الجناس التام هو تشابه لفظتين في النطق واختلافهما في المعنى من قبيل "الساعة" التي تعني الساعة الزمنية، أو يوم القيامة، أو الآلة التي نضعها في المعصم أو نعلِّقها في مكان ما. أمّا الجناس الناقص فهو تشابه لفظتين مع بعض الاختلاف في ترتيب الحروف أو نوعها أو عددها، من قبيل "الكبتاجون والبنتاجون" وكلاهما ينطوي على أعراض تدميرية. أما ما هي درجة العلاقة بين الجنس والجناس، فلكل امرئ أن يجتهد في التأويل بحسب ما لديه من وعي وحرية وثقافة وجرأة.
* * *
من يتقن أي لغة من اللغات المسمّاة شرقية أو ساميّة، نسبة لسام بن نوح، سيتعامل مع بقية العائلة اللغوية بيسر. من خلال دراستي للعبرية في قسم اللغة العربية بجامعة دمشق، عرفت أن الضاد في العربية تُقلَب صاداً في العبرية (بيض = بيص)، وأن الشين تُقلَب سيناً (عَشر = عسر)، والكاف خاء (أكل = أخَلْ)، والباء فاءً بثلاث نقاط (كلب = كِلِڤ)، وأن أل التعريف بالعربية يقابلها "ها" بالعبرية (الكتاب = هاسيفر، وسِفر في العربية بمعنى الكتاب الكبير).
من يعرف تبادلات تلك الأحرف يصبح من السهل عليه ترجمةَ "شماع" إلى "اِسمَعْ" و"أڤيخا" إلى "أبيكَ"، و "هايمّ" إلى "اليمّ" التي نادراً ما استخدمها العرب قبل الإسلام. فامرؤ القيس مثلاً يقول في معلَّقته:
وليلٍ كموج البحر أرخى سدوله = عليَّ بأنواع الهموم ليبتلي
ولو رغبَ في استخدام "اليمّ" لما حال الوزن بينه وبين استخدامها، فوزن البحر واليمّ واحد.
وعلى نفس المنوال يمكننا قراءة قول المسيح بالآرامية "إيلي إيلي لِمَّا شبقتني"، التي تعني حسب الكثير من الباحثين "إلهي إلهي لِمِ أو لماذا تركتني"، وهناك من ترجم فعل "شبقتني" إلى معناه المتداول في بعض اللهجات العربية المحكية، أي ربط اليدين والرجلين كما في حالة الصلب، ولكن وفق منطقي فإن "شين شبقتني" هي سين في العربية، وبالتالي فإن شبقتني في الآرامية هي سبقتني في العربية، وحين يسبقك أحد معناه أنه لم يبق معك، وبالتالي تركك وحيداً ومضى.
* * *
زرت مدينة حلب لأول مرة عام 1969. وكأي حمصي، تمتاز مدينته بأنها أم الحجار السود، أدهشتني أبنية حلب المصنوعة من أحجار بيضاء. ولكني فهمت القصة جيداً عندما عرفت أن اسم "حلب"، إنما جاء من اللغة السريانية، بمعنى المدينة البيضاء. حلب وحليب كلمتان صادرتان عن جذر سرياني مرتبط بالبياض.
* * *
حين سمعت فيروز لأول مرة تغني "راعي بكي ومنجيرتو متلو" لم أفهم معنى "منجيرتو"، ولكن صورة "راعي بكي" أذهلتني. ذهبتْ ذاكرتي إلى قول النابغة الذبياني "وليس الذي يرعى النجوم بآيب" فتخيّلت راعياً أغنامه نجوم عند النابغة، وأغنامه دموع عند فيروز. حين كبرت وفهمت أن المقصود ب "راعي بكي" هو الفعل بكى، وليس البكاء، تبخَّرت كل شاعرية المقطع.
* * *
الشتائم في سجن تدمر ليس كمثلها لا في مشارق الأرض ولا في مغاربها، ولكن أبسط تلك الشتائم وأكثرها تداولاً (منيوك وشرموط).
في إحدى المرات قال العسكري لرفيقنا "س": دخِّل الخبز ولاك منيوك.
لاحقاً لم يستطع الرفيق "ع" كبت ضحكته، وحين ألحفنا في السؤال عن سبب ضحكه، قال:
أعرف أن الرفيق "س" من بيئة محافظة جداً وتتحرَّج من التلفُّظ بكلمات نابية، ولهذا رحت أتخيَّل ما كان يعتمل في داخله حين قال له العسكري "منيوك"، وبعدها لم أعد أتمالك ضحكتي.
اتسعت عينا الرفيق "س"، ودارت فيهما حدقتاه والشرر يتطاير منهما، ثم تكلَّحت ملامحه وهو يقول:
ـ ولكنك لم تضحك يا رفيق، عندما قالوا لك البارحة: يا منيوك!
رَدَّ ثالث:
- في الحقيقة أن الشرموط "أشوى" من المنيوك، أعني أخفّ وطأة.
قال آخر:
ـ بالعكس.. فكلمة "شرموط" هي أقذع شتيمة ممكنة.
تدخَّل خامس، وملامحه لا تفصح إن كان جاداً أو مازحاً:
ـ أنا لا أعرف حقاً أي اللفظتين أسوأ، ولكن لا داعي لهذه المهاترة، ما دام بيننا اختصاصي لغة عربية. قالها وهو يشير إلّي.
أنقذني أحدهم، وهو يعيد المياه أو الدماء إلى مجاريها:
ـ ولك يا شباب شو صار لكم.. ملُّه ألعن من بعضه البعض.. الله يرحم خلافات أهل الكوفة والبصرة. يا سادة نحن الآن في سجن تدمر.. تدمووووووووووور!
بعد أكثر من ثلاثين عاماً، وفي سياق نصوص هذا الكتاب، صار في وسعي القول ما بين الجدّ والهزل أن "منيوك" لفظة عربية أصيلة تناولتها القواميس وتداولها العامة والفقهاء، وهي اسم مفعول من فعل ناكَ، والنيك مصدر، واسم الفاعل نائك. وفي تراثنا كتاب بعنوان: " كتاب نواضر الأيك في معرفة النيك"، أمّا "شرموط" فليس لها أصل عربي، وهناك من أرجعها إلى أصل فرنسي أو محرَّف عن الكلمة الفرنسية شارموز charmeuse ، التي تعني الحسناء الفاتنة المتبرّجة على الطريقة الأوروبية، وذلك ما اعتبرته شعوب أخرى نوعاً من العهر.
