانة

مع ذلك، فإن ترتيب المقالات ليس زمنيا بشكل صارم. يبدأ شلايم بالقفز إلى العمق مع «Britain and the Nakba: A History of Betrayal» (2023)، مدينا «الازدواجية والكذب والمراوغة» التي مارستها بلاده المتبناة تجاه فلسطين. ويستشهد بتفنيد القانوني جون كويغلي لشرعية انتداب بريطانيا على فلسطين (1923-1948)، ويدين ورقة سياسات حكومية صادرة عام 2023 منحت إسرائيل حصانة كاملة عن جرائمها.

يتبع ذلك مقال «The Diplomacy of the Israeli-Palestinian Conflict» (2023)، وهو تقرير من ثمانين صفحة لمحكمة العدل الدولية. يذكر التقرير أن السكان اليهود في إسرائيل «اغتصبوا الأرض من العرب»، ويصف قرار التقسيم لعام 1947 بأنه «خطأ جسيم». ويصر شلايم بعد ذلك على أن «نظام الفصل العنصري الإسرائيلي» القائم اليوم لا يمكن فهمه إلا «في السياق التاريخي للاستعمار الاستيطاني الصهيوني». أما المقال الثالث، «Benjamin Netanyahu’s War against Palestinian Statehood» (2024)، فيصف إسرائيل أيضا بأنها «كانت دائما دولة استعمارية استيطانية».

غير أن الفصل الرابع يعود إلى عام 2009، حين كانت رؤية شلايم مختلفة إلى حد ما. فتأملاته في عملية «الرصاص المصبوب»، الهجوم الإسرائيلي على غزة في مطلع ذلك العام، تتضمن قوله إنه «لم يشكك قط في شرعية دولة إسرائيل ضمن حدود ما قبل 1967»، رافضا فقط «المشروع الاستعماري الصهيوني خارج الخط الأخضر». وقد يجد الوافد الجديد إلى هذه النقاشات هذا التحول مربكا، وربما كان من الممكن حذف هذا الفصل، ولا سيما أن «الرصاص المصبوب» يتكرر ذكره في فصول لاحقة.

وبعد أن بدأ بإدانة بريطانيا، يتناول شلايم الدور الأميركي في مقاله العاشر «Green Light to Genocide»، مستهدفا جو بايدن على نحو رئيسي. ويتهم شلايم بايدن بأنه «متواطئ شخصيا، إن لم يكن شريكا كاملا، في حرب إسرائيل الإبادية»، ويقتبس اعترافا دالا من وزير خارجيته أنتوني بلينكن: «نحن لا نتحدث عن خطوط حمراء عندما يتعلق الأمر بإسرائيل».

يحظى الدور القاتم للاتحاد الأوروبي ودوله الكبرى مثل ألمانيا باهتمام أقل. غير أن شلايم يقول في المقال قبل الأخير، «The Two-State Solution: Illusion and Reality» (2021)، إن كلا من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي «يعلمان أن الفصل العنصري هو الواقع القائم على الأرض»، وأن هذا الواقع يتعارض مع حل الدولتين الذي يعلنون تأييده رسميا. وهم «يواصلون ترديد دعمهم» له لأنهم «يخشون الاعتراف بأن جذر المشكلة هو الطبيعة العنصرية والاستعمارية للحكم الإسرائيلي».

أحد الفصول، «Israel, Hamas and the Conflict in Gaza»، هو مذكرة قدمها شلايم عام 2019 إلى المحكمة الجنائية الدولية. ويستشهد المؤرخ بالمفهوم القانوني الأقل شيوعا المعروف بـ«اللامبالاة المنحطة» لوصف سلوك إسرائيل تجاه سكان غزة: «سلوك فظ، قاس، متهور، يفتقر إلى أي إحساس أخلاقي بالاهتمام، ويخلو من أي اعتبار لحياة الآخرين، وبالغ اللوم إلى حد يبرر المسؤولية الجنائية».

أما «Israel’s Road to Genocide» فقد كتب بالاشتراك مع الباحث البريطاني-الإسرائيلي جيمي ستيرن-فاينر خصيصا لهذا الكتاب. ويضم كتالوجا من ست صفحات لـ«تصريحات عطشى للدماء لمسؤولين إسرائيليين»، تقدم دليلا مروعا على «النية الإبادية» التي كثيرا ما أنكرها المدافعون عن إسرائيل. مجرد عينة صغيرة: «احرقوا غزة الآن لا أقل!» - «جملة واحدة للجميع هناك: الموت!» - «أطفال غزة جلبوا هذا على أنفسهم!» - «امحوا، اقتلوا، دمروا، أفنوا».

العيش في ثلاثة عوالم

في الصفحات الختامية للكتاب، تشيد الروائية الفلسطينية-البريطانية سلمى دباغ بشلايم «بوصفه شخصا عاش في ثلاثة عوالم -عراقي وإسرائيلي وبريطاني، بدين يهودي وأصل عربي». وتصفه بأنه مفكر إنساني نافذ البصيرة، وهو تقييم لا يمكن لأي قارئ غير متحيز أن يختلف معه.

إن التناقضات الحجاجية التي يعثر عليها المرء في هذا المجلد تسلط الضوء على نزاهة شخص كافح بشغف مع تناقضاته الخاصة. وفي عامه الثمانين، يقف شلايم مدافعا جريئا عما يسميه «النضال ضد الفاشية الصهيونية» و«الكفاح من أجل العدالة للشعب الفلسطيني طويل المعاناة».

هوامش

موضوعات

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع