اللغة هي علاقة الإنسان الأولى بالوجود، والترجمة ظلّ هذه العلاقة، انبعاثها وانشطارها في أبجديات مختلفة، فحيثما سارت الكلمة تبعها ظلّها المُتَرجَم. والمترجم هو "جيبيتو"، صانع "بينوكيو" الأدب لأنه يعلم أن نسخته لن تطابق الأصل أبدًا، ومع ذلك، يستمر في بث روح جديدة في النصوص وإخراجها إلى العالم.
في أحيان كثيرة، يتجاوز دور المترجم حدود نشر العمل والتعريف به إلى أن يصبح جسرًا يقوده نحو العالمية، كما كان الحال مع المترجم البريطاني روجر آلن وأعمال نجيب محفوظ. فقد كان آلن أول طالب يدرس ما يُعرف بـ الورقة الخاصة في الأدب العربي الحديث (The special paper in modern Arabic) في جامعة أوكسفورد، وذلك ضمن المنهج الدراسي الجديد الذي أدخله الدكتور محمد مصطفى بدوي بعد توليه رئاسة قسم الأدب العربي في منتصف ستينيات القرن العشرين. ويروي آلن، الذي أصبح أستاذًا للغة العربية والأدب المقارن في قسم لغات الشرق الأدنى والحضارات بجامعة بنسلفانيا، في مقابلة له على بودكاست "فكرة"، كيف التقى محفوظ في القاهرة عبر مجدي وهبة، حيث عرض عليه ترجمة إحدى رواياته فاختار محفوظ السمان والخريف. أما العمل الذي وصل إلى لجنة نوبل فكان المجموعة القصصية دنيا الله (1962)، التي اختارها آلن مع زميله عاكف بدير.
ونجد ساراماغو يضع المترجم في مكانته الحقيقية كشريك المؤلف في توسيع حدود النص وصاحب الفضل في تحويل صوت فردي ينتمي إلى وطن واحد إلى صوت إنساني يتردّد في أرجاء العالم حين يقول “الكتّاب يصنعون الأدب الوطني فيما يصنع المترجمون الأدب الكوني". أما ألبرتو مانغويل فوصف علاقة المؤلف بمترجمه في كتابه "فن الترجمة" بأنها علاقة حميمة ومركّبة، تبدأ من كون المترجم أول قارئ عميق للنص يتسلل إلى نوايا مؤلفه، ويعايش كلماته كما لو كانت موجّهة إليه وحده، ثم تتحوّل إلى حوار متوتر بين الإخلاص والإبداع؛ إذ يصغي المترجم لصوت المؤلف لكنه لا يكتفي بترديده بل يجيبه بلغته الخاصة مانحًا النص حياة جديدة ومن هنا يغدو المترجم شريكًا لا تابعًا، رفيقًا يحمل المؤلف إلى أرض أخرى، ويمنحه جسدًا مغايرًا في لغة جديدة، بحيث يتجاور الصوتان في تعايش مزدوج؛ المؤلف حاضر والمترجم حاضر، ولكلٍّ منهما بصمته التي لا تُمحى.
غير أن هذا الدور الذي يلعبه المترجم لا يتوقف عند النص فحسب، وقد يصل في علاقته بالمؤلف أبعد من كونه مساهمًا في انتشار عمله أو سببًا في حصوله على جوائز مرموقة، إلى كونه منقذًا للكاتب نفسه من بعض الأزمات الشخصية، فنرى في حادثة نادرة ومحزنة في آن معًا، ما فعله المترجم نورمان توماس دي جوفاني، مترجم أعمال خورخي لويس بورخيس إلى الإنكليزية، حين ساعد هذا الأخير على الهروب من زوجته إيلزا دي ميلان ورافقه إلى مطار بوينوس آيرس ليستقلا الطائرة المتوجه إلى قرطبة. كان حينئذ الشخص الوحيد الذي وثق به بورخيس بعد أن أبعدت عنه زوجته كل من أحبه، وباتت هي وسيلته للتواصل مع العالم.
كل مترجم، في مرحلة ما، هو حي بن يقظان، بدأ طريقه بفضوله وفطرته، ثم التقى بـ"أبْسَال"، الباحث عن التجربة الروحانية، صاحب المعرفة المكتسبة واللغة. كل منهما يملك من العلم ما يكمل الآخر. فينطلق المترجم الأكاديمي في اتجاه، والهاوي في اتجاه آخر، لكنهما يلتقيان في نقطة ما، ويتبادلان التجربة. هذا يعيدنا إلى أن الترجمة بدأت كحاجة ملحة للمعرفة ولم تبدأ كتخصص. مثال على ذلك الشاعر والمفكر الألماني غوته، الذي ترجم "نشيد الأناشيد" من العبرية وهو في الثالثة عشرة من عمره، وترجم آيات قرآنية من اللاتينية، ومعلقات من الشعر العربي إلى الألمانية. كما خصص للشاعر الفارسي حافظ الشيرازي فصلًا في ديوانه الشعري "الديوان الشرقي للشاعر الغربي". كل ذلك ليوسع معارفه ويغتني بتجربة إنسانية فريدة، من ثم ليغني كل من قرأ روائعه.
يعلم المترجم أن هذه الطريق محفوفة بالمخاطر من كل جانب ويصرُّ على أنه يفعل خيرًا، حتى لو كلّفه الأمر إرغام النص على الانطواء في لغة ليست لغته وقواعد ليست قواعده وموسيقى ليست موسيقاه، وكأن لديه من الإيمان ما يجعلك تظن أنه لم يعرف الشك في حياته، لكن الحقيقة بعيدة عن ذلك كل البعد، فإذا كان ثمة ما يسّور رحلة المترجم فهو الشك، وهذا ما يجعله دون كيخوته عصره: أخرق حد المغامرة وشجاع حد الشفقة وواثق من اللاشيء كبوهيميّ غارق في خمرة الفكرة، في صراع دائم ليتحكم بنفسه، بجسده وأفكاره ليبقى لصيق كرسيّ مكتبه لساعات، كي لا يختل التركيز الذي بدأ بنسجه منذ أن جلس في ساعات الليل المتأخر حتى خيوط الفجر الأولى لترجمة صفحة أو اثنتين.
لعل ما تقدم يضع المترجم موضع أهمية بالغة، لكن للمفارقة، لا نراها تتجلى في الواقع، بل نجد المترجم عالق في توصيفات لا حصر لها، الإيجابية منها والسلبية، فهو المحتال النزيه، المحسود الذي يستحق الشفقة، السارق الأمين، المشكوك بأمره والمؤتمن على النفيس، العالمي المحلي، المنغمس حد الغرق واللا منتمي، جسر الوصل، حفار قبور الكلمات ومُحيها، المحبوب المكروه، القوي السقيم، نجم الظل، صائد مجد الكتاب وصانعه.. إلخ. ولعل علاقته بالمؤلف ليست حدودًا ثابتة يمكن رسمها أو تعريفها بدقة، بل هي مساحة متحركة من التأثير والتأثر، تبدأ عند ميلاد النص وتستمر في رحلة حياته عبر لغات وثقافات متعددة. فالمترجم لا يكون مجرد ناقل، بل شريك في خلق النص، صانع له هويته الجديدة التي تظل مشدودة إلى الأصل، لكنها تتحرك بحرية في فضاء اللغة الأخرى. وفي هذا الامتداد المتداخل تكمن أعظم أسرار العلاقة بينهما علاقة لا تبدأ بنقطة محددة ولا تنتهي بخطٍ واضح، بل تتنفس في لحظات الإبداع والشك والإيمان التي لا تنفصل عن نبض النص نفسه. ما يُبقي تساؤلنا قائمًا: أين يا ترى تبدأ علاقته بالمؤلف وأين تنتهي!
