البدايات والرفاق والمصائر: قراءة في حوار جورج حبش

المعتصم خلف

كاتب فلسطيني سوري

رافق هذا الأساس الكثير من اللغط والحكايات بين عناصر الجبهة، الذي لم يعتبره جورج حبش هو الأساس في الانشقاق. إلا أن في جوهر الانشقاق جزءًا أساسيًا مع ما نحاول مناقشته اليوم، ويظهر عمق النقاشات حول التحركات ومحاولات التضامن الفلسطيني، سواء على الصعيد العربي أو الداخلي الفلسطيني.

للكاتب/ة

إلا أن في هذه الاستعادة لتجربة جورج حبش شيئًا تفصيليًا يعنينا جميعًا، خاصة ضمن السياق التنظيمي والالتزام السياسي، وإدارة مراحل معقدة رافقت أغلب سنوات النضال.

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

16/06/2025

تصوير: اسماء الغول

المعتصم خلف

كاتب فلسطيني سوري

المعتصم خلف

صدر له كتاب "أقرب من البعيد بقليل"

السابع من أبريل/نيسان من هذا العام، أقف على زاوية الجامعة الأميركية في بيروت، الاعتصام الطلابي تضامنًا مع غزة يضم عشرة متظاهرين، بينما رجال الأمن يحاصرون المكان، كوفيات وأعلام والهتافات ذاتها لم تتطور كثيرًا منذ أكثر من 30 عامًا. كما أن الأسباب التي تفرض نفسها على الاعتصام لم تتغير منذ 77 عامًا، حرب الإبادة على الشعب الفلسطيني، المجزرة والاستكانة العربية وغياب الأفق السياسي، التي يمكن من خلالها وقف انتهاك حقوق الشعب الفلسطيني. بهذا العمق، كان الطالب جورج حبش معتصمًا في ذات المكان بين طلاب الجامعة الأميركية في بيروت في بداياته السياسية، تحديدًا في العام 1946، حيث كان معروفًا أن القضية الفلسطينية سوف تُعرض على الأمم المتحدة، وهو ذات العام الذي التقى فيه رفيق دربه في النضال وديع حداد.

استعادة بدايات جورج حبش وعلاقاته برفاقه وفهم أسئلة المصير التي واجهها، تمس في حالة أو أخرى حاضرنا اليوم، لا كأبطال ولا كضحايا، بل سائلين، محاولين مواجهة العجز بالإيمان. هذا ما يحمله كتاب "حوار مع جورج حبش: البدايات والرفاق والمصائر" الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. يضم الكتاب حوارًا ظل مخبّأ لما يقارب 35 عامًا، أجرته سائدة الأسمر وشريف الحسيني معًا في الجزائر في سنة 1989، تحرير وتقديم صقر أبو فخر، والذي يضم أجوبة تفصيلية حول التجربة وسياق النضال، لندرك خلاصة المضمون الذي كرسته رحلة عمل سياسي وعسكري لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي.

يكمن جوهر المعلومات التي صرّح بها جورج حبش ضمن الحوار، بما تعنيه اليوم لنا. قدّم الكتاب إجابات تفصيلية حول البدايات الأولى لحركة القوميين العرب، وحول جمعية "العروة الوثقى" في الجامعة الأميركية في بيروت، وكيف تم تحويلها من النشاط الأدبي إلى السياسي، النضال العسكري في عمق سوريا والأردن ولبنان، بالإضافة إلى خفايا اللقاءات مع الرئيس المصري السابق جمال عبد الناصر، عملية تحرير جورج حبش من السجن في دمشق عام 1968، شعار "وراء العدو وما ترتب عليه" حول مرحلة خطف الطائرات التي خطط لها وديع حداد، بالإضافة إلى العلاقة الخاصة منذ البدايات بين جورج حبش ووديع حداد.

إلا أن في هذه الاستعادة لتجربة جورج حبش شيئًا تفصيليًا يعنينا جميعًا، خاصة ضمن السياق التنظيمي والالتزام السياسي، وإدارة مراحل معقدة رافقت أغلب سنوات النضال. تبرز تدريجيًا في إدارة الخلافات السياسية. يتذمّر جورج حبش في أكثر من موضع ضمن الكتاب من التناقضات ضمن الجبهة الشعبية، التي قد تبدو من بعيد كونها فكرية تنظيمية، إلا أن الإيضاح يشرح سياق المراهقات والاستهتار الفكري والتنظيمي في سياق الخلافات، التي كانت قائمة على الشللية ضمن الجبهة، والتي أعاقت بشكل عميق استمرار نشاط الجبهة، بل وتطورها على الصعيد السياسي. ضمن الفصل الثامن الذي يحمل عنوان "الانشقاق والطلاق"، في الصفحة 135، يذكر جورج حبش ضمن الجمل الأولى التي قالها له وديع حداد بعد تحريره من السجن في دمشق بشكل جديد: "كنت أنتظرك، والآن جئت، تفضل وتحمل المسؤولية". معنى المسؤولية هنا هو الخلافات ضمن الجبهة وطريقة إدارتها، التي وصلت بالنسبة لوديع حداد إلى ضرورة بتر مجموعة نايف حواتمة الذي كان عضوًا في المكتب السياسي للجبهة الشعبية، وهو التيار الذي انشق عن الجبهة لحل التناقض الداخلي. يقول جورج حبش حول العوامل الكثيرة التي أحاطت بالانشقاق ضمن الصفحة 137:

"الأساس أننا كحركة قوميين عرب وكفرع فلسطين من حركة القوميين العرب، توصلنا من خلال الممارسة ومن خلال التجربة في الخمسينات والستينات إلى نتيجة خلاصتها أن من غير الممكن أن ننتصر ونحقق أهدافنا انطلاقًا من النظرية القومية العربية، لا بد فعلًا من التحول إلى الماركسية - اللينينية، وأن هناك ظروفًا دولية وعالمية يجب الالتفات إليها مثل وجود المعسكر الاشتراكي المساند لحركات التحرر. ثم إن البرجوازية العربية بتكوينها لا يمكنها إلا أن تكون تابعة للإمبريالية. وهذا الرأي موجود في دراسة "الأزمة التنظيمية" التي قُدمت في عام 1972. ولأن البرجوازية العربية تابعة، فمن الصعب أن تخوض معركة تحرر حقيقية، مع أنها كانت مناهضة للإمبريالية وتسعى إلى التحرر في إحدى المراحل. نأتي إلى البرجوازية الصغيرة التي تُشكّل بنية الجبهة؛ هذه البرجوازية الصغيرة بحكم واقعها الطبقي ومواصفاتها الطبقية، متأرجحة بين البرجوازية وبين الكادحين والطبقة العاملة، ويجمعها مع البرجوازية أنها تملك أحيانًا قطعة أرض، وأحيانًا حرفة. لكن ما يجمعها مع الطبقة العاملة أنها تعمل. وهذه البرجوازية الصغيرة تندفع في خضم التجربة، وفي ضوء الوضع العالمي، إلى الالتحام بالطبقات الكادحة وبالمعسكر الاشتراكي والاتحاد السوفياتي. فالتجربة إذًا هي التي تدفعها نحو التحول إلى الماركسية. لكن، كيف تتم عملية التحول؟ هنا وُجدت آراء مراهقة ومتسرعة من النمط الذي مثلته الجبهة الديمقراطية. ولذلك اعتبرتُ أن أساس المشكلة كيفية النظر إلى عملية التحول. بمعنى: هل إن عملية التحول من منظمة برجوازية صغيرة إلى حزب ماركسي - لينيني ممكنة أم غير ممكنة؟ ولما سمعت أن هذه العملية غير ممكنة علمت أن الانشقاق سيحصل ولا نستطيع أن نتلافاه".

رافق هذا الأساس الكثير من اللغط والحكايات بين عناصر الجبهة، الذي لم يعتبره جورج حبش هو الأساس في الانشقاق. إلا أن في جوهر الانشقاق جزءًا أساسيًا مع ما نحاول مناقشته اليوم، ويظهر عمق النقاشات حول التحركات ومحاولات التضامن الفلسطيني، سواء على الصعيد العربي أو الداخلي الفلسطيني. رغم اختلاف الظروف بين الماضي واليوم، إلا أن ما طالب به وديع حداد جورج حبش بالتعامل معه بعد خروجه من السجن، ما زلنا نحمله معنا: الفروقات الطبقية، ومبدأ الإلغاء السياسي، الشللية القادرة على تفتيت مبدأ التضامن، والعمل السياسي، حتى محاولات العمل التنظيمي.

رغم تقاطع الأزمنة ومشكلاتها، إلا أن الخلاصة تكمن في السردية، السياق الذي بدأ فيه الكتاب ضمن محاولات العمل السياسي بين الصديقين الأبرز جورج حبش ووديع حداد، حتى نهايته التي اتضحت بالخلافات حول العمليات الخارجية التي قادها وخطط لها وديع حداد. في السردية، من البداية حتى النهاية، مضمون المصائر التي شكّلت وعينا السياسي كجيل. رغم الأخطاء وضرورة الاعتراف بها، إلا أن المعلومة بسياقها الأبسط ضمن الحوار، ليست أداة للكشف عن ما فاتنا فقط، بل هي جزء من وعينا بالراهن، وهو ما يعيدنا إلى فهم مسؤولية النضال كونه بناء، استمراره مرهون بوعينا بما نملكه وما يمكننا تجاوزه، حتى التجاوز فعلٌ ثوري عندما يعني استمرار أسس المواجهة، تحديدًا عندما يتقاطع الشخصي مع العام. الأمر الذي يناقض أبرز اقتباسات جورج حبش انتشارًا: “ما دمت تقاتل دفاعًا عن كرامتك المهانة وأرضك المحتلة فهذا يعني أن الوضع جيّد”1المصدر كتاب التجربة النضالية الفلسطينية حوار شامل مع جورج حبش. الصادر عن مؤسسة الدراسات، أجرى الحوار محمود سويد، 1998.، وكأن الحوار المنشور في الكتاب اليوم جواب على هذا التناقض، كون الجيد في النضال لا يشمل سؤال الكرامة فقط، بل أدوات تنظيمها وإعادة طرحها كجواب ضمني توافقي يضمن الاستمرار. وربما هذا ما يميز جورج حبش في أغلب لقاءاته: تفكيك التجربة إلى قطعة صغيرة تكفي لفهم سياق النضال وأدواته، ثم جمع القطع المتناقضة، لندرك كجيل اليوم أننا ننتمي بشكل مباشر إلى عملية المساءلة هذه، كأفراد وناشطين، أعطانا إياها جورج حبش كميزة، يمكن من خلالها قراءته واستعادة تجربته لا كمثال، بل كسؤال مفتوح يمكن تقاطع أجوبته.

 

الهوامش

الكاتب: المعتصم خلف
  • 1
    المصدر كتاب التجربة النضالية الفلسطينية حوار شامل مع جورج حبش. الصادر عن مؤسسة الدراسات، أجرى الحوار محمود سويد، 1998.

هوامش

موضوعات

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع