يصوغ المخرج اللبناني، هادي زكاك، علاقته بالكاميرا، مستعينًا بها لمواجهة النسيان وتوثيق الذاكرة الفردية والجماعية. منذ بداياته، تنقّل زكاك بين السينما الروائية والوثائقية، لكنه وجد في الوثائقي أداةً أقوى لمساءلة الماضي والحاضر، في بلدٍ يعاني فقدان السردية الموحدة وطمس الحقائق.
في هذه المقابلة، يتحدث زكاك عن تجربته في صناعة الأفلام، وعن تأثير السينما اللبنانية على الذاكرة الجماعية، وعن التحديات التي تواجه السينما اليوم وسط الأزمات السياسية والاقتصادية. كما يتناول علاقته الشخصية بالواقع والتاريخ، وكيف تؤثر هذه العلاقة في خياراته السينمائية.
كيف يمكن للفيلم أن يكون شهادة على زمنه؟ وهل تستطيع السينما الوثائقية كسر جدار النسيان؟ أسئلة كثيرة نحاول استكشافها في هذا الحوار مع هادي زكاك.
ما الذي تعنيه السينما اليوم للبنان في ظل التخبّط السياسي وتراكم أسئلة المصير واحتمالات الاستقرار الاجتماعي والسياسي؟
بالتأكيد، السينما اللبنانية ارتبطت مدة طويلة بالحرب، وتحديداً بالحدث المحوري، الحرب الأهلية. وفعلياً، السينما اللبنانية منذ ما يقارب 50 عاماً تدور غالباً حول هذا الموضوع. وطالما أننا نعيش في واقع لا تنتهي فيه الحروب، فإن موضوع الحرب دائماً ما يعود ليطرح الكثير من الأسئلة. هذا ما شهدناه في السنوات الأخيرة، مثلاً في عامي 2019 و2020، كما في عام 2024، إذ تراكمت الحروب وتكررت، ليس فقط في لبنان، بل في المنطقة. بات السؤال المستمر: ما الذي يمكن أن تفعله السينما، وتحديداً في لبنان، البلد الذي لديه الكثير من التساؤلات والمشاكل حول الذاكرة الجماعية أو كيفية مقاربة التاريخ؟
لذلك، أدت السينما دوراً كبيراً، بالتأكيد مع الفنون الأخرى، في إعادة كتابة التاريخ في محاولة لتسجيله. وهذا أيضاً كان مرتبطاً بكيفية انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية من خلال قانون العفو العام ومشروع إعادة الإعمار، وهما خطوتان كانتا أكثر ميلاً إلى محو آثار الحرب بدلاً من توثيقها. وهنا، أدت السينما دوراً معاكساً؛ إذ استمرت في العودة إلى المواضيع التي كانت الدولة، كمؤسسة، رافضة لمقاربتها. ومن هنا جاء دور السينما الوثائقية، التي تناولت مواضيع أكثر حساسية من تلك التي تطرق إليها الفيلم الروائي.
إذاً، هذا هو السياق، السياق الأقرب إلى حوار مستمر بين الماضي والحاضر.
خضت في عملك تجربة التحول من السينما الروائية إلى الوثائقية. لبنانياً، ما الفرق بالنسبة لك بين التجربتين؟ وما الظروف التي تتحكم في اختيار نوعية الفيلم الذي يُعمل عليه؟
بدأت علاقتي الأولى مع السينما من خلال الفيلم الروائي، ولكن عندما بدأت دراستي الجامعية في فترة ما بعد الحرب، ونزلت إلى الأرض واكتشفت بيروت المدمرة، وتحديداً وسط المدينة، شعرت بتغير عميق. أعتقد أن أول حدث كان عندما صورت بيروت، وبعد عام واحد اختفت المدينة، نتيجة دخولنا في مشروع إعادة الإعمار. واقع هذه التجربة هو الذي فرض عليّ تعلم واكتشاف كيف يمكن لأي صورة أن تتحول بسرعة إلى أرشيف، دون وعي كامل بما تفعله، وإلى أي حد يمكن في تجربتنا محو كل شيء بسرعة، دون أي سياسة واضحة للمحافظة على هذا التاريخ.
دفعتني هذه التجربة للتفكير بشكل أعمق، خاصة قبل الخوض في الفيلم الروائي، لأنني كنت أريد أن أعمل على أفلام روائية تشبه أفلاماً أخرى، لكن الواقع فرض عليّ، سواء كان ذلك من الناحية الاجتماعية أو السياسية، أو حتى الاقتصادية، أن أكتشف سينما تشبهني بشكل أكبر وأقرب إليّ، كونها جاءت من الواقع. عملت على التاريخ، بما أنه لا يوجد كاتب تاريخ موحد، ويمكن للسينما أن تؤدي هذا الدور، إذ يمكن لمقاربتها أن تصل بشكل أسرع، كونها تستخدم الصورة والصوت، وثانياً لأن الناس نادراً ما تقرأ.
مع الوقت، اكتشفت نفسي وأنا أدخل في فصول متعددة من هذا التاريخ، وتحديداً في حوار القرن العشرين مع القرن الواحد والعشرين.
استعادت أفلامك التجارب السياسية وواجهت النسيان من خلال عدسة الكاميرا. إلى أي حد استطاعت السينما اللبنانية تفكيك التجارب السياسية والاجتماعية وإعادة قراءتها؟
تختلف الإجابة بحسب الحقبة، لأن السينما من الطبيعي أن تتأثر بالحقبة السياسية. لذلك، سأحاول تقسيم الإجابة إلى عدة حقبات.
يمكننا مثلاً أن نرى كيف عالجت السينما الموضوع خلال الحرب، ففي هذه التجربة كان هناك الكثير من الجرأة، ومعالجة جديرة بالدراسة بين عامي 1975 و1990. على سبيل المثال، الأفلام اللبنانية التي تم العمل عليها بين عام 1975 وبداية الثمانينيات، وكان الجزء الأكبر منها وثائقياً، كانت تحمل انتماءات أصحابها السياسية. كان معظمهم من جيل يساري، وفي بعض الأحيان كانوا ينتمون بشكل مباشر إلى حزب أو حركة يسارية متضامنة مع القضية الفلسطينية. في تلك الفترة، كانت الأفلام تنتمي إلى هذا السياق، وحتى في قراءتها للمواضيع والأحداث، كانت قراءة من اليسار، حتى عند تناولت نظرة اليمين.
منذ تجربة عام 1981، بدأت مجموعة من هؤلاء المخرجين في العمل على نظرة نقدية لهذه التجربة، وهنا كانت الخطوة الجوهرية. استطاعوا، خلال سنوات الحرب، البدء بعملية نقدية، وصلت لمحاولات نقد ذاتية في مقاربتهم للمواضيع.
بعد الحرب، أي بين عامي 1990 و2005، كنا في زمن النظام الأمني السوري اللبناني، الذي منع مقاربة المواضيع بعمقها السياسي، نظراً إلى أن طرفاً سياسياً مشاركاً في الحرب الأهلية اللبنانية كان حاكماً. لذلك، مُنعت جميع الأفلام التي تناولت المواضيع السياسية بعمق، حتى انتهت هذه المرحلة بين عامي 2005 و2019، لتبدأ مقاربات تتناول حقبة سيطرة النظام السوري. لكن هذه المقاربة كان يسيطر عليها الانفصام، لأن الزعماء السياسيين وأمراء الحرب أصبحوا جميعهم في الحكم، ما شكّل نوعاً جديداً من الرقابة.
في عام 2019، جاءت محاولة لكسر جميع العوائق، لكنها لم تصمد طويلاً، حتى تدمرت كلياً مع انفجار مرفأ بيروت. لذلك، أشعر شخصياً أنه منذ عام 2020، هناك عملية بحث غير محددة كلياً. 
في أفلامك، ركزت كثيراً على الصمت في العديد من المشاهد. ما الذي يعنيه هذا الصمت في بلد يغرق أهله باستمرار بالكثير من التحليلات والكلام والوعود؟
أعتمد الصمت أحياناً كوسيلة للتعليق، بمعنى أن الصمت يأتي عندما يكون هناك الكثير من التفاصيل التي لم تتغير، أو عندما تعيد الأحداث باستمرار إنتاج ذاتها. لا يمكنني إنكار أن النقد الذي وُجّه إلى فيلمي الأخير"سليما" في مواضع كثيرة أنه كثير الكلام، وذلك لأنني كنت أعمل على الذاكرة الشفاهية.
ما يحدث هو أنني أشعر بالفيلم وهو يمتلك كامل مكوناته الصوتية، وأنا أرى السينما كتوازن متكامل بين الصورة والصوت، لذلك أحاول اختبار جميع إمكانيات الصوت، سواء كان ذلك بالصمت، أو باستخدام الموسيقى، أو حتى بأصوات الأماكن. لذلك، في مشروعي الأخير، كان التحدي هو كيفية المحافظة على الذاكرة الشفاهية، مع تقديم صورة مختلفة عن الذاكرة.
ضمن سياق علاقات القوة والمال، ما الذي يتحكم في ظروف الإنتاج اليوم في لبنان؟ وما العوامل التي تؤثر في عمليات الإنتاج؟
بالطبع إن عمليات الإنتاج اليوم، وبعد الانهيار الاقتصادي، تأثرت كثيراً مثل جميع القطاعات، بل لم تتأثر فقط، إنما تدمرت. اليوم، القطاع السينمائي مرتبط بعوامل خارجية، إذ تعتمد على معظم صناديق الدعم، سواء في العالم العربي، خصوصاً في الخليج، أو عبر الإنتاجات المشتركة مع بعض الدول الأوروبية، وأبرزها فرنسا. في حين نعلم تماماً أن السوق المحلي غير كافٍ.
يجب ألا ننسى أن السينما بحد ذاتها شهدت تحولاً كبيراً خلال وباء كورونا، مع ظهور المنصات والاشتراكات التي تعرض الأفلام، فلم تعد السينما المكان الوحيد الذي يمكن أن يؤمّن مداخيل للفيلم، ما أدى إلى تغيير صورة الصناعة بالكامل. اليوم أيضاً، من الناحية الاقتصادية، لم تُحدّد خريطة واضحة بخصوص الفعالية. إنها فترة انتقالية، ولا تنطبق فقط على السينما في لبنان، بل على السينما بشكل عام.
بالتأكيد، لطالما واجهت السينما البديلة ظروفاً صعبة في لبنان وخارجه، حتى في الدول العربية، حيث كانت هناك مؤسسات عامة للسينما تُنتِج الأفلام، ثم تمنع عرضها. أما السينما التجارية، فمنذ الأزمة وحتى الآن، لم تعد كما كانت أبداً، ما يوضح عمق الأزمة الاقتصادية. على سبيل المثال، سعر بطاقة السينما، التي كانت تعادل 10 دولارات قبل الأزمة الاقتصادية، أصبح اليوم أرخص، ويعادل 7 دولارات، ومع ذلك، تغيّرت عادات الناس، وأصبح من الصعب أن يذهبوا إلى السينما. لم تعد هناك حاجة فعلية لصالات السينما بحد ذاتها، ومن هنا يمكننا أن نلاحظ أن كل الدعم والإنتاج يتجه نحو الأعمال التلفزيونية، وتحديداً مسلسلات رمضان، على سبيل المثال.

في تواصلك المستمر مع الجيل السينمائي الحالي، ما المختلف في وسائلهم لمعالجة القضايا السياسية سينمائياً؟ وما الذي يحاولون تجاوزه في ظل ظروف الحاضر؟
يوجد جيل جديد في مجال السينما هو غالباً غير مسيّس بشكل كافٍ. ما يصدمني هو أن هناك الكثير من المعلومات والتفاصيل غير المعروفة، على الرغم من وجود المصادر التي تتيح معرفتها، بل إنه لا يوجد حتى الفضول لاكتشافها. غالباً ما تجد أن القادمين من بيئات عانت أزمات، لديهم ما يقولونه أو ما يبحثون عنه.
هناك تفصيل يتطور، خاصة عندما يقرر بعض الطلاب استكمال اختصاصهم في أوروبا، حيث يكتشفون فجأة أنهم غرباء. هذه الغربة تدفعهم إلى البحث عن جذورهم، وعن التاريخ، وعن علاقتهم الشخصية بهذا التاريخ. في هذا السياق، أدرّس مادة بعنوان "تاريخ السينما في لبنان والعالم العربي"، وفجأة يدرك الطلاب مدى أهمية هذا الصف، ويبدؤون في البحث عن تفاصيله أكثر أثناء غربتهم.
يرتبط هذا أيضاً بالمناهج الدراسية، إذ يجب ألا ننسى أن تعليم التاريخ يتوقف عند الاستقلال، ولا توجد علاقة حقيقية وحية مع الأحداث التاريخية اللاحقة، ما يجعل التاريخ مادة ميتة. وهذا التفصيل، تحديداً في المناهج، له أثر مدمر جداً، خاصة في كيفية تشكيل الإنسان المعاصر ليكون مواطناً قادراً على الانتخاب والاختيار واتخاذ القرار.
في بلد يعيش سرديات تاريخية متناقضة وجموداً سياسياً معقداً وصعباً، كيف انتقمت السينما للتاريخ ولغياب أفق تطور العمل السياسي الجامع؟
أدت السينما دوراً في كتابة تاريخ الغائب، ولن أقول "الموحد"، لأن السينما هي مجموعة من السرديات الفردية، لكنها سمحت لمن يريد التعرف على التاريخ بأن يمتلك مقاربات ووجهات نظر مختلفة، وهي وجهات نظر مخرجي الأعمال السينمائية، الذين، كما ذكرنا سابقاً، عملوا على تغطية حقبات زمنية متعددة ضمن تجارب مختلفة: من عاش الحرب، ومن عاش ما بعدها، ومن لم يعشها بشكل مباشر.
خلال مختلف الحقبات والتجارب السياسية والاجتماعية، أدت السينما، إلى جانب المسرح والرواية، دوراً توثيقياً لوجهات النظر والمقاربات، ولكن السؤال هو: إلى أي حدّ كان هذا الدور فعالاً؟!
إجابة هذا السؤال تعتمد على مدى إدخال هذه المقاربات في المناهج الدراسية، بحيث تقدم للتلاميذ تفاصيل معاصرة تساعدهم في تكوين رأيهم الخاص. في النهاية، هناك نوع من الكذب الذي يحرم الطلاب من التحليل، وهو التحليل الذي يمكن أن يساعدهم في بناء رأيهم والتعبير عنه استناداً إلى المقاربات والتجارب المختلفة.
لقد حاولنا مع بعض طلاب المدارس، من خلال عرض الأفلام والنقاش حولها، فتح حوار حول الموروث، خاصة عندما يكون مصدر اكتساب التاريخ هو الأهل أو المحيط. لنكتشف بذلك التراكم الذي أنتجه هذا الموروث ذاته. الأفلام يمكنها أن تواجه الموروث، كما يمكنها أن تبني علاقات مختلفة مع الأماكن، مثل مدينة بيروت، ما يسمح بالتواصل مع الأماكن والمدن بشكل أعمق. ولكن التحدي يبقى: إلى أي حد وصلت السينما إلى الناس؟!
من هو المشاهد بالنسبة لك؟ وكيف ترى رؤى المشاهد المحلي والعالمي؟
في البداية، أفكر في المشاهد المحلي الذي لا يحتاج بالضرورة إلى سياسة معتمدة من الجميع، خصوصاً إذا كنت أعمل على فيلم يستهدف إحدى المهرجانات. ولأنني أعمل على أفلام تركز بشكل أو بآخر على الذاكرة الجماعية والتاريخ، يجب أن أفكر أولاً في جمهوري المباشر، القريب والمحلي. لكن حتى في محاولة الوصول إلى هذا الجمهور، لا بد من التفكير أيضاً في الجمهور العربي، خاصة في ظل القواسم المشتركة من حيث التاريخ والقضايا. وأخيراً، لا بدّ أن أقدم في السرد رؤية للمشاهد الأجنبي، بحيث يستطيع الفيلم أن يشرح الواقع.
أعمل دائماً على غربلة هذه التفاصيل، وهي تفاصيل تُطرح كثيراً أثناء عملية المونتاج، حيث يجب أن أنفصل عن ذاتي، وأن أكون المشاهد المحلي والمشاهد الأقل محلية والمشاهد الأجنبي، لكي أرى كيف يمكنني بناء السرد السينمائي، وكيف يمكنني شرح التفاصيل، وأين يجب أن أتوقف عن التعمّق في الزوايا الضيقة. لكن غالباً ما يكون هناك تقصير في جانب من هذه الجوانب؛ فكلما زاد التدخل في عملية الإنتاج، فقد الفيلم جزءاً من محليّته. لهذا السبب، أحياناً أسمع جملة: "هذا الفيلم تم العمل عليه للمشاهد الأجنبي"، وهذا يؤثر، بطريقة ما، على علاقتي مع الجمهور المحلي.
في النهاية، لا مفرّ من التفكير في المشاهد، خاصة أنني أعمل في السينما الوثائقية التي تُعرّف بأنها ليست سينما جماهيرية. لذلك، التفكير دائماً في التفاصيل التي يمكنها توسيع إطار الجمهور هو التحدي الأساسي، إلى أي حدّ يمكن إدخال الفيلم الوثائقي ضمن السينما.
ما هي مشاريعك المستقبلية؟! من أين تستمد قدرتك على الحلم في واقع هش للاستمرار فيه؟
أعمل حالياً على فيلم جديد منذ فترة، وقد انتهى تصوير جزء منه. الفيلم يتناول شخصية محددة، ومن خلالها نحاول تقديم سيرة ذاتية، بالتأكيد مع مقاربة نقدية للواقع.
أعتقد دائماً أن الإنسان ينهزم يومياً في هذا العالم في العديد من الأشياء، ولكي يناضل ضد هزائمه اليومية، عليه أن يستمر في العمل، ليقول: "أنا هنا وما زلت موجوداً"، وإلا، فسيتم محوه تماماً.
أخيراً، مشهد من فيلم أثر بك، وليس من السهل نسيانه؟!
الفيلم الذي كان له تأثير الصفعة هو "المخدوعون" للمخرج توفيق صالح، المقتبس عن رواية غسان كنفاني "رجال في الشمس". وهذا هو السبب الذي دفعني للذهاب إلى المخرج توفيق صالح وتصويره، في وقت كان نادراً ما يقبل الظهور أمام الكاميرا. فمشهد الجثث الثلاث الملقاة في مكب النفايات، بينما تظهر في الخلفية آبار البترول، هو صورة تلخص الواقع العربي في كل الأزمنة.

