يقول أوكتافيو باث إن الرومانسية الإسبانية ليست أصيلة، لأن التنوير لم يصل إسبانيا بالأصل. والحركة الرومانسية جاءت رداً على العقلانية، وعودة إلى ينابيع العاطفة، والدين، والتراث. لا يمكن أن يكون هناك ردة، وعودة، واسترجاع، بدون تغيير في المشهد. المشهد الإسباني كان غارقاً بالأصل في الكاثوليكية، والسحر، والتقاليد، ولا يمكن للرومانسية أن تنمو بوصفها ردة وتمرد على العقل، في هذه الظروف الإيبيرية الجامدة.
أستمع إلى الست، مقلّباً أقوال الشاعر المكسيكي في رأسي، بشجنٍ عجيب:
"ذِكرَياتٌ عَبَرَتْ أُفقَ خيالي بارِقًا يلمَعُ في جُنحِ اللَّيالي
نبَّهَتْ قلبِيَ مِن غَفْوَتِهِ وجَلَتْ لي سِتْرَ أيَّامي الخَوالي".
ثم أفكر في رومانسيتنا العربية، المتأخرة جداً، بين مصر ولبنان. بالطبع، لم تكن انقلاباً على التنوير وعقلانيته، وعلى الجمود الكلاسيكي. لم تنقلب حتى على تراثنا، الذي أعدنا اكتشافنا في القرن التاسع عشر. تبدو رومانسيتنا تائهة، في ظرف تاريخي لا يستدعي أية عواطف، أو هروب من العقل. سايرت النهضة، التي اعتمدت العقل، كما عايشت صعود الثورات القومية، قبل أن تُجهز عليها هذه الثورات.
ولكن، هل تلتفت الست إلى باث؟ على ما يبدو، لا يعنيها كثيراً:
"ذِكرياتٌ داعَبَتْ فِكري وظَنِّي لستُ أدرِي أيُّها أقرَبُ مِنِّي".
وماذا عن أحمد رامي؟ قبل سنتين، كتبتُ مقالاً طويلاً عن نزار قباني، أحاول فيه تخليصه من أسطورة الحداثة. وكان رأيي أن نزار، لا اللاحقين عليه، أكثرهم إخلاصاً. نزار، أيضاً، وريث تلك الرومانسية العربية المتأخرة، بل أصبح ممثلها الرئيس. ورامي، أيضاً؟ أين مكانه؟ كيف نصنّفه؟ ماذا نفعل بقصائده، الفصيحة والعامية؟ رامي يسائل الوابور، مع عبد الوهاب. استعدته في كتابي عن أسامة بن منقذ. (هل كانت تلك رحلة رومانسية؟ أنا وأميرٌ فارس في ربوع الجزيرة؟) رامي وجيله كله، بين رومانسية بليغة، مبالغ بها، وبين واقعٍ غائمٍ.
والست تندب:
"ثم عاشت فى ظنوني وهي وهم وخيال".
لأكثر من عقد، كنت أستعيد دمشق يومياً: الذكريات كلها. فجأة، انشرخ كل ما أتذكره. عدتُ إليها، ولم أجدها. هل كان وهماً، ذلك العقد وذكرياته، الذي انتهى بغدر؟
أربكني باث. أربكني جداً. دائماً كنتُ أقدّر ربط الأعمال الأدبية بسياقها التاريخي والاجتماعي. مع ذلك، يبدو لي أن تحليلنا المشترك عن تكاذب وزيف واصطناع الرومانسية الإسبانية والعربية، مضلل. أليست استجابة الناس للعمل الفني، أيضاً، دليلاً ناصعاً على أصالته؟ وها أنا أغرق مع الست، في الذكريات... أليس هذا وحده كافياً، لبيان عمق الرومانسية؟
ذكرياتٌ، عندما قبضتُ عليها أخيراً، وعانقتُها ولهاً، تبخّرتْ هي وتجمّدتُ أنا.
والست، بقسوة قلبها، تتندّر بما يصيبني:
"ثُمَّ تَبقَى لي على مَرِّ السِّنينْ وهيَ لِي ماضٍ منَ العُمرِ وآتِ"
لأول مرة انتبه إلى خاتمة البيت: ماضٍ وآت؟ هل كان رامي يعلم جيداً أن الآتي أقسى من الماضي؟ أنه محكومٌ به؟ أن الذكريات تلك، هي العمر القادم؟
ماذا يعني كل ذلك؟
دمشق التي لم أجدها؟ الخاتمة المأساوية لعقد الأمل؟ الخيارات بين آتٍ أقسى وماضٍ قاسٍ؟ بين القبول بالمقتلة الجديدة، كي نحافظ على الذكريات والأحلام؛ وبين رفض المقتلة، والسخرية من الماضي والأحلام؟
ماذا يعني كل ذلك؟
والست، تعيد وتكرر، بلا ملل، كأنها ترسٌ في آلة تعذيب من العصور الوسطى:
" هِيَ في سَمْعِي على طُولِ المَدى نَغَمٌ يَنسابُ في لَحنٍ أغَنِّ
كيفَ أنساها وقلبِي لَمْ يَزَلْ يسكُنُ جَنْبِي"
ثم أخرج من تلك الذكريات، عائداً إلى عقلنة المشاعر والعواطف. ليس تعلّقي بالست مجازاً، ولا يعنيها، ولا يعنيني، أن الرومانسية العربية فشلت في فهم نفسها، أو مجتمعها، أو سوابقها ومبادئها الأوروبية، أو معنى حركتها الأدبية. ولكنه نجحت، من جهة أخرى، في ابتكار نفسها، وفي تثبيت واقعها، وفي الوصول إلى الناس، من نزار إلى رامي، وبينهما إشراقات من الشابي والأخطل الصغير.
تدور الأسطوانة، وتعود المقدمة السحرية لرياض السنباطي: ذكريات عن مدينة لم أنجح في التواصل معها: شعرتُ فيها بحيرةٍ، ووحدة، بل، حتى حنينٍ: حنينٍ إليها. وما أن عقدتُ العزم على إعادة فهمها، حتى تجوّلت المقتلة في البلد. وأنا أراقب، مع كل أبناء جيلي المساكين، مذهولاً، تحول الأحلام إلى كابوس، وتفتت الذكريات، كرغيف خبزٍ عفنٍ منسيّ.
والست تصرّ، كبابٍ مكسورٍٍ آخر الليل:
"كيف أنساها وقلبي لم يزل يسكن جنبي"
تصمت الست، في النهاية.
وأنا في الظلمة أتأمل.
هل الرومانسية ردّة؟ أم حصنٌ في مواجهة العالم؟ ألم أكن دوماً أقرب إلى واقعية مطعّمة بالمشاعر والرموز، كما في أعمال ديغا، وموباسان، وإدوارد هوبر، وكاواباتا؟ قريباً من عقلانية الكلاسيكيين، مطمئناً مع عواطف الرومانسيين، مذهولاً من رقة تلميحات الحداثيين؟ ثم، أليس العقل عبد للعواطف، على ما قال قطب التنوير الأوحد، ديفيد هيوم؟ أليس الهجوم على التنوير، في الأصل، قائم على سوء فهم التنوير، وهيوم، وكنط؟
ولكن، هل إجابات هذه الأسئلة ستعضدني في معركتي مع نفسي؟ مع ذكرياتي؟ مع دمشق؟ مع المقتلة؟
هل أخطأ باث؟
أم أنني أنا من يعقّد قراءاته، ومشاعره، وهزائمه؟
