بين عماليق سريد وعماليق نتنياهو: قراءة لاحقة للسابع من أكتوبر في رواية "الثالث"

The Lamb of God, by Francisco de Zurbaran, c. 1635-1640 - San Diego Museum of Art

أسماء مرزوق

كاتبة من فلسطين

تبقى "الثالث" مهمة اليوم لأنها تضع يدها على بنية قائمة لا لأنها نبوءة. وهنا يتضح الفرق بين عماليقين: عماليق سريد استعارة روائية يكشف بها بنية ويحذر منها، وعماليق نتنياهو الذي استدعاه بعد السابع من أكتوبر لغة تبرر الإبادة في الواقع. المسافة بين الاثنين هي المسافة بين التشخيص الأدبي والتطبيق السياسي،

للكاتب/ة

أما الإشكالية الأعمق فهي غياب الفلسطيني شبه الكامل عن رواية تقدم نفسها منحازة إلى السلام. فهو يحضر كعماليق فقط، أي كموضوع للعنف لا ذاتاً تتكلم. وهكذا تعيد الرواية إنتاج المحو الذي تنتقده في المشروع الديني،

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

05/10/2026

تصوير: اسماء الغول

أسماء مرزوق

كاتبة من فلسطين

أسماء مرزوق

وباحثة تقيم في رام الله.

"سقطت أولى القنابل على حيفا فمحتها تماماً… عربد العماليق فرحاً فقد حل أكبر أعيادهم، سدوا الشوارع وقتلوا اليهود الذين مروا في الطرقات بالسكاكين والفؤوس والأيدي العارية… لقد ضرب التبخير مدن الساحل كصعقة برق .. كانت المذبحة في الجبال رطبة وساخنة وتقطر دماً"

كتب يشاي سريد هذا المشهد عام 2015، لكنه لم يكتسب ثقله الكامل إلا بعد السابع من أكتوبر 2023. فبعد الهجوم بأسابيع قليلة وقف بنيامين نتنياهو أمام كاميرات الصحفيين ليستدعي الصورة التوراتية القديمة "تذكروا ما فعله بكم عماليق" في تحريض على حرب ستتحول إلى إبادة جماعية تمتد لنحو ثلاثة أعوام. وقبل ذلك كان محمد الضيف قد أعلن بدء "طوفان الأقصى" مستحضراً هو الآخر أفق الصراع على المسجد الأقصى والهيكل وما يلتف حولهما من مخيال ديني. هكذا تقابلت في غضون أسابيع مفردات دينية متعاكسة ترسم في جوهرها البنية الرمزية ذاتها التي بنى عليها سريد روايته.

وصاحب الرواية ابن البيت السياسي الإسرائيلي نفسه. فيشاي سريد نجل يوسي سريد أحد أبرز زعماء اليسار الإسرائيلي. والروائي هو ايضا محام سابق خدم في الاستخبارات قبل أن يتفرغ للرواية ويكتب كما يقول عن "سيكولوجية إسرائيل وعقليتها". ونقل هشام نفاع "الثالث" إلى العربية لصالح مركز "مدار" عام 2021، ثم صدرت ترجمتها الإنجليزية عام 2024 والحرب على غزة في ذروتها، فتداولها كثيرون كنبوءة تتحقق.

لكن السؤال الذي تطرحه الرواية اليوم أبعد من سؤال النبوءة: كيف يتحول الحلم الديني إلى مشروع سياسي وعسكري، وما الذي يكشفه هذا التحول عن إسرائيل الثيوقراطية؟ ووراءه سؤال أدق يلاحق الرواية حتى صفحتها الأخيرة: أين يبدأ الانحراف في نظر سريد، وما "الجيد" الذي سبقه؟

عالم الرواية: مملكة على الجبال

"أنا يوناتان، أصغر أبناء يوعاز، الذي كان ملكاً وكاهناً أكبر في أورشليم. أسجل هذه الكلمات بخط يدي… لقد سجنتموني في هذه الزنزانة، ومع ذلك أسديتم إلي معروفاً كبيراً، فقد أعطيتموني ورقة وقلماً."

من زنزانة ضيقة يكتب الأمير يوناتان حكايته ويعود بنا في استرجاع طويل (Flashback) إلى تاريخ مملكة عاشت نحو ثلاثة وعشرين عاماً منذ قيامها حتى سقوطها. ويوناتان هو الابن الثالث ليوعاز، عالم الفلك الذي نصب نفسه ملكاً لإسرائيل بعد أن أعلن أن الرب تجلى له. وقد جاء صعوده إثر هجوم نووي ضرب الساحل وتل أبيب فانهارت إسرائيل العلمانية وانفتح الطريق أمام مشروعه الديني السياسي.

قاد يوعاز جيشه فطرد العماليق "أي الفلسطينيين" إلى شرق نهر الأردن وأقام دولة يهودية على الجبال "أي الضفة الغربية"، ثم أكمل مشروعه بهدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل الثالث فوق الصخرة بعد العثور على تابوت العهد. 

والمملكة التي يرسمها سريد مجتمع منغلق ومقاطع يسوده "حرس الإيمان" الذي يلاحق كل مشكك. إذ غادر الأطباء والعلماء وصارت المدارس تعلم التوراة وحدها، والكتب القليلة المتبقية مكتوبة بالإنجليزية التي باتت لغة "الأغيار" المحرمة. وتحتل الزراعة وحدها المكانة الرفيعة باعتبارها علاجاً من أمراض الشتات ومن "عفن تل أبيب" التي صارت في خطاب المملكة رمزا لتاريخ منحلّ.

وتسقط المملكة في النهاية تحت ثقل الهزائم العسكرية والتفكك الداخلي وانقلاب السنهدرين على الملك بتهمة إثارة غضب الرب. وتبلغ الأحداث ذروتها في يوم الغفران حين يطعن يوناتان أباه ليمنعه من تقديم أخاه الرضيع قربانا لإله غاضب يطلب مزيدا من الدم، أملاً في إنقاذ مملكة تتلقى في تلك اللحظة ذاتها هجوماً مدمراً من "عماليق". وتختلط دماء الناس بدماء القرابين في مشهد ختامي يمحي فيه الحد بين السياسي والطقسي.

رب يريد الأرض والدم

"قال الرب بصوت ملأ الصحراء: لقد اخترتك لاستعادة مجدي… سأكون معك أينما ذهبت وأبدد أعداءك من أمامك، ستبني الهيكل المقدس وسأعود لأحل في داخلكم."

يدور الوحي كله في الرواية حول السيادة والأرض والنصر العسكري ويغيب عنه الخلاص الروحي، فهو رب يريد أرضاً وسيادة. وهنا تكمن فكرة الرواية بتحوّل مخيال ديني إلى مشروع سياسي عسكري يجر معه العنف والانغلاق. واختار سريد لهذا كله راوياً مؤمناً من قلب المشروع، فيوناتان يشارك في الطقوس ويمتثل للسلطة، وحين يسمي العلمانيين "كفاراً" والفلسطينيين "عماليق" وبقية البشر "أغياراً" ويحملهم غضب الرب، معريا منطق المتدين العصي على المساءلة.

ويحضر الرب في "الثالث" كتهديد، إله ينتقم بسرعة فتصير الخطيئة سبباً مباشراً لعقاب فوري وغضبه يطلب الدم كل يوم:

"كانت رشقة الدم قوية… تبقعت ثيابي البيضاء بالدم فيما واصل الثور الحشرجة… سلخ عشرة كهنة مهرة جلد القربان وقطعوه… قمت برش الدم على جدران المذبح وباركته."

والهيكل في الرواية مسلخ لا معبد، وما إن تنتهي الطقوس حتى يجلس الكهنة إلى موائد فاخرة يشربون الخمر بشراهة ويلحسون أصابعهم. والانتقال من سفك الدم إلى الوليمة مفارقة ساخرة تفضح الشهوة المختبئة خلف الخطاب المقدس. فالثيوقراطية كأي سلطة تنتج نخبها المنتفعة. لكن الذبح أبعد من طقس، فهو الفعل المؤسس لعلاقة الشعب بربه والمركز الذي تدور حوله المملكة، وإن توقف انهارت منظومتها الرمزية برمتها. العنف هنا شرط للبقاء، ولذلك يبلغ منطقه نهايته حين يتحول القربان الحيواني إلى قربان بشري.

عماليق: العدو الأزلي

ينهض العالم الرمزي لـ"الثالث" على كلمة واحدة هي "عماليق"، الاسم الذي يطلقه الراوي على الفلسطينيين والعرب والذي يتكرر مع مشتقاته نحو سبعين مرة في الرواية. وللكلمة في التقليد التوراتي والحاخامي ثقل خاص، فعماليق هو العدو الأزلي المطلق وتجسيد الشر الذي يأمر النص بمحو ذكره "من تحت السماء" (سفر التثنية 25). وحين تستبدل المملكة القانون العلماني بالشريعة فهي تجسد حرفياً لاهوتاً سياسياً يجعل السيادة شأناً دينياً.

والمملكة تحفر الحد بين اليهودي والعماليقي في اللحم:"في خلفية عنق كل يهودي، تحت الجلد وبين المنكبين، توجد رقاقات تشخيص محوسبة. قبل أن يكمل الرضيع سنته الأولى، يجب على الوالدة إحضاره إلى طقس زراعة الرقاقة".

وتتضح الصورة أكثر حين نضع هذا اللاهوت داخل إطاره الأوسع، أي الاستعمار الاستيطاني. فالمؤرخ الأسترالي باتريك وولف يرى الاستعمار الاستيطاني بنية مستمرة لا حدثاً عابراً، بنية يحكمها "منطق الإزالة" أي السعي إلى إزاحة السكان الأصليين وإحلال جماعة أخرى محلهم. ومن هذه الزاوية يصير محو الوجود الجمعي هدفاً بنيوياً ملازماً للمشروع. ويضيف المؤرخ لورينزو فيراتشيني بعداً نفسياً يفسر كثيراً من أدب الديستوبيا الإسرائيلي، فالمستوطن في رأيه يعيش قلقاً دائماً من الزوال و"خوفاً بارانويدياً" من نهاية مشروعه، ويبقى مسكوناً بشبح انتقام السكان الأصليين أو "عودة المزال".

وبذلك تتضح المساحة التي تخفيها "الثالث". فالرواية تصور الإزالة كفعل ديني متطرف، وتغض الطرف عن أن الإزالة بنية سابقة على المملكة الدينية أسستها "حرب الاستقلال" عام 1948.

من هرتسل إلى سريد: أدب البدايات والنهايات

بدأ المشروع الصهيوني بيوتوبيا. ففي "ألتنويلاند: أرض قديمة جديدة" (1902) تخيل هرتسل دولة يهودية مثالية تداوي آلام المنفى وتحقق خلاصاً دنيوياً، ثم جاء ما يسميه أنطوان شلحت في تقديمه للترجمة العربية "أدب النهايات" ليقلب هذا المخيال ويتخيل الانهيار بدل الخلاص. ومن رواده عاموس كينان في "الطريق إلى عين حارود" (1984) التي تتخيل النهاية عبر انقلاب عسكري وكثيراً ما قرنها النقاد برواية سريد. وقد صار هذا الأدب مع نهاية العقد الأول من الألفية الثالثة ظاهرة متجذرة يرى فيها شلحت شهادة حية على تحولات المجتمع، و"الثالث" تثبت ذلك حين يلحق الواقع بخيالها.

فالملك يوعاز كناية صريحة عن نتنياهو أطول رؤساء الحكومات الإسرائيلية بقاءً في السلطة. وكما عطل يوعاز القضاء وحطم المؤسسات ليديم حكمه ثلاثة وعشرين عاماً، قاد نتنياهو مشروع "إصلاح قضائي" شق الشارع الإسرائيلي انقساماً غير مسبوق. واليمين الديني القومي الذي يحكم المملكة انتقل في الواقع من هامش الخطاب إلى قلب الائتلاف الحاكم بوجوه كإيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، وما كان قبل سنوات فكرة متطرفة كتقديم القرابين وصلاة اليهود في ساحة الأقصى صار مشهداً يتكرر علناً. 

يوتوبيا طرف وديستوبيا آخر

في الرواية يفتي الحاخام تسرويا بأن "حياة الأغيار لا تساوي ظفر خنصر يهودي"، وقد وجدت هذه الفتوى صداها في تصريحات وزراء ومسؤولين إسرائيليين خلال الحرب على غزة، كما خرج التمييز الصارم بين اليهودي و"الغوييم" من نظام ثيوقراطي متخيل إلى خطابات دينية قومية حقيقية.

ويكتمل التشخيص حين نضع مشهد الافتتاح بإزاء خطاب محمد الضيف الذي أعلن هجوم السابع من أكتوبر. فالخطاب يتحدث بلغة مملكة سريد الطقوسية عن "الطقوس التلمودية والنفخ بالبوق في ثياب الكهنة والبقرات الحمراء والهيكل المزمع على أنقاض المسجد". والبقرات الحمراء فعلا كانت قد نقلت من تكساس إلى مستوطنة في الضفة عام 2022 لتطهير الكهنة تمهيداً لإعادة البناء، كأنها "بروفة" لما تخيله سريد مكتملاً. ويستنفر الضيف أدوات العنف البدائي ذاتها التي صورها سريد "بالساطور، أو البلطة، أو الفأس…"، فيتخيل الخطابان العنف المؤسس بالقاموس نفسه، وتصير يوتوبيا طرف ديستوبيا الطرف الآخر. ويمكن سماع هذا الخطاب كصوت رمزي للفلسطيني الذي تغيبه الرواية، في رصد لقواعد رمزية يولدها السياق الاستعماري لا في ادعاء تماثل أخلاقي أو مادي بين الطرفين.

تل أبيب: أين يبدأ الانحراف؟

"مرة كانت لدينا تل أبيب التي وقفت أمام قداسة أورشليم… لكني في الحقيقة كنت سعيدة بوجودها – متعرقة، صاخبة، مدينة بشر. بعد أن حل بها الخراب بقينا مع الجبال فقط والجبال قاسية. في الجبال تحتاج رباً، تحتاج ملكاً."

من هذه الفقرة الصغيرة ينكشف الحنين الذي تنطلق منه الرواية كلها، حنين إلى تل أبيب ما قبل الهيكل باعتبارها عصراً ذهبياً قبل أن يبدأ الانزلاق، وهو حنين يخاطب قارئاً إسرائيلياً علمانياً هو مجتمع سريد نفسه. غير أن تل أبيب الكبرى تمددت فوق يافا وبلدات فلسطينية كالشيخ مونس وسلمة هُجر أهلها وهدمت عام 1948، فالصلاح في الرواية يبدأ من الاستعمار لا قبله.

وتؤكد مقابلات سريد ذلك. فهو يقدم نفسه "صهيونياً وطنياً"، ويرى أن الخطر الأكبر على مستقبل إسرائيل هو "الفظائع التي ترتكب في الضفة الغربية كل يوم لأنها تدمرنا من الداخل" لا إيران. إنه يرفض الثيوقراطية كإدارة للاستعمار، وخلافه مع الصهيونية الدينية على حجم العنف وشكله، أي خلاف في الدرجة لا في الجوهر. لذا تقترح الرواية إنقاذ المشروع الصهيوني الليبرالي من انحرافاته الدينية بدل مساءلة فكرة الاستعمار من أصلها.

ثم يقع سريد في الخطأ الذي ينتقده. فكما يحمل الخطاب الديني في روايته العلمانيين مسؤولية خراب المملكة، يحمل سريد المتدينين وحدهم مسؤولية النهاية التي يتوقعها لإسرائيل. والرؤيتان تبحثان عن الذنب داخل البيت الإسرائيلي، وتتركان السؤال عن البيت ذاته معلقاً: كيف بني ومن كان يسكن المكان قبل بنائه وما علاقته بسكان الحي المحيط به؟

ما تراه الرواية وما يفوتها

للرواية قوتها: راو مؤمن يتيح نقد المشروع الثيوقراطي من داخله، وعالم حسي كثيف بالروائح والأصوات والدماء، ومرجعية توراتية تمنحها عمقاً يتخطى السطح السياسي. لكن سريد يحشو شخصياته وأحداثه بالرموز حتى تبدو أحياناً وسائط لرسائل جاهزة لا بشراً بكامل تعقيدهم. فخلاصات يوناتان التي تستدعي انتفاضه على المشروع تمر بلا أثر في تطوره، وتأتي لحظة قتله لأبيه نهاية مستعجلة يصعب تصديقها.

أما الإشكالية الأعمق فهي غياب الفلسطيني شبه الكامل عن رواية تقدم نفسها منحازة إلى السلام. فهو يحضر كعماليق فقط، أي كموضوع للعنف لا ذاتاً تتكلم. وهكذا تعيد الرواية إنتاج المحو الذي تنتقده في المشروع الديني، وهو المحو الذي يقوم عليه الاستعمار الاستيطاني من أساسه، فيستكمل سريد أدبياً ما مارسته دولته عسكرياً.

تبقى "الثالث" مهمة اليوم لأنها تضع يدها على بنية قائمة لا لأنها نبوءة. وهنا يتضح الفرق بين عماليقين: عماليق سريد استعارة روائية يكشف بها بنية ويحذر منها، وعماليق نتنياهو الذي استدعاه بعد السابع من أكتوبر لغة تبرر الإبادة في الواقع. المسافة بين الاثنين هي المسافة بين التشخيص الأدبي والتطبيق السياسي، والمحزن في لحظتنا الراهنة أن هذه المسافة تكاد تتلاشى.

 

الاقتباسات من الرواية مأخوذة عن ترجمتها العربية: يشاي سريد، "الثالث"، ترجمة هشام نفاع، مدار – المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية، رام الله 2021.

الكاتب: أسماء مرزوق

هوامش

موضوعات

للكاتب/ة

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع