من خلال الصورة الثابتة والمتحركة نستطيع إيصال مفاهيم الثورة إلى الجماهير ونشرها والحفاظ على "استمراريتها"، بهذا المفهوم تم إنشاء قسم التصوير الفوتوغرافي (والسينما في ما بعد) ووصل إلى ما هو عليه الآن. وللوقوف على ماهية هذا الجهاز لا بد من الرجوع قليلاً إلى أوائل عام 1968.
نشأة القسم
بدأ نشاط قسم التصوير خطواته الأولى قبل إيجاد المكان والأجهزة اللازمين لذلك، فبدأ من أواخر عام 1967 إلى أوائل 1968، كانت إحدى الأخوات - وهي أول خريجة من المعهد العالي للسينما بالقاهرة في حقل التصوير السينمائي – التي لها الفضل الأكبر في إنشاء القسم. كانت تلك الأخت تقوم بتصوير بعض المواد الخاصة بالثورة في منزلها بآلة تصوير بسيطة جداً. وكانت أكثر تلك المواد هي صور شهداء الثورة. إلا أنه في أوائل 1968 برزت الحاجة إلى إقامة أرشيف خاص بالشهداء إلى جانب مواد ووثائق أخرى تتعلق بالثورة، لكن لعدم توفر الإمكانات المادية والفنية آنذاك، فقد بدئ بهذا النشاط بشكل سري جداً إلى أبعد حدود السرية، في دائرة تابعة لإحدى الدول العربية، حيث كانت تلك الأخت تقوم بتسخير آلات التصوير وأجهزة أخرى من أجل الثورة وتقوم بجميع مراحل العمل بنفسها ووحدها.
استمرت الحالة هكذا إلى ما بعد معركة الكرامة مباشرة حيث شهدت الثورة هجوماً صحافياً عالمياً، والكل يريد أن يعرف وأن يرى من هؤلاء الذين استطاعوا أن يقاتلوا صامدين 19 ساعة، وهو نوع جديد من القتال لم يألفه إنسان هذه المنطقة ولم يستطعه أي جيش عربي بعد هزيمة 1967 المفجعة. هنا جاءت الحاجة إلى الصورة الفوتوغرافية والسينمائية التي تقول ما تريده الثورة من خلالها، ولذلك بعد أن مررنا بتجارب عديدة مع مصورين من خارج نطاق الثورة بعضها كان إيجابياً، لكن بعضها أيضاً كان سلبياً، وهذا مما عزز الجهد لإنشاء قسم تصوير في ذلك الوقت.
جاءت الخطوة التالية حين التقى أحد قياديي حركة فتح مع الذين أسسوا القسم، وبعد مناقشات لم تدم طويلاً - إذ كنا نعرف بالضبط ما نريد - إلا أنه كان لا بد من وضع أهداف ولو بشكل عام، وذلك من أجل السير عليها، فكان الاتفاق على ثلاثة أهداف رئيسة:
- هدف تسجيلي وثائقي.
- هدف إعلامي.
- هدف صحافي.
ومع أن المناقشة تلك تطرقت إلى موضوع السينما، إلا أنه تُرك آنذاك مع استمرار المحاولات للحصول على آلة تصوير سينمائي، وقررنا العمل على تحقيق ما أمكن من الجانب الفوتوغرافي. وقد حصلنا في البداية على مكان العمل - (وكان مطبخا في أحد المنازل، الذي كان في ذلك الوقت يحتوي على جميع أجهزة الثورة مقسمة على أربع غرف وصالة) - وحولنا المطبخ إلى معمل للطبع والتحميض والتصوير أيضاً. وببعض الأجهزة البسيطة بدأنا العمل. بكاميرا بسيطة جداً وجهاز تنشيف بدائي يعمل على "وابور الكاز".
حاولنا في البداية وضع خطة وبرنامج، إلا أننا لم ننجح في ذلك لسبب بسيط هو أن حماسنا للعمل أنسانا جميع الخطط التي وضعناها. إذ كان يكفينا آنذاك أن نرى صور مقاتلينا توزع على الصحافة وأصدقاء الثورة فتمتلئ قلوبنا بالرضا وكأننا حققنا شيئاً عظيماً. إن الشيء العظيم حقاً كان ذلك الإحساس الذي ينتابنا أثناء القيام بتغطية أحد المواضيع، فقد كانت عملية التصوير بحد ذاتها بالنسبة لنا عملية نضالية ثورية، فكان الواحد منا دائم البحث عن السبيل لتنفيذ صورة معينة بشكل يعبر فعلاً عن الثورة وإخراج الصورة بشكل يختلف عما ألفته الجماهير، إلا أننا بعد فترة عدنا إلى الأهداف الأساسية وبدأنا العمل على تنفيذها، فمن الناحية الوثائقية بدأنا جمع أكبر عدد ممكن من الوثائق المتعلقة بالانطلاقة ونشاطات ما قبل الانطلاقة – إلى جانب وثائق عن تاريخ فلسطين - كذلك قام القسم بتصوير أكبر عدد ممكن من نشاطات الثورة آنذاك للاستفادة منها إعلامياً ووثائقيا، هذا إلى جانب الانطلاق في تغطية الجوانب الصحافية خصوصاً أن جريدة "فتح" في ذلك الوقت كانت في حاجة إلى صور يومياً. كما أن القسم ساهم في إيجاد باب يومي في الصحيفة يعتمد المقارنة بين صورتين متضادتين. مثل وضع صورة من مخيم البقعة وبعض العائدين يقفون في صف طويل ينتظرون وصول الماء للشرب، وصورة إلى جانبها تصور إحدى برك السباحة في عمان وهي تمتلئ بالسابحين.

في اعتقادي أن أهم الأعمال التي قام بها القسم هو معرض الكرامة في شهر آذار 1969. لقد استغرق الإعداد لهذا المعرض نحو ثلاثة أشهر واشترك في تحضيره أكثر من عشرين مناضلاً جمعتهم روح الفريق الواحد والحماس الثوري الحقيقي، فالكل عمل في ذلك المعرض من تكبير وطبع الصور حتى دق المسامير في براويز الصور وتعليقها. أهمية هذا المعرض أتت من كونه أقيم في وسط مخيم الوحدات، وعرضت الصور الفوتوغرافية الضخمة في داخل مجموعة من الخيام المتصلة ببعضها البعض. كانت تلك أول مرة شاهد فيها شعبنا هذه الصور التي تحكي له عن الثورة وعن أبنائه المقاتلين، التي شاهد فيها نفسه وآماله في ثورته. ومع أن المعرض اعتمد الصورة الفوتوغرافية فإن عدداً من الفنانين العرب شاركوا فيه بلوحات فنية. إن نجاح ذلك المعرض أبرز أهمية الصورة الفوتوغرافية أكثر، وبسبب ذلك النجاح تمكنا من الحصول على أجهزة جديدة للقسم، كما أن المعرض أرسل إلى عدد من البلدان العربية.
في أواخر صيف 1969 تضاعف عدد العاملين في القسم وأصبح بإمكان هذا الجهاز تغطية نشاطات أكثر وبسرعة أكثر، فمن تصوير بعض العمليات العسكرية إلى تصوير نشاطات أخرى في أكثر من دولة عربية. في تلك الفترة بدأ القسم يتخذ هيكله الصحيح بالنسبة لترتيب الأرشيف، وتواجد أحدث وأحسن أجهزة التصوير الفوتوغرافي في ذلك الوقت، مما ساعد عناصر القسم على تنفيذ أعمال لم يكن في استطاعة أي قسم تصوير آخر تنفيذها، جاء ذلك نتيجة إحساس عناصر القسم بأن عليهم أن يكونوا في المقدمة دائماً في مجال عملهم، وأن يكونوا مثلاً يحتذى في إنتاجهم.
في تلك الأثناء كان القسم قد بدأ نشاطاً سينمائياً محدوداً جداً، فكنا نقوم باستعارة آلة تصوير سينمائي مقياس 16 ملم لتسجيل كل ما نستطيع تسجيله دون وضع خطة محددة، وهذا يعود إلى أننا كنا نعلم أن الثورات افتقدت بعد التحرير إلى أفلام تسجل فترة ما قبل التحرير، لذا فقد وجدنا أن تسجيل كل ما نستطيعه في البداية سيكون في المستقبل، أي ما بعد التحرير، مادة في متناول الجميع دون اللجوء إلى جهات خارجية لشراء مثل تلك المواد بأثمان باهظة، إلى جانب أن تسجيل كل ما يحدث سيكون مادة وثائقية لا نقدرها إلا بعد سنوات.
لقد حصل القسم في أواخر 1969 على آلة تصوير سينمائي لم يكن يوجد لها مثيل في المنطقة، وقد كانت لها مميزات إضافية وحديثة جداً تمكننا من تنفيذ الكثير من مهماتنا على أعلى المستويات، كما حصل على بعض الأجهزة الإضافية التي تكمل عملية تصوير الحدث في تسجيل الصوت مباشرة في أصعب الظروف، حينذاك بدأنا فعلاً في التفكير بوضع خطة إنتاج سينمائية تخدم الثورة. ومع ذلك استمر القسم في تسجيل أحداث الثورة حتى جاء مشروع روجرز ومسلسل الحلول الاستسلامية، فقام القسم بإنتاج أول فيلم سينمائي بعنوان )لا.. للحل السلمي) وهو جاء رداً على المشاريع الاستسلامية في ذلك الوقت. ونذكر بأن العرض الأول لهذا الفيلم ليشاهده الأخوة المسؤولون كان في ملجأ تحت الأرض وعلى أرض مليئة بالرمل والتراب، وكان الجميع واقفين على الحجارة، إلا أن نظراتهم كانت تتابع كل لقطة باهتمام بالغ، مع أن الفيلم كان في كثير من جوانبه دون المستوى لأسباب عديدة أحدها السرعة الشديدة التي تم فيها إنتاجه.
في أواخر الصيف بدأت ملامح المؤامرة تلوح، فجاءت مجزرة أيلول، وتركز نشاط القسم على تسجيل أبشع مجزرة واجهها شعبنا حتى الآن. وقد ظهرت هذه المادة في ما بعد في فيلم تسجيلي بعنوان "بالروح بالدم"، كما تمكن القسم في أثناء المجزرة من إرسال بعض الأفلام السينمائية والفوتوغرافية التي تصور المجزرة إلى الخارج ووصلت وشوهدت أثناء مؤتمر القمة الذي كان منعقداً في القاهرة.
وقد استمر نشاط القسم بعد المجزرة حتى حزيران 1971 حيث بدأت معارك الأحراش، وقد تمكن العاملون في القسم في تلك الفترة من نقل كل ما يتعلق بعملهم من أرشيف وصور وأفلام وأجهزة ووثائق إلى خارج عمان ليعدوا أنفسهم للبدء في مرحلة جديدة من نضالهم.
من كتاب "فلسطين في السينما"، لوليد شميط وغي هينبل.
