شكراً على الموسيقى والأغاني، على المسرحيات والمقاطع الساخرة. شكراً على اللغة - لغة زياد - التي يتقنها من أدمنك وحفظك عن ظهر قلب، لغة أصبحت رسمية بيننا، نتعلّمها ونتحدّث بها.. لغة لا يفهمنا بها من لم يعرفك. شكراً لأنك صنعت لنا فنًّا نشعر بانتماءٍ حقيقي إليه، فنلتقي تحت رايتك، ونصبح أصدقاء مع كل من يحبك مثلنا، نصبح أقرب... لأنك تجمعنا. شكراً على السهرات التي كنا نجتمع فيها حول مسرحياتك، والرحلات التي رافقتنا فيها أغانيك. شكراً على الضحك الذي كان يخرج من قلب القلب، وعلى الحماسة التي كانت تتملكنا ونحن نتسابق لشراء تذاكر حفلاتك، وعلى الفرح الذي كنت تمنحنا إياه فوق المسرح. شكراً على موسيقى وكلمات فيروز، تلك اليد التي تربّت برفق على أرواحنا المكسورة طيلة الوقت.
*
عام 2000
على مسرح بيت الدين، رأيتك للمرّة الأولى.. وغنّت فيروز "صباح ومسا".. فعلاً كان "شي ما بينتسى"..
*
عام 2004
على مدرّجات جامعة بيروت العربية وفي المقاهي حولها، كنّا نجتمع لنستمع إليك... مجموعة من الشباب والشابات، فلسطينيون ولبنانيون تجمعنا فلسطين ومحمود درويش وأحمد قعبور وخالد الهبر ومارسيل خليفة وفيروز وزياد الرحباني...
كنا نستمع إليك مرة بعد مرة ونضحك في كل مرة كما لو أنها الأولى. نردّد أغانيك ونتسلّى بتحويلها إلى أغانٍ باللهجة الفلسطينية.
شكراً لأنك كنت جزءاً من وعينا الأول، من شبابنا الغاضب والحالم، ولأنك كنت من معلّمينا الأوائل.
*
عام 2006
قرأت "صديقي اللّه" فذهلت باكتشاف الطفل الشاعر فيك. وأنشأت مدوّنتي وسمّيتها "هدوء نسبي" على اسم مقطوعتك.
*
عام 2009
كنت تعزف الجاز في البار والناس لا يتوقّفون عن الكلام. توقفت عن العزف، وقلت عبر المايكروفون: "إذا في حدا عميحكي شي للتاني والتاني ما عم يسمعه، يخبرنا لنعطيه المايكروفون". فضحك الناس، وتوقّفوا عن الكلام.
شكراً على الموسيقى العبقرية، وخفة الدم.
*

عام 2010
كان لألبوم "إيه في أمل" وقعٌ لا يُنتسى... سمعنا الأغاني مراراً وتكراراً ولم نملّ. تحدّثنا عنها طويلاً وتبادلنا الآراء. ولم نصدّق حين رأينا إعلان الحفلة في بيروت. حجزنا التذاكر وانتظرنا بكل ما نملك من صبر. شاهدنا فيروز وهي تغنّي وتهزّ الدفّ، وكنا نحن في الجمهور نحلّق أعلى وأعلى.
رنا اقتربت من المسرح وأخذت صوراً كثيرة لفيروز وكانت في قمة سعادتها وحلمها يتحوّل إلى حقيقة. ليلتها، هطل مطرٌ خفيفٌ ونحن نغادر المسرح، رافقنا طيلة الليل إلى البيت... ليضيف سحرًا فوق السحر.
شكراً على "إيه في أمل" وتلك الليلة التي كانت أشبه بالحلم.
*
عام 2014
كنت محظوظةً لأشاهد لك عرضاً في صيدا أثناء إجازتي. كنّا قريبين جدّاً من المسرح وكنت، كما عادتك، قريباً جدّاً من قلوبنا...
*
ومثلما كنا نترقّب مسرحياتك وأغانيك على المسارح وعلى راديو صوت الشعب، كنا ننتظرك أيضاً على الشاشات، نتابع مقابلاتك بشغفٍ كبير. ننتظر منك كلمةً لنضحك، ولحناً لنطرب.
شكراً على: "العقل زينة"، "شي فاشل"، "فيلم أميركي طويل"، "نزل السرور"، "أنا مش كافر"، "شو عدا ما بدا"، "يا زمان الطائفية"، "بلا ولا شي"، و"إيه في أمل"...
*
شكراً لأنك علمتنا السخرية من الطائفية، ومن الرأسمالية... وعلمتنا السخرية في الحبّ، ذاك الذي يختلف عن الحبّ الذي تعلّمناه في ديزني وهوليوود... ذاك الحبّ المؤلم بواقعيته، والمخفّف بسخريتك منه... الحبّ الذي تساعدنا أغانيك على تخطّيه حين ينتهي. شكراً لأنك أعطيتنا كل ما أعطيتنا، ولأننا عشنا في زمنٍ أتاح لنا فرصة أن نرى فيروز وزياد معًا على المسرح.
*
نحزن اليوم بقدر ما أضحكتنا. نحزن فوق حزننا على انكساراتنا الكثيرة، وعجزنا اليوم أكثر من أي وقت مضى، وآلامنا التي تتراكم منذ عقود ولا تنتهي.
نحزن لأننا ونحن نسترجعك، ندرك كم ماتت فينا أشياء كنت قد أحييتها فينا ذات يوم.
*
شكراً على كل ما علمتنا إياه، وكل ما تركته فينا من أثر. شكراً على العمق والخفّة. شكراً على كل هذا الجمال الذي تركته لنا.
شكراً على النوستالجيا التي لن تفارقنا يوماً، ونحن نعيد اكتشافك مرة بعد مرة.
