14/01/2026

تصوير: اسماء الغول

جولان حاجي

مجلة ثقافية فلسطينية

جولان حاجي

مقيم في فرنسا

"كلُّ هذه الطرق ستنتهي بالبياض"

مطلع الثمانينيات، بُعيد اندلاع الحرب العراقية-الإيرانية، اختفى الشاعر بیژن إلهي من المشهد الأدبي في إيران، دون بيان أو احتجاج. عاد إلى هدوء عزلته في منزله شمال طهران، حيث أمضى العقود الثلاثة الأخيرة من حياته. عمل في معتكفه على كتاباته وترجماته، قارئاً بعيداً عن هيمنة المؤسسات الثقافية شرقاً وغرباً، سواء تحت مظلة الاستبداد الدينيّ أو تحت مظلة الحريات الفردية. كان المناخ الثقافي السائد في البلاد مزيجاً فادحاً من العدوانية واللامبالاة، غريباً عن اهتماماته الشخصية. 

لم يكن انسحاب إلهي ردّاً على "الظلم الأدبي"، ولا تعزّياً بأيّ صيت بعد الموت. لم يكن يبحث عن حياة أخرى ما وراء الحياة، بل عن حياة ثانية في هذا العالم المليء بالموت. لم يظهر في أيّ مناسبة عامة، ولم ينشر أيّ قصيدة حتى وفاته بفشل القلب، بين يدي صديقه محمد رضا بورجعفري، على الطريق إلى المستشفى في 30 نوفمبر 2010. في اليوم التالي، وصلت ابنته الوحيدة سلمى من باريس. وقفتْ إلى جوار أبيها، ولمستْ شعره الطويل المربوط من الخلف. نقلوه بالإسعاف من المستشفى إلى مثواه، ناحل الجسم، مغسولاً ومكفناً. لحقته حافلة أصدقائه من طهران، أخّرهم زحام العاصمة عن وداعه في لحظاته الأخيرة. كان قد دوّن في وصيته: 

                            "بیژن إلهي، الغريب في هذا العالم الخؤون، لا يريد أيّ جنازة".

دُفِن من دون مراسم، ومن دون كاميرات فيديو أو تصوير، في قبرٍ لا شاهدة له، بقرية "بيجده نو" في مرزن آباد، على إحدى القمم في جبال البُرْز، المطلة على بحر قزوين، جبال طفولته وصباه. كتب في إحدى قصائده: " كان مسقط رأسك مدينة أكبر من قلبك/ تركتك دون جواب". لم يتجاوز المشيّعون خمسين شخصاً. أحد القرويين صلّى على الجثمان. قرأ أصدقاؤه ترجماته، وتذكّروا قوله: "لا حظَّ لإنسان تحت التراب". 

وصية بیژن إلهي بخطّ يده

 

أضحك من أجلك

شجرة الخرنوب الأسود، ملاك الفقراء،

تهيّئ من أجلنا

شرابها البارد في المساء.

أنحني فوقك:

جلدك يتململ كالنسمةِ ووحوشِ الماء.

الهواءُ كوبٌ

للعقل

لفراشةِ الليل الشاهدة المشتعلة

بين ألفِ شمس وألف ظلّ لك.

 

أنتِ قشور الذرة البيضاء في طفولتي

التي ألملمها مرة أخرى.

أنتِ أصابعي الأولى.

الفقراء يضحكون

بجوار شتلات الخيار الخضراء.

هل ترين كم أنا عارٍ؟

حبليَ السرّيُّ لم يُقْطَعْ.

كولادةٍ جديدة، حبّي متّسخ ومُدمّى.

أضحك من أجلك.

اشتعلتْ باكراً

أضواءُ المنازل المجاورة.

الهواء بين آلاف المصابيح والآلاف من ظلالك

القريبة والبعيدة

يتصاعدُ من الرماد.

 

لقد ربّوني،

ربّوني ليحيطوني

بشموسٍ مستعجِلة.

عبرتِ وقطفتِني بكلّ تلك الرقّة

حتى لمستُ النسمةَ في يديك.

شهدتِ الشمسَ والهواء،

مع النسيم في شعرك الأحمر المشتعل. 

هادئةً أخلدتْ إلى النوم

وحوشُ الماء.

وكلُّ وحشٍ منها لامسَ في أحلامه

دمَك الصافي. 

صرتِ وجهاً

حدّقتُ به

ولا أزال

أحدّق به.

كولادة جديدة، لا يزال حبّي

متّسخاً ومدمّى. 

 

تعالَي،

لأنّ الباحاتِ الصغيرة حقاً

ستغطّيها الحشراتُ والنور.

أنا أضحك من أجلك.

 

أضحك من أجلك.

شجرة الخرنوب الأسود

تستقبلنا اليوم

بشراب المساء البارد.

 

[تعليق: تكثر أشجار الخرنوب الأسود، أو الأكاسيا الكاذبة، في شوارع طهران. يُصنع من زهورها شراب بارد يسمّونه "مرطّبات الفقراء" ].

 

الموجة الجديدة

نشر بیژن إلهي قصيدته الأولى "ثلج" سنة 1964، ضمن منشورات "الموجة الجديدة" التي ضمّت شعراء مثل أحمد رضا أحمدي وغفّار حسيني ونادر إبراهيمي وآخرين-

 

"كان الثلج اسمها 

الثلجُ جسدها

قلبها من ثلج

ونبضُها 

صوت الثلج المتنقّط

من سطوح القشّ

وأنا أحببتُها  

كغصنٍ 

انكسرَ تحت انهيارِ الثلج"

 

"جفونك فتحتْ كتابَ الفجر"

وُلد بیژن إلهي في 7 تموز 1945. كان ابناً وحيداً لعائلة ميسورة. سافر في شبابه إلى باريس وروما، وأقام في لندن عامين. تزوّج الروائية غزالة علي زادة سنة 1969، أنجبت ابنتهما الوحيدة سلمى قبل طلاقهما. ثم تزوّج ژاله كاظمي، المنتجة في التلفزيون الإيراني، سنة 1988 حتى انفصالهما سنة 2000. وبعد وفاتها 2004، أوغل في عزلة أعمق، لا يكاد يلتقي أحداً. وحيداً ولا يشكو. قال إنّ بيته الآن "سجن هارون الرشيد".

مال إلهي إلى الرسم والتصوُّف منذ مراهقته. درس الرسم تحت إشراف جواد حميدي (1918-2002) أستاذه في مدرسة "البرز" الثانوية، ثم هجر التعليم، وكرّس نفسه للشعر والترجمة الأدبية وحدهما. لعلّه أوسع شعراء جيله اطّلاعاً على التراث الشعري في أوروبا الغربية، دون أنْ يكون قد تلقّى أيّ تعليم جامعي. الأثر البليغ للرسم ملموس في شعره وكتاباته عن الجمال وضرورات الصمت. 

سنة 1966، بجانب برويز إسلامبور وبهرام أردبيلي، ساهم بیژن إلهي في مجلة "الشعر الآخر" التي حاول شعراؤها المواءمة بين الحداثة والتيارات الشيعية الباطنية التقليدية في إيران. هل بوسع الشعر حقاً أنْ يعبر الثقافات واللغات والعصور؟ تأرجحوا بين الحداثة الأوروبية-الأميركية والتراث الفارسي الكلاسيكي. ناقشوا علم الفلك والخيمياء القديمة. تأثروا بالحداثويين الفرس الذين سبقوهم- بصفاء الأسلوب لدى نيما يوشيج، ومتانة اللغة لدى أحمد شاملو. وقتذاك، راجت أعمال داريوش شايغان وعلي شريعتي في انتقادها اللاذع لـ "الهوس الأوروبي بالمركزية"، ولكنّ العشرية السوداء للحرب العراقية-الإيرانية الكارثية لم تبقِ أيّ فسحة لجماليات "الشعر الأخر". 

بيژن إلهي وزوجته ژاله كاظمي

 

"ما الأخبار؟ موتُ القلب"

على الجهة الأخرى من خندق الحرب العراقية-الإيرانية، في انسداد المنافذ وسط زحام أنباء الموت، اغترب الشاعر فوزي كريم عن أهل بلده العراق وأهل لسانه. اغترب مرتين: بينهم وبعيداً عنهم. تاه في المنفى. بنى ملاذه الروحي بين الكتب والموسيقا والمتاحف في لندن. كان كلٌّ من إلهي وكريم شاعراً هادئاً بقلبٍ مريض. كان انزواؤهما استياءهما. كلاهما رسّامان ومترجمان من أوفياء العزلة، تلك العزلة التي يظلّلها اليأس والشكّ. اختارَا العيش بين الموروث والمعاصرة، استغرقهما الاطلاع الواسع والبعد عن الضوضاء والأضواء. بمنأى عن الصراعات الثقافية، تذوّقا لذات الحرية الفكرية التي تُجنى أحياناً من صعوبة الخيارات في الكتابة. كلٌّ منهما عذّبته غربة مضاعفة ووعي حادّ بفداحة الواقع. 

ترجم كلاهما قصائد سالفاتوره كوازيمودو عن الإنكليزية. في حين تمسّك فوزي كريم بالعروض والقوافي، وكتب عن تهافت الشعراء ومرايا الحداثة الخادعة في "ثياب الإمبراطور"، ابتعد إلهي عن النقد الأدبي والمقال الصحافي، وجنح إلى مصاعب التجريب. كانا مختلفين في حذرهما. تطلُّبهما في الفنّ خلا من الادعاءات.  ولكن كم مرة أودتِ الصنعة بقصائد الشعراء إلى حتفها؟ ألا يفضي مسعى الدقة إلى التفكير بهجر الكتابة أثناء مزاولتها، إيماناً بضرورتها ويأساً منها في آن واحد؟ كم من شاعر ممزَّقٍ مثلهما فكّر بالتوقّف عن الكتابة والتواري إلى نهاية أيامه، على العكس مما قد يُقال عن خصوبة العيش بين عالمين، وكيف ينتهي التردّد بينهما إلى تعميق الكتابة وتجديدها؟ 

 

قناطر بغداد

أعاد بیژن إلهي في قصيدته التالية حياكة حكاية "الدار والمنظرة" (الليلة 599 من "ألف ليلة وليلة")، نقلاً عن الترجمة الفارسية لعبد اللطيف تاسوجي تبريزي (1858). على منوال الرواة في ألف ليلة وليلة، اعتمدتُ "جمعة" العامية بدلاً من "أسبوع". 

طبيعة صامتة لبيژن إلهي

 

أنا في هذا القصر منذ جمعتين. لم يحدث شيء

قناطر بغداد وقناطر دجلة-

القصّة المتروكة دون أنْ تُنهيها 

قد تتحوّل إلى قصيدة والقصيدة

المنتهية قد تؤلّف قصة. لهذ السبب

يكسر الشعراء دوماً

أبياتَ قصائدهم. وما أريده

من قلب تلك النزهات الهائمة في أرجاء بغداد

هو أنْ أكسر البيت على دارٍ في السوق

أرضُها مرخَّمةٌ بالرخام الملوَّن

في "ألف ليلة وليلة" وسقوفها

مذهَّبةٌ باللازورد.

"الإيجار عشرة دنانير في الشهر!"

"هل تهزأ بي؟"

قال البوّاب: "أنا لا أمزح، ولكن كلُّ مَن سكن هذه الدار

ما خرج منها إلا مريضاً أو ميتاً في جمعةٍ أو جمعتين".

أنا في هذا القصر منذ جمعتين ولم يحدثْ شيء.

ما رأيتُ إلا غروباً من ذهب.

بوسعكم أنْ تسمعوا:

"هيه يا ولد، ألم ترَ منظرة القصر؟" قالتْ زوجة البوّاب.

ولكن ماذا هناك على السطح

سوى قناطر بغداد وقناطر دجلة؟

 

شراب الضوء

كان اسمه في شهادة الميلاد بیژن إلهي الشيرازي. وجد لدى ابن عربي باباً واسعاً لتأمّل العشق، كيف يتحوّل عبر الغياب ويلتبس. حالُ الشاعر الحيرةُ والحبّ. ترجم مختارات من "فصوص الحكم" و "ترجمان الأشواق"، وما يُروى عن حب الشيخ الأكبر لـ "نظام" الأصفهانية في مكّة. نُشرت هذه الترجمة بعد وفاة إلهي بعام واحد. كان قد ميّز في حواشيها بين الترجمة الدقيقة الملتزمة أصولَ الحرفة (مثلما فعل حينما ترجم "إشراقات" آرتور رامبو)، وبين الترجمة المختارة التي يتقيّد فيها المترجم بقواعد ذاتية يختارها بنفسه لنفسه، ليتحوّل عمله إلى مغامرة في التأليف.

لاستحالة فصل العالم عن الكلمات والصور، لا بدّ من حضور آخر لا تدركه الحواسّ ولا يتصوّره العقل ولا الخيال. ثمة حاجة عميقة إلى ما لا يُعاش بالتجربة الحسّية، والشاعر ينحت كلماته "حداداً على ولادة الصورة". هل رأى بیژن إلهي في الدمع ترجماناً صامتاً للنشوة أمام الجمال؟ أحبّ روزبهان البقلي الشيرازي، شطّاح فارس الذي "ضاق صدره من رعونات البشرية". لدى المتصوّفة، مقام الالتباس هو مقام التحوّلات. كتب ابن عربي في "الفتوحات المكية" حكاية هيام روزبهان بمغنّية في مكّة وطوافه على سطوح الحرم، "كثير الزعقات" يصرخ حبّه لها. هدأ روزبهان عندما رجع إلى شيراز. كان يذوب وحده في نشوات عشقه من دون أنْ يعتري جسده أيّ اضطراب. 

روزبهان البقلي سني شافعي. بدأت مدرسته "الروزبهانية" في التصوف منذ القرن الثاني عشر، لتمتدّ لاحقاً من بلاد فارس إلى شمال أفريقيا. نشأ في عائلة "لا علم فيها ولا تقوى" كما وصفها. كان عمره خمسة عشر عاماً حين ظهر له النبيُّ الخضر، فهجر بقاليته، أو حانوته الذي يبيع فيه البقول (سبب لقبه)، وأمضى في الصحراء عاماً ونصف عام، والهاً واجداً. جالد حتى ظهر له الله في "صحارى القلب"، وسار مع الأنبياء "في صحارى الغيب حيارى سكارى"، وحين كُشِف لهم الحجاب هربوا جميعاً قبل أنْ يحرقهم النور. 

روزبهان "غوث العاشقين". عشق الجمال الإلهيّ المتجلّي في جمال كلّ المخلوقات. قال: "الله ينكشف للخلق جميعاً على وصفين: الجمال والجلال". عاش بالبديهة في عالم الغيب يرى الله رؤية العين: "وبقيتْ عين ذاتي شاخصة بالصانع، بينما كانت عين العقل تنظر الى الصنعة".

في "كشف الأسرار ومكاشفات الأنوار"، وصف روزبهان بعضاً من لقاءاته الكثيرة مع الله، حبيبه العزيز القديم، وكيف رقص معه على سطح بيته، وكيف عاتبه لأنّه خصّ موسى وحده بالمكالمة. معظم اللقاءات في الليل، على سطح رباط روزبهان بشيراز. الله لا ينام، ولا يقبل الشروح. فمرة يملأ وجههُ السمواتِ يتناثر منه الورد الأبيض، ومرة يغطّي البحر. مستشهداً بالحديث النبوي: "إنّ الله يُري هيئةَ ذاته كيف شاء"، قال روزبهان إنه رأى الله في آلاف الأشكال. رأى قلبه في يد الله يقلّبه بين أصابعه. رأى الله وردة حمراء في الليل، ورآه في زيّ راعٍ وبيده مغزلٌ يغزل العرش وعليه لباسٌ من الصوف الأبيض الخشن. 

يوماً جلس روزبهان قبل نصف الليل عند ابنه أحمد. كانت بالابن حمّى شديدة، وقلب الأب يذوب من الهمّ. ولمّا ظهر الله سأله: "إلهي! لمَ تمتحنني وأنا أتوقّع منك المواساة؟" فقال: "لا تحزن! فأنا لك" فتلطّف بابنه وسقاه شراباً شفاه. وفي ليلة أخرى رأى روزبهان اللهَ بين السواقي الخالية "وأخذني الحقُّ تعالى وذبحني، فامتلأتِ السواقي كلُّها من دمي، ودمي كان مثل شعاع الشمس، وجماهير الملائكة يأخذون من دمي ويمسحون به وجوههم". في ليلة أخرى، قال له الله: "اصطفيتُك بالمحبة. لا تخَفْ ولا تحزنْ"، وكان على سطح البيت في شيراز. كتب: "رأيتُ كأنّ من العرش إلى الثرى بحراً، وكان مثل شعاع الشمس، ففتح فمي بغير اختياري ودخل جميعه في فمي، فما بقي قطرة إلا وشربتُها". 

كما التقى روزبهان الرسول عدة مرات: "ورأيتُ ليلة بحراً مظلماً، وكان البحر من شراب الأحمر ورأيتُ النبي (صلعم) جالساً على وسط لجّة البحر متربّعاً سكران، وفي يده قدحٌ فيه شرابٌ من ذلك البحر فشربه. فلما رآني غرف من البحر بذلك القدح غَرْفةً وسقاني ذلك. ففتح لي بعد ذلك ما فُتح، وعلمتُ فضله على سائر الخلق، حيث يموتون عطاشاً وهو وسط بحر الجلال سكران".

في مرات قليلة، كلّم الله روزبهان بالفارسية. قال له مرة: "جون بوزي جون راستي" (أي "كلما حلّق غاصَ في الرؤيا") فكاد في فرحته يذوب من اللذّة والارتياح. في هواء القِدم وأنوار القِدم، ظهر له الأنبياء كلّهم وقد خرجوا من النور الذي أفناهم، فأطعموه كتبهم، فأكل التوراة والزبّور والإنجيل والقرآن. ورأى أسداً يمشي وحده على رأس جبل قاف، بعدما أكل جميع الأنبياء، وبقي في فمه من لحومهم والدم يسيل من شدقيه.

في حضرة الله تتأنسن كلُّ الموجودات ويصير لها وجوه، لأن الوجود هو الوجه. في إحدى المرات، حين جلس الله مع روزبهان على سطح بيته، ظهر الملاك جبريل شاباً سقّاء في عنقه إبريق يسقي الناس في مسجد الجامع. رأى روزبهان الجبال تقترب كوجوه عملاقة، وكلُّ جبل يقدم له شربة من شراب القدس، ثم خرّتِ الجبالُ كلّها ساجدات وذابتْ. واحد من تلك الجبال كان طور سيناء، وموسى يهوي مغشيّاً عليه كالسكران من أعلاه إلى حضيض الجبل. 

حين ظهر الله لروزبهان وبيده مرآة، قال: "أنا أنظر إلى وجهك وأنظر من وجهك إلى المرآة التي ظهر فيها وجهي وجهك وكنتَ ناظراً إليّ". كلُّ هذه المكاشفات ليست إلا صوراً. عقّب روزبهان: "كنتُ معشوق الله، ثم جعلني متّصفاً بصفاته، ثم جعلني متّحداً بذاته، ثم رأيتُ نفسي كأنّه هو، وما ذكرتُ شيئاً إلا نفسي [...] وأنت يا إلهي منزَّهٌ عن الحلول والتشبيه".

 

حكايات

سقط مفتاحٌ في جدول الدم

الآن تنتقل شجرتان 

من أعماقِ الظلّ إلى المرآة

في المرآة كتابٌ يتقطّر بين الشجرتين

في الظلّ

جدولُ الدم يجفّ 

يتبخّرُ المفتاح

لوحة لبيژن إلهي

 

عاش مترجماً متنكّراً، مات شاعراً عارياً

كتب الشاعر يدُ الله رؤيايي، المنفيّ في باريس: "إنّ شعر بیژن إلهي هو غدُ شعرنا الحاليّ، غدٌ آتٍ من ماضياتٍ بعيدة. إنه يختبر حلمه أولاً عبر دقائق اللغة التي تسعى دوماً إلى نفي نفسها بنفسها، لتصير أعجمية في لسانها، أليفة وغريبة".

طبع إلهي مئتي نسخة من ديوانه "حثالة الأيام" (1972) ثم سحبها من التداول، وأحرقها كلّها. حاول مرتين طباعة شعره في كتاب، سنتي 1975 و1978 ثم كفّ عن المحاولة حتى نهاية حياته. كتب أنّ الشعر مطاردة للحقيقة خارج الطريق، ونفس الشاعر "حقل تجاربه" و"مختبر أحلامه". 

استخدم اسمه في الترجمات النثرية، القليلة مقارنة بترجماته الشعرية التي استخدم فيها أسماء مستعارة. لم يكن يوقّع مقدماته. نشر ترجمته لقصيدة ت. س. إليوت "أربعاء الرماد" باسم مستعار هو فرهاد ساماني في المجلة الطليعية "فكر وفن" (1970)، وقد عثر على سؤاله المزمن في تلك القصيدة: "إذا نقلتَ الصوت فكيف ستنقل الصدى؟"

كتب في مقاله "أعذار عادية: فلوبير، بروست، جويس، نابوكوف" إنّ لترجماته "تصانيف شتّى، ولا ينبغي تصنيفها بالاستناد إلى معيار وحيد"، وإن المترجم مثل المؤلّف لدى فلوبير "حاضر في كل مكان، ولا يُرى في أيّ مكان". (ترجم لفلوبير "أسطورة القديس جوليان المضياف"). حين ترجم المقاطع الأولى من "جانب منازل سوان" لمارسيل بروست، سمّاها "ترجمة خلّاقة". 

أراد التجريب في قصيدة النثر. سمّى ترجمته لـ "إشراقات" رامبو "ترجمة تأليفية"، واعتبر ترجمة "الفضاء الداخلي " لهنري ميشو (نشرت الترجمة سنة 1980) محاولة أو تحدياً. أراد ترجمته قصيدةً بالفارسية، سواء نجحت المحاولة أو فشلت. "كان يستكشف أراضي أخرى لشعره" عبر الترجمة، مثلما كتب الشاعر الفارسي إسماعيل خوي، المنفيّ في لندن. الأكيد أنّ ترجمات إلهي جعلته يعيد النظر في شعره عبر السنين. النقصان أقرب إلى الحقيقة. النقصان جوهر الحاضر أمام كمال الماضي الذي تحصّنه كبرى القصائد في التراث الفارسي. 

تمّحي النفس إذا تعدّدتْ. ربما حاول إلهي أنْ يعدّد نفسه عبر ترجماته. لعلّ هذا سبب من أسباب حرصه على نشر معظمها بأسماء مستعارة، كما في ترجماته لقصائد بابلو نيرودا "عشرون قصيدة حبّ وأغنية يأس" (1973) الموقعة باسم فرود خسرواني. 

كانت قصائده كترجماته مفتوحة على المستقبل، ليس لأي منهما صياغة نهائية حاسمة، والرجوع إليها عبر السنين يعني الحذف غالباً. ترجم عن الإنكليزية والفرنسية والعربية، إلى جانب إلمامه بالإيطالية والتركية والألمانية. كانت أولى ترجماته الشعرية لفيديريكو غارسيا لوركا (1968). نشرها أوّلاً باسم مستعار هو فرهاد آرام، ثم نشرها باسمه. قارن بين العديد من ترجمات لوركا، وسمّى صنيعه "إعادة كتابة" أو "إعادة تشكيل". قال: "كلما أحسسنا بخطر اختناق القصيدة داخل إطار قواعدي صارم، آثرنا كسرَ هذا الإطار". استخدم مفهوم "الدويندي" الذي اقتبسه لوركا من توصيف غوته لموسيقا باغانيني: "الدويندي قوة غامضة يشعر بها الجميع، ولم يشرحها أيّ فيلسوف أبداً". الدويندي لدى لوركا "طاقة وليست عملاً. صراع وليس فكرة"، "قوة غامضة تسري في القدمين"، نشعر بها في مصارعة الثيران ورقصة الفلامنكو وغناء الغجر، والذي يؤدّيها يشارف على الموت في لحظة تجلّيه القصوى. 

فكّر إلهي أن المقابل المحتمل لكلمة "دويندي" موجود في الماضي لدى حافظ الشيرازي، فاعتمد اسم الإشارة "ذاك" للدلالة على الغائب البعيد الذي قد يكون الله في أشعار حافظ. كما عاد إلى "اللمع في التصوّف" لأبي نصر السرّاج: "علمنا هذا إشارة، فإذا صار عبارة خفي". إشارة لا عبارة لها ولا ألفاظ تحيط بها، ولا يمكن اكتشافها بالكلمات، لأنها "أندر وأدقّ من المعنى". 

غلاف ترجمة "إشراقات" آرتور رامبو

 

"موت المجاز"

عند ترجمته "إشراقات" آرتور رامبو، ميّز بیژن إلهي بين مترجمَين سمّاهما "الناقل" و "العامل". الناقل المتمكّن ينقل الحدث بحذافيره في مستوى الظاهر، "أما العامل فعليه تأدية الحدث نفسه في الظاهر والباطن في آن معاً"، وهذا أقرب إلى علاقة المخرج بالمسرحية، أو صانع الفيلم بالسيناريو، أو المغنّي بكلمات الأغنية. هذه العلاقة المسرحية تخرج الترجمة من بعدها التواصلي المحض، لأن القراء لا يلتفتون عادة إلى الفروق بين النصوص الأدائية والقصص.

تأمّل إلهي مقولةً تُنسب عادة إلى علي بن أبي طالب: "لا تجادلهم بالقرآن فإنه حمّال أوجه"، وفكّر أنّ المعاني الخفيّة للقرآن تتجاوز لسان العرب. عاد إلى الحديث النبوي الذي تضاربت شروحاته: "إنّ للقرآن ظهراً وبطناً، ولبطنه بطناً إلى سبعة أبطن". هذه المعرفة القلبية ليست حكراً على الرسول والصحابة والأئمة والأولياء، وإنما هي في متناول جميع الناس عبر الإلهام. فظاهر القرآن متاح لجميع البشر، ولا غنى عنه للدخول إلى باطن القرآن، أما الباطن فيقترن فهمه بتجربة كلّ إنسان يقرؤه، ولهذا ما من أحد يفهم القرآن مثلما يفهمه سواه. لعل في مفهوم "تعدُّد القراءات" صلة أبعد بتأملات إلهي في قصائده وترجماته، إذْ لم يبارحه ضيقه ببقائها ناقصة إلى أجل غير محدود. فالظاهر ممزّق في شذرات ناقصة يكملها الباطن الذي لا ينتهي ولا يكفّ عن التحوّل. كتب: "عندما يُترجَم الرمز إلى مفهوم عقليّ يموت المجاز". لهذا تبقى التجربة الداخلية جوهرية لدى الشاعر والمترجم على السواء. لذّة الترجمة هي المجاورة، بخروجك من نفسك لتجاورها فترى نفسك شخصاً آخر، "شخصاً آخر إلى الأبد". القصيدة أيضاً تولَد من اغترابها عن أصلها. مَن يسلك هذا الطريق في قراءة الوجود يذهب إلى المنفى، ويغدو ما يكتبه غريباً حتى عن نفسه. 

 

مقامات

كنتُ عبدك

بين ثلاثين ماضٍ وعشرة مستقبَلات،

صار نصفي ظلاً-

ظلاً تبسطه أشجار الغار

في قاع الوادي.

حيث يجرح مرقدك الضوء الذي لا يستحي

سبعة بلاسم هادئات، سبعة بلاسم من الظلّ

والصلاة وراء الشفتين

اللتين كانتا، مع الأسف، أنا ونفسي.

أنا، خادمك،

ما رأيتُ إلا سرَّتك، لا... لم أرَها.

أستلقي قدّام عتبتك

بين عشرة ماضيات وثلاثين مستقبَلاً.

القمرُ بجوار وجهي

شهقةُ الضوء الذي يحتضر.

ما عدتُ أشعرُ بالبرد.

غطاءٌ يكفيني.

 

زاد المسافر

ترنّح بیژن إلهي بين عقلانية المعتزلة وجنون المتصوفة. لم تكن لديه أيّ نظرية محدّدة في الترجمة. على منوال فالتر بنيامين، شكّك بالنقل الأمين للمعلومات في الإبداع، فالمترجم من يعطي النص حضوراً في حياته الجديدة بلغة أخرى، و"المعنى ليس إلا شرطاً واحداً من الشروط الضرورية لهذا الحضور".  الشاعر الفارسيّ الإسماعيليّ ناصر خسرو القبيداني (ق 11)، في مؤلفه "زاد المسافر"، ميّز شكلين للغة: القول والكتابة.  القول أوْلى لأنه عِلمُ الحاضرين، أما الكتابة فعلم الغائبين، والمعنى الكامن في كليهما لا تطاله الحواسّ بمفردها، ففي الباطن ثمّة "التخيُّل والوهم والفكر والحِفْظ والذِكر".

التأويل الشخصيّ الحرّ للقرآن، أو ما يُسمَّى "التفسير بالرأي"، مرفوض عموماً. بدلاً من التأويل المرتبط بالأصل (لاشتقاقه من "الأوّل")، مال إلهي إلى التفسير لارتباطه بالسرّ. كان يريد أن يزيح "الحجاب اللغوي" عند ترجمة الشعر، وصولاً إلى ما سمّاه "لحم القصيدة". لخّص الإمام الغزالي هذا الوصول إلى الخفاء في "إحياء علوم الدين" بـتعبيره "تصقيل القلب"، أي تصفيته وتطهيره. كتب المتصوّف الفارسي أبو الحسن الهجويري (ق 11) في "كشف المحجوب لأرباب القلوب": "وقد عملتُ هذا الكتاب ليكون صقالا للقلوب الأسيرة في حجاب الغين، ويكمن فيها جوهر ونور الحق، فينكشف عنها الحجاب ببركة قراءة هذا الكتاب، وتجد الطريق إلى حقيقة المعنى".

 

صديق الله بعد الوادي السابع

كان بیژن إلهي مطّلعاً على دقائق سيرة فريد الدين العطار النيسابوري الذي هداه متسوّل إلى التصوّف، فهجر حانوت عطارته وتنسّك حتى مات عن عمر 114عاماً، بعدما ألّف 114 كتاباً، بعدد سُوَر القرآن. في نهاية ملحمته الشعرية "منطق الطير" يبلغ ثلاثون طائراً باب السيمرغ، رمز الألوهية وصورة الوحدانية، ومعنى اسمه "ثلاثون طائراً". ثلاثون روحاً أو ثلاثون ظلّاً قطعت رحلة طويلة واجتازتْ سبعة وديان، حتى انتهتْ منهكة أمام مرآة الاسم السماويّ.

عارض إلهي "منطق الطير" عبر طرق بعيدة أو ملتوية. فمرّة روى خرافة عن "طائر عاش في مرآة حتى انكسرتْ، فولدتْ طائراً ذوّبها وشربَ ماءها، وصار هو المرآة"، ومرة رأى أنّ الاسم ظلٌّ يبقى: "بعد هذه الشمس الصغيرة/إذا ما سافرتَ مع الشمس/فسوف يبقى ظلُّك في مكانه،/كما لو كنتَ أنتَ ظلَّ الظلّ". كما تخيّل في رحلة الطيور شخصاً اسمه اللاهيار، أي "صديق الله"، حين كتب قصيدة "ما قرأتُه حتّى الآن".

 

ما قرأتُه حتّى الآن

قلتُ: استلمتُ رسالة. أمرتني، 

في التاريخ والمكان الفلانيين، 

بالانضمام إلى جماعة أخرى

والانتقال إلى المدينة ب.

كان كاتب الرسالة مجهولاً.

تفقّدتُ الأطلس ولم أعثرْ على المدينة ب.

بعد يومين، مات صديقي "راحة" 

ميتةً مأسوية.

كان قد استلم الرسالة نفسها قُبيل وفاته

قال إنّه، عشية استلامها،

قد حلم بطائر

يشبه هدهداً.

وفي اليوم التالي،

دخلَ هذا الطائر حلمي.

ولهذا عليّ اللحاقُ بالسرب نفسه في المكان المقرّر.

قلتُ: كنّا بالكاد ثلاثين شخصاً.

بدأنا رحلتنا.

على الطريق

انضمَّ إلينا عجوزٌ اسمه اللاهيار. 

سنرى دوره الرئيسيّ.

ثم، بعد بضعة أيام،

قالت جماعة أخرى أنّها عبرتْ ذلك الوادي

ظنّوا أنّنا جماعتهم، ولكن كان عليهم

اللحاق بجماعة مختلفة.

تُرانا كنا نقترب

 من المدينة ب

 التي لا وجود لها 

على الخريطة؟

ها قد وصلنا إلى هنا.

قلقاً من ازدياد عددنا تدريجياً،

قال اللاهيار: 

لا بدّ أنْ نفعل شيئاً، وبأسرع وقت.

ما عسانا نفعل 

بجمهرةٍ كلُّ من فيها ليلى   

وهذا القطيع من الرجال؟

هنا تبدأ الحكاية...

غلاف ترجمة لوركا

 

الشعراء المترجمون

لا نهاية للارتحال بين اللغات. تاه بیژن إلهي في مقارناته ومعارضاته بين الشرق والغرب. لعلّه كان يعلم كيف عارضت إيتل عدنان في كتابها "في قلب قلب بلاد أخرى" كتابَ وليم غاس "في قلب قلب البلاد".

سلاسل الأصداء تقود الشعراء عبر الزمن وتقيّدهم. كانت كوابيس إدغار ألن بو قد تسلّلتْ إلى مخيلة مترجمه بودلير حين كتب "أزهار الشر"، ثم تسلّلتْ "أزهار الشرّ" إلى "أفاعي الفردوس" حين قام إلياس أبو شبكة بترجمة بودلير. 

لا تنفصل الحداثة الشعرية عن الترجمة.  فقصيدة تأسيسية كُبرى مثل "الأرض اليباب" تاهت بين اللغات والأساطير، وقادت شاعرها إلى ترجمة "أناباز"، قصيدة سان جون بيرس الذي عرّبه أدونيس، عرّاب الحداثة الشعرية العربية وأمكر منظّريها. كانت ترجمة أدونيس بعيدة الأثر في العديد من الشعراء العرب الذين أتوا من بعده، ثم أتت ترجمات سعدي يوسف ليانيس ريتسوس الذي أثرى بطرقٍ أخرى تجارب شعراء عرب عديدين. حين زار الشاب سركون بولص الشاعر و.س. ميروين أسدى إليه الأخير بالنصيحة التي كان قد أسداها إليه إزرا باوند: "حين لا تكتب الشعر ترجمْه". "ما تحبّه الحبّ الصحيح يدوم".

 

من اليمين إلى اليسار، وقوفاً: علي مراد- مجهول-غزاله علي زادة. جلوساً: برويز إسلامبور، يد الله رؤيايي، بیژن إلهي (1970)

 

خمسة مشاهد لإيكاروس

العدالة

كلُّ كلمةٍ

قربانُ سيف

تشعُّ بنورها.

إنها تمطر.

كلُّ كلمة ترتدي قناعاً أبيض

واهبةً نفسها للمطر.

كلُّ كلمة ملاكٌ

يرتجفُ من العُري.

 

أرفع السيف.

أنتزع القناع

عن الكلمة

وأضعهُ على وجهي.

أهِبُ للمطرِ نفسي

وقبل أنْ تصعدَ

رائحةُ الحياة

أهربُ

بجناحي الملاك.

 

يتوقّف المطر.

شمسُ اللغة تدنو!

 

أحلام ضبابية

سألتني السماءُ 

رشفةً ضبابية منّي 

عندما بلّل الندى غطاءَ العربة.

في عربة الأطفال، تمكّن منك النوم!

 

عبر الكَرْم، عبر الضباب،

وزّعوا النعاس والنبيذ.

نخبك

في الضباب!

إيكاروس

سقط.

 

إيكاروسات

الكلمةُ بحركتها -الكلمةُ في هروبها-

ملأتِ الفضاء برائحة اللحم.

ما القصيدةُ سوى حركة الكلمة؟

 

في الغرفةِ النساءُ

يتكلّمن عن إيكاروس

وقصيدة إيكاروس

لم يؤلّفها أحد.

 

كلمةٌ واحدة لا غير:

الشمس!

 

وإذا ما عدتَ يوماً 

من رحلة الحجّ الحارقة تلك

سأملأ بالبحر أكوابَ المشاعل كوباً فكوباً

وستعلم أنّ لهيبها 

أبردُ النيران وأشدُّها زرقة.

 

بالمقلوب

(إلى محسن صبا)

-1-

مَن غادرَ 

لن يعود أبداً.

سينهار.

في الغيمةِ النرجسةُ تحدّقُ بالغيمة.

تمطرُ ولا تمطر.

تحت العباءة المبلّلة،

متى سأهمُّ بجلبِ الحطب؟

-2-

آه، يا صديقي! يا صديقي!

تكفيني كأسان.

الثالثة هي هواء الربيع.

عندما يسقط إيكاروس

من السماء الخضراء

ستمتلئ كؤوسُ النرجس بماءِ المطر.

انظُرْ داخلها! إيكاروس صغير

يصعد.

 

إيكاروس وضامن الغزال

مثلما تمزجُ العاصفةُ الرعدية

الألوانَ بالألوانِ في قوس قزح

ليت الشعر يمزج الأسطورتين معاً

فنتبادل النظرات في شروق الشمس والسمّ

وتهتدي النباتات إلى الماء في سُمّ الشروق

(علّمها الماءُ سرَّ الحياة وعلّمنا سرَّ الموت 

الماءُ جلالُ محونا لذواتنا)

وستدخل الشمس في العنقود

(العنقود هو العشاء السرّي الأخير).

الآن، وقد جرفَ الجناحَ فيضانُ الشمس

الغزال عديم الحيلة.

إنه يسقط.

الغزلان الكريمة لا تهب شيئاً.

إنها تراك وتحرسك.

الآن، والشمس على مهل

 تهبط غرباً

 فوق التلّة،

تحمرُّ ناران.

الأفقُ انجلى بالمخاطرة.    

هو ذا أفق الرضا:

ضامن الماء

متخفّياً في رطوبةِ الحطب. 

 

[تعليق: كان بیژن إلهي قد راجع ترجمات قصائد وليم كارلوس وليامز و و.ه. أودن عن لوحات بروغل الأكبر. تأمّل كيف نقل الرسّام أسطورة إيكاروس من المتوسط إلى بحر الشمال، من جزيرة كريت إلى الريف الفلمنكي. قال إنه قد حاول في هذه القصيدة الدمج بين هاتين الأسطورتين: إيكاروس والإمام رضا. الإمام رضا هو الإمام الشيعي الثامن (766-819). مات بعنقود عنب مسموم. كُني بلقب "ضامن الغزال" بعد أنْ استنجدت به غزالة ليستمهل الصياد الذي أسرها كي تذهب وترضع صغارها، ثم وفت بوعدها وعادت معهم لتطلق أسر الإمام كفيلها. يصادف مشهد الإمام الرضا والغزال الأسير في رسوم بعض الستائر التي تعرض مشاهد من حيوات الأئمّة الشيعة، وكانت تعلَّق إلى الجدران في المقاهي الشعبية بإيران، فتدور مجالس الحكواتيين تحتها مع الغناء والموسيقا. يُعرف هذا الفنّ باسم " پرده خوانی"].

طبيعة صامتة لبيژن إلهي

 

"قَسَماً بالبياض"

كتب إسماعيل نوري علا، الشاعر والناقد في "الموجة الجديدة": "إنّ بیژن إلهي قد أغفل مبدأ خلق الصلة بين الشاعر والقارئ"، فحكم على قصائده بأنْ تكون "لعباً تجريدياً مع الكلمات".

دقة التعبير ورهافته منتهاهما الحزن. الرضا مفقود. لم يرضَ إلهي قطّ عن أيّ شيء صنعه. بنى عالمه المركّب على مهل، ونُصْب عينه شعراء الماضي والحاضر كليهما. الشعر في التراث الفارسي لا يقلّ ثراء ووعورة عن الشعر في التراث العربي. كان إلهي مطلعاً على جدالات الحداثويين العرب ومعاركهم لكسر عمود الشعر العربي الكلاسيكي، بعد وقوف أسلافهم في ظلّ هذا العمود لأكثر من ألف وستمائة سنة. كيف للشاعر محاورة هذا الماضي الهائل عبر الترجمة؟ كيف الوصول إلى مكان آخر لا يكون فيه مرجع الحداثة هو التاريخ الغربي الذي يحاول المتأخرون اللحاق به مستعجلين من جهات الأرض الأخرى؟ كتب نيما يوشيج في مقاله "قيمة المشاعر في حياة الفنّان" (1940) (من كتابه "قيمة المشاعر: خمس مقالات في الشعر والدراما"): "لقد تلقيّنا التأثير الأوروبي في أدبنا تلقياً ناقصاً واعتباطياً بسبب شكل قصائدنا وأسلوبها"، فالتأثير الأدبي لا يثمر إلا حين يستطيع الأدب المتلقّي العثور على أرض مشتركة تجمعه بأدب المصدر، كتلك الأرض التي تخيّلها اليهود، جنوب بحر قزوين: عالماً ثالثاً بين عالم الجسد وعالم الروح، أرضاً وسطى تسكنها الملائكة والشياطين. 

حين طغى أدب الالتزام الماركسي في إيران أثناء الستينيات والسبعينيات، بدتْ اهتمامات إلهي وصمة أخرى تدين ميوله الغربية. كان الكاتب جلال آل أحمد (1923-1969) قد نحت مصطلح "غرب زدكي"، أي التغريب أو الابتلاء بالغرب. رأى التقليديون أنّ إلهي قد استلهم تشذّر موضوعاته من حافظ الشيرازي، ودفء الغناء من جلال الدين الرومي، وغموض التراكيب من الخاقاني الأذربيجاني، والمستغربون رأوه مستلهماً إزرا باوند. 

 

لم يشأ إلهي الاعتقاد بهيمنة أيّ ثقافة على ثقافة أخرى، سواء عبر الاستعمار المباشر أو غير المباشر (في أفريقيا الفرانكوفونية، أو الهند، أو جزر الكاريبي...). بالنسبة إليه، "في الشعر لم تكن الحداثة إلا أوهاماً "، لأنها ارتطام مستمرّ بالحدود التي لم تستطعْ هدمها بين التصانيف والجغرافيات. الحداثة تجربة خسارة بكل اللغات، والترجمة تُحيي ما يُنسى. ما بكى ضياع الهوية ولا تحسّر على فوات الأوان، وإنما بحث عن طرق أخرى في رؤية الوجود، عارفاً أنّه لن يستطيع تحديد الشرط الروحي المجهول الذي قد تُغني به الترجمةُ الشعرَ الفارسيّ. لم يرَ الحداثة مشروعاً تأسيسياً، بل تكرار لا ينتهي، لأن الحداثة، أينما كانت وفي أي عصر، تنطوي على هذا التأخُّر الذي لا مناص منه. ألهذا يبدو معظم الشعراء الحديثين شعراء لا جذور لهم إلا في الهواء؟ لا تراب للشعر المترجم أيضاً. إنه عيشٌ في الهواء كالمنفى. بالنسبة لإلهي، كانت الترجمة تأويلاً مفتوحاً يذهب إلى ما يستطيع من أبعد الطبقات في وجود الشاعر داخل اللغة، إلى أن ينتهي، بسبب هذا المسعى نفسه، إلى اغترابه عن نفسه، بين أهله أو بعيداً عنهم. تأرجح بين النشاز والانسجام، لأن الترجمة ليست مجانسة في التراب الجديد. إنها تشكيك في صروح الأصالة.

كلُّ المعايير ناقصة، أياً كان من صاغها. النقّاد التقليديون حذّروا من مضارّ الشعر المترجَم و"الآثار الأجنبية التي تؤذي جمال الشعر الفارسي"، وحذّروا القرّاء من مخاطر الترجمات الرديئة للشعر الأوروبي، وما تروّج له من أوهام اللحاق بالعصر حتى تنتهي بحداثة أدبية مزيّفة. ولكن لا قداسة لأي لغة. لم يرَ إلهي الحداثة اشتقاقاً من الجذور والأصول، أو تقليداً ونسخاً دونيّين لرفعة الأصل. كان سعيه اللغويّ صوفياً، للوصول إلى ذلك الذوبان حيث تختفي الصور في الجوهر ويتجلّى الجوهر في الصورة الشعرية. ما أشقّ الوصول إلى الجوهر الغريب في قلب كلّ قصيدة، بأيّ لغة كُتبتْ. 

إلهي على قبر حافظ الشيرازي

 

رائحتي التي لا تزول

كُوني استعارتي في هذا النقش،

رائحتي التي لا تزول،

نظرتي إلى العشب، صانعة الاستعارة.

 

تجلسين هناك، 

تركبين أسداً حجرياً.

هادئاً يحدّق الأسد

بالتلّة البعيدة.

 

 [تعليق: الأسد الحجري إشارة إلى الشواهد في مقابر الأكراد البختياريين في جبال زاغروس غرب إيران. يطلق اسم "باردشير" على الأسد الحجري الذي يحرس قبور المحاربين المجهولين، وربما كان النحّاتون فنانين من الرحَّل، نحتوها هناك ونقشوا خواصرها بالكلمات أو بمشاهد من المعارك. الكلمة الفارسية "كنجنامه" قد تعني النقش في الصخر والدليل إلى الكنز، وقد تعني ابتهالاً يُرفَع إلى الإله أهورامزدا في الديانة الزرادشتية]. 

أسد حجري في مقبرة بختيارية غرب إيران

 

"رقص بالسلاسل"

ربما كانت ترجمات بیژن إلهي استكمالاً لبحثه المتعثّر عن نفسه في الآخرين، لخّصه باقتباس من المتصوّف أبو الحسن الخرقاني (ق10-11) صدّر به ترجماته للحلّاج: "قد رأيت أولئك الذين فسّروا القرآن. الكُرماء يفسّرون أنفسهم". حاول إلهي تغريب اللغة الفارسية عن نفسها عندما تبنّى بنى غريبة عنها. كان هذا انتقاده المتواضع للنظام الشعري القائم، إذ لم يعد في ممارسته مكان واضح لثنائيات الأصل والترجمة، أو مقابلة الخيانة بالأمانة في النقل. الشعر والترجمة قناعان لوجه واحد، والشاعر، في بحثه عن جدية أخرى خارج الأكاديميات، يحاول الوصول إلى هذا الوجه الذي كان له ولم يرَه قطّ.

كتب إلهي إننا قد نقع على الترجمة الحرفية عند سان جيروم حين نقل الكتاب المقدّس إلى اللاتينية، وأضاف: "إذا كان الإبداع رقصاً، فالترجمة رقص بالسلاسل". قال إنّ ترجمته للحلاج "ضد-أكاديمية"، ولا تصلح للدراسات العلمية. سمّاها "تعبيره الشخصي" عن معنى الترجمة. في طبعة لاحقة صدرت بالعربية والفارسية لترجمته "أسرار الحلاج: أخبار وأشعار" (1975، 2000)، قال إنه استند في الصياغة إلى "الأخطاء الخلّاقة في القراءة". (كان قد قرأ عن "الترجمة الحرّة" التي أنجزها الشاعر الأميركي دلمور شوارتز لكتاب آرتور رامبو "فصل في الجحيم"، مستنداً إلى نسخة إنكليزية مجهولة المترجم، وقد عادتْ عليه هذه التجربة اليتيمة باستهزاء النقاد الذين أمطروه بقوائم من الأخطاء والتصويبات).

ثمة غرابتان مختلفتان إذن، غرابة الأصل وغرابة الترجمة. القلب يألف الغرابة كألفة الوحش. كان إلهي حرّاً عند ترجمة الحلاج، بينما قيّد نفسه تقييداً صارماً عند ترجمة هولدرلين في مختاراته "نية الخير" (1973). اللغة الإلهية تتجلّى في "الاحتمالات اللانهائية للحلّ والربط، وهي في الألمانية، كما في الفارسية، تتغرّب حين يتلقّاها الشاعر [هولدرلين] عبر اليونانية القديمة، مما يخلق فضاء مقدّساً هائلاً وشاسعاً لا يُلْمَس ولا يُخْتَرق". أمام كلمة "ترنيمة" في "أغاني الليل" لدى هولدرلين وضع إلهي مقابلاً غريباً من الأفستا الفارسية هو "باشتاها".

 

 الحرية

(مقطع)

ما عساي أقول لصورةِ شجرة

محبوسةٍ في البحيرة

تحت الجليد؟

 

إشارات وهوامش

باستثناء ترجمة مهدي غانجاوي لقصيدة "ثلج"، المصدر الرئيس لهذا المقال هو دراسات الباحثة الأميركية ريبيكا-روث غاولد التي عملت مع الشاعر الإيراني كايفان تاهماسبيان على نقل بعض قصائد بیژن إلهي إلى اللغة الإنكليزية. بعد استماعي إلى محاضرة لهما في لندن سنة 2019 تناولا فيها ترجمة بيزن إلهي، بدأتُ الاطلاع على المتاح من كتابات إلهي بالإنكليزية، ثم كتبتُ هذا المقال وترجمتُ قصائده على فترات متباعدة حتى نهاية 2025. 

صدرت قصائد إلهي في مجلّدين بعد وفاته: "رؤيا" (2014) ويضمّ أربع مجموعات بما فيها "غرفة العشب" (1972) التي مُنعت من الطباعة في حقبة الشاه، والمجلد الثاني "صبوات" (2015) وفيه قصائد الشباب المتفرّقة المكتوبة قبل ثورة الخميني 1979. جُمعت ترجماته المتفرّقة بعد وفاته في كتاب "وادي العشب بألف لون" (2016)، وضمت مختاراته من أشعار: غونار إيكيلوف، تشيزاره بافيزي، ج. أونغاريتي، سالفاتوره كوازيمودو، يوهانز بوبروفسكي، كريستوفر جيكيل، زبیژنييف هربرت، يانيس ريتسوس، أوسيب مندلشتام، فرناندو بيسوا، سيروس آتاباي (أنجز بعضها عندما عاش في لندن بين عامي 1970-1972 ووقّعها بأسماء مستعارة مثل طاهر علافي، تينا شهرستاني، أ. اسفندياري). مختاراته من أشعار قسطنطين كافافيس "هذا الصباح" صدرت سنة 2017.

القصائد كلّها لبیژن إلهي، وعناوين المقاطع الموضوعة بين علامات التنصيص ("") مقتبسة منه.

لوحات بیژن إلهي، من دون عنوان، مأخوذة من كتاب

Dariush Kiaras, Bijan Elahi (Painter-Poets 1) (Tehran: Peikareh, 2014)

الأولى: Oil on cardboard, 51 in 37.5 cm, 1961

الثانية: Oil on cardboard, 66 in 39 cm, 1963

الثالثة: Colored pencil on cardboard, 34.5 in 23.5 cm, 1962

هوامش

موضوعات

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع