بينما كثفت إسرائيل إبادتها في غزة، صعدت ألمانيا حربها الطويلة على المعارضة، فأسكتت التضامن مع فلسطين، فيما عززت أقصى يمينها.

كيف أسكتت ألمانيا فنانيها دعما لإسرائيل (ترجمة)

Nan Goldin, C performing as Madonna, Bangkok, 1992. Courtesy of Stedelijk Museum, Amsterdam. © Nan Goldin.

رمان الثقافية

مجلة ثقافية فلسطينية

«لن يتكرر أبدًا هو الآن»، أعلن البوندستاغ. لكن في ألمانيا، لا يعني «لن يتكرر أبدًا» «لن يتكرر أبدًا لأي أحد». فاليهود وحدهم يُفصلون للمعاملة الخاصة، فوق مجموعاتٍ مهمشةٍ أخرى كالمسلمين وذوي البشرة الملوّنة والمهاجرين.

للكاتب/ة

وهذه ليست مفارقةً بسيطة. فعندما يُعاد تعريف معاداة السامية كعداءٍ لإسرائيل لا لليهود، لا يعود اليمينُ المتطرف الألماني، الذي يُعجب بقومية إسرائيل الإثنية، الجانيَ الأول. بل يقع الشكّ على المهاجرين الجدد، وخاصة العرب والمسلمين الذين لا صلة لهم بالهولوكوست، لكن لديهم أسبابًا وجيهة لنقد إسرائيل.

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

18/10/2025

تصوير: اسماء الغول

رمان الثقافية

مجلة ثقافية فلسطينية

رمان الثقافية

كتبتها نيكي كولومبوس ونشرتها "ذا نايشن" في ٣٠\٩\٢٠٢٥.

قبل عام، عادت نان غولدين إلى برلين لتوبّخ الحكومة الألمانية وأجهزتها الثقافية. أعلنت الفنانة، من على منصة صغيرة في «المعرض الوطني الجديد» (Neue Nationalgalerie): «هذه مدينة كنا نعتبرها في الماضي ملاذاً». كانت تلك الليلة الافتتاحية للمعرض الاستعادي لمسيرتها الفنية، الذي حمل عنوانًا ذا نذير شؤم: «This Will Not End Well» («لن ينتهي هذا على خير»).

حين زارت غولدين المدينة لأول مرة في ثمانينيات القرن الماضي، كانت المدينة\الدولة المقسّمة تشكّل خلفيةً قاسية ومناسبة لصورها لأصدقائها وعشّاقها، قمرًا صناعيًا أوروبيًا لعالم نيويورك السفلي (الديمي موند) في إيست فيليدج. وبعد سقوط جدار برلين، عاشت هناك لعامين ضمن برنامج إقامةٍ للفنانين، جزءٍ من شبكة ضخمة من الدعم الثقافي الفدرالي والإقليمي. كانت برلين آنذاك، كما تذكّرت لاحقًا، «تحت الأرض بأكملها، كل شيء كان متطرفًا».

لم تكن غولدين الفنانة العالمية الوحيدة التي اتخذت من برلين موطنًا. ففي أوائل الألفية، تدفّق الفنانون من مختلف أنحاء العالم إلى العاصمة الألمانية، مدفوعين بسخاء الدعم المقدم لمروحة واسعة من الفنون والثقافة خارج التيار السائد، فضلًا عن الإيجارات الرخيصة ومساحات العمل الواسعة. وسرعان ما تبنّى المسؤولون المحليون هذا المشهد المزدهر وسيلةً لإعادة ابتكار هوية المدينة، متخيّلين برلين كعاصمةٍ فنية جديدة لأوروبا. وحتى مع تنظيفها وارتفاع أسعار العقارات بسرعة صاروخية، احتفظت برلين بخشونتها، وبسمعتها كمكانٍ للتجريب المغامر والنقاش النقدي الجريء.

لكن تلك الحرية يبدو الآن أنها بلغت حدودها. قالت غولدين في افتتاح المعرض: «الألسنة كُبّلت، كمّمها الحكومة والشرطة وحملة القمع الثقافية».

كانت تشير إلى ردّ ألمانيا العدواني تجاه الدعم لفلسطين، خصوصًا منذ هجمات حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023، وبداية الإبادة الإسرائيلية الجارية في غزة. هذا القمع، وإن كان على مستوى البلاد، إلا أنه تمركز أساسًا في برلين. تابعت غولدين: «أكثر من 180 فنانًا وكاتبًا ومعلّمًا أُلغيت مشاركاتهم منذ 7 أكتوبر. كثير منهم فلسطينيون، و20% منهم يهود».

كانت غولدين، تلك الشخصية الصغيرة الكئيبة بملابسها السوداء وشعرها الأحمر الكثيف، تقرأ من على المنصة بصوتٍ أجشّ يرتجف قليلًا، لكنه ثابت الإيقاع، يضفي وقارًا أمكن أن يضيع لو لجأت إلى البلاغة والتأثير المسرحي. قالت: «قررت أن أستخدم هذا المعرض كمنصة لأُضخّم من خلالها موقفي الأخلاقي الغاضب تجاه الإبادة في غزة ولبنان. إذا كان مسموحًا لفنان في موقعي أن يعبّر عن موقفه السياسي من دون أن يُلغى، فآمل أن أمهد طريقًا لغيري من الفنانين كي يتكلموا دون أن يُكمَّموا».

قوبلت عبارة غولدين «معاداة الصهيونية لا علاقة لها بمعاداة السامية» بتصفيقٍ حار مستمر. وحين همّت بمغادرة المنصة، انفجرت القاعة هتافًا: رُفعت الأعلام الفلسطينية وسط هتافات «فيڤا، فيڤا، فلسطين!». في تلك اللحظة المفعمة بالنشوة، بدا كأن الفنانة نزعت سدادةً وأطلقت كل الحزن والكبت المكبوتَين في حركةٍ طال كتمها.

ثم انقضت اللحظة. فشهرة غولدين في عالم الفن، ومكانتها كناشطة، مكّنت معرضها من الاستمرار حين سُحبت معارض كثيرة غيره، ومنحتها الحقّ بالكلام حين أُسكت غيرها من الفنانين. كانت غولدين، فعليًا، أكبر من أن تُلغى. ومع ذلك، في الأيام التالية، شنّت وسائل الإعلام والمسؤولون الثقافيون الألمان حملةً عليها، واصفين كلماتها بأنها «مبتذلة»، «عمياء»، و«اللحظة الأكثر خزياً في تاريخ المعرض الوطني الجديد الممتد 56 عامًا». وبعد ستة أشهر، كان مدير المتحف المعيّن اتحادياً لا يزال، في مقابلة مع مجلة «دير شبيغل»، يَعتمل غيظًا من تلك «ليلة الرعب».

في الصيف، بدأت صور المجاعة الجماعية في غزة تُزعزع برودة أعصاب الساسة الألمان؛ فأعلن المستشار فريدريش ميرتس أنه سيحدّ من شحنات الأسلحة إلى إسرائيل. صار الحديث في القاعات والمعارض أكثر انفتاحًا قليلًا. لكن الضرر وقع فعلاً. التطهير العرقي في فلسطين مستمر، وتداعياته استُخدمت لتفكيك برلين وإعادة تشكيلها. في قصة القمع الثقافي هذه، يمكن أن نرى أيضًا إعادة تنظيمٍ للمجتمع وصعودًا لليمين المتطرف الجديد. لكن من الجدير أن نتذكر كيف بدأ الأمر: فُرض من المركز الليبرالي، ورضخ له أولئك الذين كان بوسعهم الدفع عكسه بدلًا من الاستسلام. إنها قصة مألوفة.

يحبّ المسؤولون الألمان، عبر الطيف السياسي، أن يصيغوا قمعهم للتضامن مع فلسطين بصيغةٍ إيجابية: فيقولون إن دافعهم هو «حماية الحياة اليهودية»، كما جاء في واحدة من قراراتٍ حكومية عديدة على المستويات الفدرالية والإقليمية والبلدية في السنوات الأخيرة؛ ويقدّمون أفعالهم كامتدادٍ لمسؤوليتهم الوطنية بعد الهولوكوست. ولا يهمّ أن عددًا كبيرًا من اليهود التقدميين وقع في شباك هذا القمع. في الواقع، تعلّمت ألمانيا كيف تُسلّح تهمةَ معاداة السامية، مستغلّةً تاريخها المظلم بصورةٍ ملتوية وسينيكية للغاية.

هذا التطور لم يكن مفاجئًا لجمهورٍ أمريكي بات معتادًا، بمللٍ، على حملةٍ متسعةٍ على نحوٍ مطّرد من «مكافحة معاداة السامية» التي تقلُّ صلتها يومًا بعد يوم باليهود الفعليين. وعلى الرغم من أنها كانت تغلي منذ زمن، فقد فاضت في الأسابيع العاجلة بعد 7 أكتوبر، حين طالبت سيلٌ من الرسائل المفتوحة بوقف إطلاق النار. وفي عالم الفن الأمريكي، حيث مضت عقدان من العرائض المشابهة (الفنون من أجل أفغانستان! عمّال الفن من أجل حياة السود!) من دون أن يلاحظها أحد سوى موقّعيها، جاء الردّ السريع والقاسي مفاجئًا صادمًا: فعاليات مُسطَّرة بالقلم الأحمر وفنانون أُدرجوا في قوائم سوداء، إقالات متعجِّلة واستقالاتٍ بدافع الضمير. سرعان ما جرى كبحُ ذلك الاضطراب، وإن اتسعت الاحتجاجات الأكثر تصميماً في الجامعات عبر البلاد.

لقد بدأ الردّ المتطرف في الساحتين، في الولايات المتحدة، بأيدي بعضٍ من أغنى مواطني البلاد، من بينهم رعاةٌ يهود للفنون ومتبرعون للجامعات، وكذلك رؤساء الجامعات، قلاع الفكر الليبرالي. باسم محاربة معاداة السامية، سعوا إلى سحق النقد الموجَّه لإسرائيل، وفي نهاية المطاف إلى سحق المعارضة اليسارية برمّتها. بدأ الهجوم على المكاسب التقدمية هنا في القطاع الخاص وفي المركز السياسي، قبل أن يُسلَّم الهراوةُ إلى طغيان نظام ترامب لإنجاز العمل الحقيقي بتجريف حماية الحقوق المتساوية. وها هو ترامب يعيد توجيه انتباهه إلى الثقافة، مطالبًا بـ«مواءمتها» مع رؤيته القومية البيضاء، أو، بصيغتها الألمانية الأصلية: تنسيقها (Gleichschaltung).

أما في ألمانيا، فقد بادرت الحكومة بهذه الحملة القمعية، وهي المموّلُ الأساسي للمتاحف والمسارح والأوركسترات وغيرها من المؤسسات الثقافية في البلاد. تُعدّ الفنون هناك منفعةً عامة وضرورةً لمجتمعٍ ديموقراطي، وتتلقى الدعم الفدرالي والمنح من الإدارات الإقليمية والمحلية. وعلى نحوٍ مفارق، تفخر الدولة بأن استثمارها في الثقافة يصون حرية الفن، وهي حرية مكفولة في دستور البلاد ما بعد الحرب، القانون الأساسي (Grundgesetz).

لكن المعنى الفعلي أكثر تعقيدًا. تقول آنا تيشيرا بينتو، المنظِّرة الثقافية البرتغالية التي انتقلت إلى برلين عام 2006: «النشاط الثقافي أشبه بامتدادٍ للدولة». وبذلك يصطدم بمبدأٍ أساسي آخر للدولة الألمانية: «أي شيءٍ يُموَّلُ علنًا لا يمكنه أن يبتعد كثيرًا عن سبب الدولة (Staatsräson)».

وعلى الرغم من أنّ «سبب الدولة» صار اليوم صيحةً مألوفة في أفواه السياسيين الألمان، يجدر سرد التاريخ المتشابك لهذا الشعار الهجين. فقد دخل المفهومُ حيّز الخطاب السياسي الوطني بعد أربعةِ عقودٍ من نهاية الحرب العالمية الثانية، حين كانت ألمانيا الغربية في بدايات محاسبة ماضيها النازي. في مقالٍ كثير الاستشهاد عام 1985، رأى السياسي في حزب الخُضر يوشكا فيشر أنّ «جوهر» سبب الدولة في ألمانيا الغربية هو «المسؤولية عن أوشفيتز». وعلى النقيض الحاد من فلسفة القرن السادس عشر في raison d’État، التي تقول بتفوّق مصالح الدولة على مصالح شعبها وعلى أي مبادئ أخلاقية، سعت الصياغة الحديثة إلى توفيق الأهداف الوطنية مع المبادئ الأخلاقية.

تجاوز «سبب الدولة» كونه مجرّد إملاءٍ حاكم، إذ صار التزامًا يُنقل إلى جميع المواطنين الألمان عبر ثقافة الذاكرة (Erinnerungskultur)، في التعليم وصون التاريخ، وإقامة النُّصب والمتاحف الجديدة. وبعد 1990، غدت ثقافة الذاكرة حجراً أساسياً لهويةٍ وطنية مشتركة بين الغرب والشرق، فيما طمأنت أوروبا إلى أنّ ألمانيا الموحّدة لا تشكّل تهديدًا. غير أنّ «سبب الدولة» بدأ، عند مطلع الألفية، ينفصل عن ثقافة الذاكرة، ليرتبط بدلاً من ذلك بدولة إسرائيل.

لم يأتِ هذا التحوّل من فراغ. فلعقودٍ مارست إسرائيل ضغطًا على الدول الأخرى كي تُقدِّم، في الجوهر، بقاء «الدولة اليهودية» على سلامة مواطنيها اليهود أنفسهم. وكما يفصّل أنطوني لِرمن في كتابه «ما الذي حدث لمعاداة السامية؟» (2002)، جادل مسؤولون إسرائيليون ومجموعات مؤيدة لإسرائيل بأنّ «الكراهية الكلاسيكية لليهود» اتخذت شكلاً جديدًا: كراهية إسرائيل. في الواقع، كان التنديد الدولي بالاحتلال الإسرائيلي الوحشي يزداد، كما كان الدعم يتصاعد لحركات التضامن مع فلسطين. سعت إسرائيل إلى إعادة تأطير المعارضة السياسية بوصفها «معاداةً جديدة للسامية».

بعد 11 سبتمبر، وجدت هذه الأطروحة آذانًا أكثر تقبّلاً. فمع نهاية الحرب الباردة، كان الغرب يبحث عن خصمٍ جديد لملحمته الطويلة عن صدام الحضارات. غذّت «الحرب على الإرهاب» مخاوفَ من الإسلاموية، وثبّتت الأهمية الجيوسياسية لـ«الديموقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط». وبينما أحكمت أوروبا والولايات المتحدة صفوفهما حول إسرائيل، جُرّ الاتحاد الأوروبي إلى الجهد. ففي 2005، نشر «المركز الأوروبي لرصد العنصرية وكراهية الأجانب» (EUMC) تعريفًا «عمليًا» جديدًا لمعاداة السامية على موقعه. يعرّف سطران معاداةَ السامية بأنها التحيّز ضد اليهود، يتلوهما 11 «مثالاً معاصرًا». سبعةٌ منها تتعلق بإسرائيل، مثل «إنكار حق الشعب اليهودي في تقرير المصير» و«مقارنة سياسة إسرائيل المعاصرة بسياسة النازيين».

وعلى الرغم من الجدل الفوري الذي أثاره النص الموسّع، فالمعارضة اليهودية للمشروع الصهيوني تضرب بجذورها قدمَ الصهيونية نفسها، فقد بلغ جمهور إسرائيل المستهدف: المسؤولين الغربيين. وبعد ثلاث سنوات، في 2008، خاطبت المستشارة أنغيلا ميركل الكنيست الإسرائيلي. وفي التفافٍ على الصيغة المعتادة، وصفت ميركل «سبب الدولة» الألماني لا بلغةٍ تاريخية، بل كالتزامٍ مستمرّ… تجاه إسرائيل.

وقد ترسّخت هذه إعادةُ التصوّر، وتكررت مرارًا في الخطاب والإعلانات الرسمية. وبعد خمسة أيام من هجوم حماس، قال المستشار أولاف شولتس أمام البوندستاغ مؤكداً: «Die Sicherheit Israels ist deutsche Staatsräson» («أمن إسرائيل هو سببُ الدولة الألماني»).

ومثلما حدث في التسعينيات، بدأ «سبب الدولة» الجديد بإعادة تشكيل السياسات الداخلية. حدثت خطوةٌ كبرى في 2015، حين وصفت إسرائيل حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS)، الفلسطينية المنشأ والمستمرة منذ عقد، بأنها «تهديدٌ استراتيجي»، وهو توصيفٌ استُخدم سابقًا لمجموعاتِ مقاومةٍ مسلحة، فصار يُطبَّق على حملةٍ سلمية للانسحاب وعدم التعامل. شرع المسؤولون الإسرائيليون في الضغط على مشرّعين في دولٍ أخرى لاتخاذ إجراءاتٍ تشريعية ضد BDS وكذلك لتقنين «معاداة السامية الجديدة». كان الـEUMC قد توقّف عن الوجود، لكن في مايو/أيار 2016 تبنّت «التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست» (IHRA) تعريفه وروّجت له بإصرار، منظمةٌ دبلوماسية معروفة عمليًا بهذا «الغلاف» الوحيد. وبينما حرص الـEUMC على وصف أمثلته بأنها مشروطة، محذِّرًا من أنّ أي تفسيرٍ للنوايا يجب أن يأخذ «السياق العام» بعين الاعتبار، تحوّلت تحت راية الـIHRA إلى أمثلةٍ يُنظر إليها كحاسمة. والآن، وقد تبنّته 46 دولة (وما زالت الأعداد تتزايد) في أوروبا وآسيا والأميركتين، إضافةً إلى مئات الحكومات المحلية والشركات والجامعات، يبدو أنّ «التعريف العملي» لـIHRA يعملُ حقًا لصالح إسرائيل. وكما شدّد لِرمن مؤخرًا: «لقد كان فعلاً سياسيًا».

بعد بضعة أشهر، مرّر «الاتحاد الديموقراطي المسيحي» (CDU)، حزب ميركل، التي كانت تواجه ارتدادًا ضد سياسة «الأبواب المفتوحة» لقبول أكثر من مليون لاجئ من الشرق الأوسط، قرارًا يُدين BDS. وعلى خطى الرواية الحكومية الإسرائيلية، التي صارت «رسمية» سلفًا عبر «سبب الدولة» وتعريف IHRA، وصف حزبُ الـCDU مناهضةَ الصهيونية بأنها مجرد قناعٍ لمعاداتِ السامية في القرن الحادي والعشرين. تلت ذلك إعلاناتٌ مشابهة من أحزاب سياسية وهيئات محلية عبر البلاد، قبل أن تصل إلى مستوى البرلمان في مايو/أيار 2019. في قرارِه، دعا البوندستاغُ الحكومةَ الفدرالية إلى الامتناع عن تقديم الدعم المالي «لأي منظمةٍ تشكك في حق إسرائيل في الوجود… أو لأي مشاريع تدعو إلى مقاطعة إسرائيل».

في البداية، بدا أنّ القرار قليلُ التطبيق على الفنون. فالمؤسسات الثقافية الألمانية لا تتخذ عموماً موقفًا علنيًا من إسرائيل، ومن غير المرجّح أن يروّج أيُّ مشروعٍ فني للمقاطعة. لكن سلسلةً من الإلغاءات البارزة سرعان ما أوضحت أن المسؤولين الحكوميين كانوا يتوسّعون بحماس، مطبقين حظر القرار على أي فردٍ سبق له أن عبّر عن رأيٍ سياسي مشابه. من بين الأهداف الأولى: كاتبٌ بريطاني باكستاني، فنانةٌ أمريكية لبنانية، مديرٌ يهودي للمتحف اليهودي في برلين، ومنظّرٌ ما بعد كولونيالي من الكاميرون. وسرعان ما باتت هذه الشبكة المتسعة من القواعد والأنظمة خارج القانون تُضيّق بشدة المجال العام.

قررت القيادات الثقافية أن تدفعَ باتجاهٍ معاكس. فقد انضم رؤساء 32 مؤسسة ممولة من الدولة، متاحف ومسارح ومنظمات فنية أخرى، لتشكيل مبادرة GG 5.3 Weltoffenheit؛ يشير الاسم إلى الفقرة في «القانون الأساسي» التي تكفل حرية الفن والبحث العلمي، وإلى وعده بـ«الانفتاح على العالم». في ديسمبر/كانون الأول 2020، عمّمَت المجموعةُ نداءً لأهمية النقاش الحر والاختلاف. حرص البيان على التأكيد أن الموقّعين يرفضون شخصيًا BDS، حتى وهم يرفضون «مقاطعةً مضادة» لداعميها. عقد مديرو بعضٍ من أبرز مؤسسات ألمانيا مؤتمرًا صحافيًا، ثم انتشروا عبر وسائل الإعلام، في مقابلاتٍ وحوارات، مشجّعين على مواصلة النقاش.

لكن عزيمتهم خذلتهم بسرعةٍ صادمة. فعندما اتهمهم سياسيون وصحافيون، على نحوٍ متوقع، بمعاداة السامية، مهددين مؤسساتهم باقتطاعاتٍ عقابية في التمويل، انهار الصفُّ الموحد سريعًا. تتذكر سوزان نيمن، مديرة «منتدى أينشتاين» في بوتسدام وإحدى المشاركات: «كان هناك نقصٌ في الشجاعة، وأصابت الكثيرين قشعريرةُ الخوف، فتلاشت المبادرة». ذابت مبادرة «الانفتاح»، على الأقل علنًا. علّق مراقبٌ آخر بسخرية: «تحولت إلى مجموعة واتساب».

ومع ذلك، ظلّت آثار قرار 2019 المناهض لـBDS خافتةً نسبيًا لبعض الوقت. «حين انتقلتُ إلى هنا في 2020، لم أصادف أي عداء»، تتذكّر بسمة الشريف، الفنانة الفلسطينية المقيمة في برلين. يمتد عمل الشريف، في الفيديو والتركيب، على مدار 20 عامًا، متأمّلًا فلسطين ومنغّصات التجربة الشتاتية. «كنتُ قد عرضتُ كثيرًا في برلين، وكان الشعور مريحًا جدًا»، تقول. «كان الناس يشجّعونني على الكلام؛ كانوا يطلبون حديثًا صريحًا عن فلسطين والاحتلال. لم يكن هناك شيء قيل لي إنه خارج الحدود».

سمعت الشريف بالقرار وبعض الجدل المبكر، لكنها قابلته بلامبالاة. «لستُ جديدةً على هذا، لقد نشأتُ في الولايات المتحدة معظم حياتي»، تقول. «أنا على درايةٍ تامة بادعاءات معاداة السامية الزائفة عند نقد إسرائيل، وبكيفية عدم منح مثل هذه الهجمات شرعيةً منذ البداية». افترضت أن برلين ستكون مماثلة.

ولسنواتٍ قليلة، كانت كذلك. استمر عرض أفلام الشريف في ألمانيا. وفي 2022، مُنحت هي وزوجها، الفنان المصري الألماني فيليب رزق، زمالةً مدتها عامان في «برنامج برلين للبحث الفني». في ذلك العام، انفجرت فضيحة في دوكيومنتا، المعرض الفني الأرفع شأناً عالميًا وركنًا من أركان التمويل الثقافي الألماني منذ 1955. احتوى أحد الأعمال المعروضة في كاسل على كاريكاتورٍ لليهود، ما أطلق سجالاتٍ غاضبة حول الفنانين والقيمين ومستقبل دوكيومنتا نفسه.

«ثم وقع 7 أكتوبر»، تقول الشريف، «فتغيّر كلُّ ذلك، تغيّر بصورةٍ دراماتيكية وبسرعةٍ كبيرة». تلت ذلك شلّالاتٌ من الإلغاءات و«التأجيلات» التي لم يُعاد جدولتها قط، في أنحاء البلاد. وكما في الموجة الأولى التي بدأت عام 2019، طالت هذه القرارات المفاجئة في المقام الأول الفلسطينيين وغيرهم من العرب والمسلمين واليهود والأشخاص الملوَّنين.

في الشوارع، تظاهر عشرات الآلاف ضد حملة القصف الإسرائيلية الهمجية على غزة؛ وفي الفضاءات الثقافية، خُفّض الصوت الداعم لفلسطين. ولم تعد أسباب الإلغاء مقتصرةً على دعم BDS أو حتى نقد إسرائيل. فقد أعلن رئيس «معرض فرانكفورت للكتاب» رغبته في «إتاحة وقت إضافي للأصوات الإسرائيلية واليهودية» فيما كان يلغِي حفلَ تسليم جائزةٍ لكاتبةٍ فلسطينية. وقالت صالة عرضٍ في برلين إنها لن تعرض «تقديمًا أحاديّ الجانب للحياة المسلمة من دون نقطةِ مقابلةٍ من الطرف الآخر» حين أسقطت معرضًا فوتوغرافيًا لفنانٍ ألماني من أصل تركي. ولا داعي للقول إن هذا الطلب بـ«عرض الجانبين» لم يُطبّق على فعالياتٍ تركّز على إسرائيل.

ومن جديدٍ أيضًا كان مُطلقو الإلغاءات: ليسوا المسؤولين الحكوميين بل مديرو المؤسسات الثقافية أنفسهم، مهما كانت سمعة المؤسسة راديكاليةً أو مناهضةً للمؤسسة. فقد سحبت «فولكسبيونه»، «مسرح الشعب» الشهير بيساريته في برلين، دعوةَ زعيم حزب العمال البريطاني الأسبق (والناقد البارز لإسرائيل) جيرمي كوربن من مؤتمرٍ نظمته «مؤسسة روزا لوكسمبورغ». كما ألغى نادي «بيرغاين» الكويري متعدد الغرف والظلاميات (المعترف به «تراثًا ثقافيًا غير مادي» من اليونسكو، وتتلقى الأندية دعمًا من الدولة أيضًا) ظهور الـDJ «أرابيان بانثر» الموشّح بالكوفية.

ولكل إلغاءٍ مُعلَنٍ جيدًا، هناك عددٌ لا يُحصى من الفنانين الذين جرى ببساطةٍ عدم الالتفات إليهم. في حالة الشريف، تقول: «لم يحدث شيءٌ ملموس، لم أُسحب من عروضٍ أو فعاليات». بل إن «أناسًا كنت أعمل معهم، فنانون وقيّمون، ابتعدوا فجأةً أو لم يتواصلوا معي بعد الآن». كانت المجازر اليومية في غزة كابوسًا لا فكاك منه للفنانة، لكنها، بدلاً من التعاطف والمواساة، واجهت جدارًا من الصمت. وبعد أكثر من عامٍ بكثير، ما تزال الشريف مذهولة: «ظننتُ أنه سيكون من الإنساني أن نتحدث عمّا يجري».

عندما سألتُ «المفوَّضة الاتحادية للثقافة والإعلام» (BKM) للتعليق في نهاية العام الماضي، تلقيتُ البيان التالي: «ليس من دور وزيرة الثقافة والإعلام تحديد حدود حرية الفن أو حرية التعبير. لطالما كانت واضحة تمامًا أنه، ضمن حدود الدستور والقانون، تقع على عاتق المؤسسات نفسها مسؤوليةُ التنقل في المساحة بين حرية الفن وموقفها المناهض لمعاداة السامية والعنصرية وأشكال العداء الأخرى الموجّهة إلى الجماعات».

ومع ذلك، أخذتُ أسمعُ ببطءٍ روايةً أكثر تعقيدًا عبر «العنب» القيّمي. بعد 7 أكتوبر، عقدت وزيرة الثقافة آنذاك، كلاوديا روث، وأمينها العام، أندرياس غورغن، سلسلة اجتماعات مع قادة المؤسسات الثقافية التي تتلقى دعمًا اتحادياً. وعلى مدار بضعة أشهر، جرت اللقاءات عبر «زووم» أو حضورياً في «بيت ثقافات العالم» (HKW) في برلين. ووفقًا لأحد موظفي المتاحف الذين حضروا بعض مكالمات «زووم»، فقد «وضع المسؤولون الأسس» لبرمجة الفنون في المرحلة المقبلة. لخّص الموظفُ فحوى تلك الشروط، بعبارةٍ ملتوية تُحاكي لغة الـBKM الحذرة: «لا يجوز أن تُرى المؤسساتُ المموّلةُ علنًا على أنها لا تدعم إسرائيل».

وقد عرضت دعوةٌ لاجتماعٍ في HKW، بتاريخ 12 ديسمبر/كانون الأول 2023، هذا المنطق المؤيِّد لإسرائيل بصورةٍ أقل التفافًا. افتتحت الوزيرة بتوصيف 7 أكتوبر بأنه «أظلم يومٍ في تاريخ إسرائيل وفي التاريخ اليهودي ما بعد الحرب». وعند استعادة الشهرين اللذين أعقبا «عملٍ إرهابي ضد اليهود»، لم تقل روث شيئًا عن قنابل اختراق التحصينات التي كانت إسرائيل تُسقطها على غزة، ولا عن الأطفال الفلسطينيين الذين قُتلوا بالفعل؛ إنما أشارت فقط إلى أنّ ألمانيا شهدت «اندلاعًا مخيفًا لمعاداة السامية»، مؤكدة: «لا يمكن للثقافة أن تتجاهل ذلك».

حضر اجتماعات الـBKM أساسًا المديرون/المديرات، وترك لهم نقل الرسالة إلى فرقهم. تصف قيّمةٌ فنيةٌ مقرّها برلين هذا «التقطير إلى الأسفل»، إذ تناقش الزملاءُ عبر المؤسسات القيودَ المختلفة التي أُبلغوا بها (وطرق الالتفاف عليها). أحدُ الهواجس كان عرضَ أصواتٍ فلسطينية أو مؤيدة لفلسطين «من دون أن تُصحَّح بـ"الجانب الآخر"». يبدو أن هذا القلق يفسرُ إلغاء «معرض فرانكفورت للكتاب» وصالة العرض في برلين، وكذلك قرار «المعرض الوطني الجديد» تنظيمَ ندوةٍ في اليوم التالي لافتتاح غولدين تستضيف متحدثين ذوي آراءٍ متوافقة مع الدولة؛ وقد وصفت الفنانةُ الحدثَ بـ«إجراءٍ وقائي» (prophylactic). أمّا روث نفسها فكانت قد اشتكت من أن خطاب غولدين كان «أحاديًا على نحوٍ لا يُحتمل».

وقد استُبدلت روث وغورغن في الـBKM بعد وصول حكومة الـCDU الجديدة إلى السلطة في وقتٍ سابق من هذا العام. ولدى سؤاله عن الاجتماعات، قدّم غورغن جوابًا عجيبًا لا صلة مباشرة له بالسؤال: «تتمحور السياسة اليسارية حول مكافحة الاغتراب عن الإنسانية. لقد أنكر الهجوم الإرهابي الذي نفذته حماس إنسانية ضحاياه، مدفوعًا بإيديولوجيا معادية للسامية. أيُّ إنكارٍ للكرامة الإنسانية يقف في تضادٍ مباشر مع سياسةٍ يساريةٍ إنسانية. يجب رسمُ هذا الخط، وخلال فترة وجودي في المنصب، بذلتُ قصارى جهدي لفعل ذلك». (تعذر الوصول إلى روث للتعليق).

ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أنّ غورغن، قبل انضمامه إلى الـBKM، عمل مستشارًا لمجموعة «الانفتاح»، فيما كانت روث واحدةً من 16 عضوًا في البوندستاغ وقعوا بيانًا ضد قرار 2019 المناهض لـBDS. وهكذا، اتُّهما كلاهما بمعاداة السامية من سياسيين وصحافة مؤيدين لإسرائيل ومن جماعاتٍ يهودية محافظة، تأنيبٌ استمر حتى فيما كان المشهد المؤيد لفلسطين يشتكي من الضغط. المشهد ذاته كان قائمًا على المستوى المحلي في برلين وعبر ألمانيا. وإزاء النقد الآتي من اليسار واليمين، حاول المسؤولون الثقافيون شقَّ طريقٍ وسط. سواء أكان ذلك يُعزى إلى محاولةٍ للحفاظ على الذات سياسيًا أم إلى قناعاتٍ شخصيةٍ ضبابية، فإن النتائج أرضت القليلين. تقول القيّمة، بصرامة: «أدركتُ لأول مرةٍ في حياتي كيف يكون العملُ تحت نظامٍ سلطوي».

وأجمع مَن تحدثتُ إليهم على أنّ كثيرًا من الضغط كان ضمنيًا. تشرح القيّمة: «لم يكن هناك دائمًا مَن يقوم بالرقابة فعليًا؛ كان المناخ، الـBKM، وسائل الإعلام، السياسيون». وأكد مديرٌ حضر اجتماع يناير في HKW: «كان الكثيرُ بين السطور، مُلمَّحًا إليه». كما جرى التعلّمُ بالمثال. «كنّا نرى شخصًا يُعاقَب لاستخدامه كلمات مثل "إبادة" أو "فصل عنصري"»، تقول القيّمة، «فصار واضحًا أنه يجب علينا تجنب استخدامها».

ومهما يكن ذلك، فقد نجح. دُفع بعددٍ قليل من العاملين الثقافيين المشاغبين إلى الخروج بهدوء، لأسبابٍ لم تُذكر بوضوح، لكن «في الأساس، كان الحقل كلّه خاضعًا بما يكفي لتجنّب ذلك»، تقول القيّمة. «إنه نظامٌ تأديبي بالمعنى الفوكوي». وبالفعل، بعد أشهر، رفض معظم من تواصلتُ معهم الحديث عن الموضوع، حتى «خارج التسجيل».

تستنتج سوزان نيمن من «منتدى أينشتاين»: «أرى أن ما يجري حقًا هو ترهيبٌ هائل، لكن أيضًا مجردُ رقابةٍ ذاتية». وُلدت نيمن ونشأت في الولايات المتحدة، وقد كتبت قبل ست سنواتٍ كتابًا معجبًا بثقافة الذاكرة الألمانية، لكنها وصفت المناخ الراهن بأنه «هستيريا». في رأيها: «إنه مسألةٌ عميقةٌ جدًا تتعلق بذنبٍ ألماني». وقدّم فنانٌ تفسيرًا آخر يستند إلى سلوكٍ وطني نمطي مختلف: «هناك قولٌ ألماني: vorauseilender Gehorsam، الطاعةُ الاستباقية. قبل أن تتلقى الأمر، تفعل مسبقًا ما تظن أنه سيأتي». وردّد موظفُ المتحف ذلك: «هناك الكثيرُ من الطاعة مسبقًا».

وبينما دفعت بعض الفضاءات المموّلة من الدولة حدودَ ما هو مسموح، لم يبدُ أحدٌ أشجعَ من مركزٍ ثقافي شاب في نويكولن، الحيّ الأكثر تنوعًا إثنيًا في برلين. تأسس «عيون» (Oyoun) عام 2020 على يد ثلاث نساء QT/BIPOC، ويصف نفسه بأنه «بيتٌ للمنظورات الكويرية/النسوية والمهاجرة وفك الاستعمار»، محورٌ نابض يملأ مبناه الرباعي الطوابق المملوك للدولة ببرامج تُشرف عليها جماعيًا: مهرجاناتٌ، فعالياتٌ يقودها المجتمع، ورشٌ للفنانين والنشطاء، معارضُ بين-تخصصية ومجموعاتُ بحث، إقاماتٌ دولية، وبرامج للأطفال. تلقّى الفضاءُ الفني مليون يورو سنويًا من مجلس برلين، وكان التمويل ممتدًا حتى 2025.

لكن ذلك كان، إلى أن رفض «عيون» الامتثالَ لرقابة الدولة. في سبتمبر/أيلول 2023، اعترض مسؤولون في المدينة على احتفاليةٍ مرتقبة للذكرى السنوية لمجموعة «الصوت اليهودي من أجل سلامٍ عادل في الشرق الأوسط» (Jüdische Stimme)، التي كان من المزمع إقامتها في «عيون» في نوفمبر/تشرين الثاني. قال المسؤولون إنه إن استضاف المكان «يوديشه شتيـمّه»، فلن يكون «فضاءً آمنًا» لليهود. تقول لُنى سبّو، المؤسِّسة المشاركة والمديرة الفنية لـ«عيون»: «هذا تصريحٌ إشكالي للغاية تصدره الحكومة. إذ يوحي بأنّ على فئةٍ بعينها من اليهود أن تُحمى، فيما لا تُحمى فئةٌ أخرى».

بعد 7 أكتوبر، اندلعت احتجاجاتٌ مؤيدة لفلسطين عبر المدينة؛ وفي نويكولن، التي تقطنها نسبةٌ كبيرة من العرب، قُمعت تلك الاحتجاجات بعنف على يد الشرطة بعتاد مكافحة الشغب. أعادت «يوديشه شتيمّه» تصوّر احتفال نوفمبر على أنه شِـيڤاه، طقسُ حدادٍ يهودي، على الضحايا الإسرائيليين والفلسطينيين معًا. لكن مجلس برلين واصل المطالبة بإلغاء الحدث، وانتقل الصراع إلى الصحافة مع تصعيد السياسيين اتهاماتهم. زعم نائبٌ عن نويكولن في «تاغِسشبيغل» أن حوادث معاداة السامية وقعت في «عيون»؛ وتباهى عمدة نويكولن لمجلة «دير شبيغل» بأنه أراد قطع التمويل عن الفضاء منذ سنوات؛ ووعدت وزيرة ثقافة برلين بـ«مراجعة» تمويله. لكن «عيون» لم يَخضع، وأقيمت فعالية «يوديشه شتيمّه» كما خُطط لها.

بعد أسبوعين، وفي جلسةٍ لمجلس برلين بُثّت مباشرة، شددت وزيرة الثقافة مرةً أخرى على عزمها القضاء على «أي شكل» من معاداة السامية في الفنون. «وحين أقول "أي شكل"»، كررت، «أقصد أيضًا أي شكلٍ مستتر من معاداة السامية». ومع هذه الكلمات اللامعقولة، أعلنت أن تمويل «عيون» سينتهي بنهاية العام، قبل عامين من الموعد.

قاومت سبّو وفريقها. استعانوا بمحامٍ، وأرسلوا إنذاراتٍ بالكفّ والامتناع لمن شهّر بهم. لجأوا إلى المحكمة لإصدار أمرٍ قضائي ضد «تاغِسشبيغل» وفازوا. ووجد تحقيقٌ داخلي لمجلس برلين عدم وجود دليلٍ على معاداة السامية في «عيون»، ما اضطر المسؤولين لاختراع ذريعةٍ جديدة لوقف التمويل: حجةٌ واهية عن «أولوياتٍ متغيرة». لكن، تشير سبّو، «ما يزال المجلس يصفنا علنًا بالمعادين للسامية، وكأنها السبب الحقيقي لقطع التمويل». وعلى الرغم من جهود «عيون» لحشد الدعم، ظلّت المؤسساتُ الثقافية الأبرز، الأكثر تيارًا رئيسيًا، والأكثر بياضًا، صامتة.

وبعد معركةٍ قانونية استمرت عامًا، أُجلي «عيون» نهاية 2024. ومن المتوقع أن يستغرقَ التقاضيُ لاستعادة التمويل سنوات. حين التقيتُ سبّو في مارس/آذار، كان شهر رمضان وكانت صائمة. بدت وادعةً ومتحفّظة، غير متيقنة من قدرة «عيون» على تغطية أتعاب المحامين. وعندما تحدثنا ثانيةً بعد بضعة أشهر، كانت في المغرب تزور أمَّها التي عادت بعد ثلاثة عقودٍ في ألمانيا. بدا صوتُ سبّو أكثر إشراقًا وتصميمًا. وبفضل منحٍ خاصة، قالت، سيستضيف «عيون» إقامةً لمدة أسبوعٍ في مراكش لفنانين وعاملين ثقافيين مقيمين في ألمانيا: «إنها إشارة للمجتمع بأننا ما زلنا صامدين، ونواصل المقاومة».

قبل طرد «عيون» بفترة قصيرة، مرّر البوندستاغ قرارًا آخر بعنوان «لن يتكرر أبدًا هو الآن، حماية وصون وتقوية الحياة اليهودية في ألمانيا». وهو نصٌّ مقلق يَستثمر، في نحو 1700 كلمة، المواطنين اليهود في البلاد بالكامل لتسريع القمع: «وجودهم إثراءٌ لمجتمعنا، وهو، نظرًا لتاريخنا، إعلانُ ثقةٍ خاص بديموقراطيتنا ودولتنا الدستورية». ثم يوضح النص كيف ستُرَدُّ هذه «الثقة»: بتوسيع قيود تمويل قرار 2019 المناهض لـBDS لتشمل حظرًا واسعًا على «نشر معاداة السامية»، وفق تعريف IHRA، بطبيعة الحال. ولا يُوصى بمراقبةٍ إضافية في ألمانيا إلا لمجالٍ واحد: «الفن والثقافة».

إن تسليح تهمة معاداة السامية ضد منتقدي إسرائيل ليس جديدًا، إنها استراتيجيةٌ قديمة لإسكات التأنيب والتهرّب من المسؤولية. حكومةٌ إسرائيليةٌ تلو أخرى وضعت بقاء الدولة فوق سلامة اليهود. وفي ألمانيا، يسهل تبيّن كيف يخدم التحوّلُ إلى الدفاع عن إسرائيل المصالحَ الألمانية على مستوياتٍ متعددة. يكتب تا-نهيسي كوتس في كتابه «الرسالة» (2024) أنّ تأسيس إسرائيل بعد الهولوكوست نُظر إليه بوصفه «ليس فقط قوسَ العدالة المنحني بل شيئًا أكثر: دائرةٌ كاملة. ليس مجرد تصحيحٍ بل استعادة، خلاص». وجود إسرائيل هو أيضًا مفتاح خلاص ألمانيا، «الدائرة الكاملة» التي تسمح لها بالتحوّل من ذنبٍ ينظر إلى الماضي إلى برٍّ يتقدّم إلى الأمام. إن نقد إسرائيل باعتبارها غير عادلة، فضلًا عن التشكيك في مفهوم «الدولة اليهودية» نفسه، يعني التشكيك في تبرئة ألمانيا.

وهذه ليست مفارقةً بسيطة. فعندما يُعاد تعريف معاداة السامية كعداءٍ لإسرائيل لا لليهود، لا يعود اليمينُ المتطرف الألماني، الذي يُعجب بقومية إسرائيل الإثنية، الجانيَ الأول. بل يقع الشكّ على المهاجرين الجدد، وخاصة العرب والمسلمين الذين لا صلة لهم بالهولوكوست، لكن لديهم أسبابًا وجيهة لنقد إسرائيل.

ومع ذلك، لم يكن حزب «البديل لألمانيا» (AfD) اليميني المتطرف هو من قدّم هذه الحجة أولاً. ففي 2017، كتب عمدة فرانكفورت من الـCDU مقالًا ضيفًا في مجلةٍ محلية زعم فيه أن «معاداة السامية اليوم نادرًا ما ترتدي أحذية الجيش المألوفة»؛ بل إنها «مستوردة إلى أوروبا» من «ثقافات الشرق الأدنى والأوسط». وبعد شهر، حصل AfD على ما يكفي من الأصوات لدخول البوندستاغ.

وفي العام التالي، أنشأت ألمانيا منصب «المفوّض الاتحادي للحياة اليهودية في ألمانيا ولمكافحة معاداة السامية»؛ وسرعان ما عيّنت الولايات والحكومات الإقليمية والمدارس ودوائر الشرطة مفوضيها، وعُيّن عمدة فرانكفورت نفسه في المنصب على مستوى ولاية هِسّه. (كما أشار كثيرون، فإن المفوّض اليهودي الوحيد في الحكومة اعتنق اليهودية بعد توليه الوظيفة). ومع ذلك، ظلَّ «التركيز على المعاداة المستوردة»، حتى مع إظهار الإحصاءات والدراسات باستمرار أن حوادث معاداة السامية ازدادت في العقد الماضي بسبب تطرف النازيين الجدد، لا بسبب الهجرة. ففي 2021، ارتُكبت أكثر من 80% من الجرائم المعادية للسامية في ألمانيا على أيدي متبنّين لليمين المتطرف.

لماذا يُعفي الـCDU حزبَ AfD بدلاً من تحميله هذه الجرائم، خصوصًا مع استمرار صعود شعبيته؟ يواصل السياسيون التنديدَ بـAfD فيما يتسابقون في الوقت ذاته على نسخِ ولصقِ مواقفه القومية المعادية للمهاجرين. في مطلع هذا العام، صرّحت عضوةٌ في الـCDU بصراحة على حسابها الرسمي: «لا حاجة لأن تصوّتوا لـAfD لتحصلوا على ما تريدون. هناك بديلٌ ديموقراطي: الـCDU». وقد انتصر الـCDU في انتخابات فبراير/شباط الفدرالية، وسُمّي ميرتس مستشارًا، لكن AfD ضاعف حصته من الأصوات مقارنةً بما قبل أربع سنوات، صاعدًا إلى المركز الثاني.

لم يدفع احتضان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لليمين المتطرف التيارَ السياسيَّ الألماني إلى إعادة النظر في دعمه الأعمى لإسرائيل. ولم تدفع الإبادةُ إلى إعادة تفسيرٍ جديدةٍ لـ«سبب الدولة». بل إن «سبب الدولة» استُدعي، منذ 7 أكتوبر، لتبرير رفض منح الجنسية لمتقدمين يشككون في «حق إسرائيل في الوجود»؛ ولمنع جرّاحٍ بريطاني فلسطيني من التحدث علنًا عن غزة (حيث تطوّع مع «أطباء بلا حدود»)، ولترحيل أربعة مقيمين شاركوا في احتجاجاتٍ مؤيدة لفلسطين. بل ظهر «سبب الدولة» حتى في حيثيات قراراتٍ قضائية.

«لن يتكرر أبدًا هو الآن»، أعلن البوندستاغ. لكن في ألمانيا، لا يعني «لن يتكرر أبدًا» «لن يتكرر أبدًا لأي أحد». فاليهود وحدهم يُفصلون للمعاملة الخاصة، فوق مجموعاتٍ مهمشةٍ أخرى كالمسلمين وذوي البشرة الملوّنة والمهاجرين. وفي الوقت نفسه، يُحمَّل اليهودُ، مجددًا، وزرَ ذريعةٍ تُرتكبُ باسمها سياساتُ الدولة من عنصرية ورقابة وقمعٍ وحشي للاحتجاجات وترحيل «غير المرغوب فيهم». إن الفاشية تُعيد إنتاج نفسها: أولاً كمعاداةٍ للسامية، ثم كـ«مناهضةٍ لمعاداة السامية».

هذا العام، خفّض مجلس برلين تمويل الثقافة بشكلٍ جذري. وتُرى «الأولويات المتغيرة» على المستوى الفدرالي كذلك. لم تعد ألمانيا، مثل دولٍ كثيرة تنتقل من النيوليبرالية إلى اليمين، ترى حاجةً للاستثمار في الثقافة، لا سيما حين تكون حاضنةً لأفكارٍ يسارية. تقول تيشيرا بينتو: «عالم الفن هو مركز خطابٍ مضاد لم يعد مرحَّبًا به». وتتابع: «ولأن تمويله عام، يمكن للدولة أن تدمره». تضيف: «لكي تحوّل الحكومةُ برلين إلى مدينة "ألمانية" بحق، كان عليها أن تُحكم القبضة على القطاع الفني. والآن بعدما جُنْدِرَت برلين (تَبرلينَت)، لم تعد بحاجةٍ إلى الفنانين».

في مايو/أيار، تولّى وزير الثقافة الجديد الذي عيّنه ميرتس منصبه. في أول تعليقاته للصحافة، قال وولفرام فايمر إن «العلاقة المختلّة بين الـBKM والمجتمع اليهودي ستُستعاد، وستنتهي صفحةٌ متنازَعٌ عليها من السياسة الثقافية الألمانية». وبعد شهر، كان يصبُّ جام غضبه على «هجوم اليسار على الحرية» وعلى «الثقافة الراديكالية-النسوية، ما بعد الكولونيالية، الإيكو-الاشتراكية للاستنكار».

قد يكون خطُّ الفصل الممكن في برلين اليوم هو بين المنابر المعتمدة على المال العام وتلك التي لا تعتمد عليه. خذ مبادرة «سبور» (Spore)، المدعومة من ممولٍ مستقل، حيث يُعرض حاليًا معرضان جماعيان يتعلقان بفلسطين؛ وفي يوليو/تموز، استضافت «سبور» المؤتمرَ السنوي الأول لـ«جمعية الأكاديميين الفلسطينيين واليهود». وعلى نطاقٍ أصغر، ثمة مشاريع شبه تجارية مثل قاعة الحفلات «KM28» ومكتبة «هوبسكوتش»، اللتين تنظّمان محاضراتٍ إلى جانب العروض والقراءات. إن الحرية والانفتاح اللذين اقترنا ببرلين لعقودٍ طويلة باتا اليوم رهينين بالقطاع الخاص.

وبالنظر إلى أحداث العام المنصرم، يتضح أنّ خطاب غولدين لم يحقق ما كانت تأمل. لكن بالنسبة إلى بسمة الشريف، ظلّت تلك الليلة ذات مغزىً كبير. «لم يكن هناك فضاءٌ رسميٌّ في ألمانيا أهم لتلقي ذلك الخطاب»، تقول. اصطحبت ابنها الصغير. «دخلنا فضاءً كان فيه حلفاؤنا أكثر عددًا من "غير العارفين". كنّا ننظر إلى بحرٍ من الناس، ليسوا فلسطينيين فحسب، ولا عربًا فقط، يهتفون بما هتفنا به لعقود».

حين رأيتُ الشريف في يوليو/تموز، كانت في المراحل النهائية من مونتاج فيلمٍ جديد. «حلقة الصباح» (Morgenkreis) يتتبع مهاجرًا عربيًا وابنه عبر عمليتي اندماجٍ متوازيتين، عبر الدولة وعبر التعليم المبكّر. تقول الشريف: «أشعر أنّ هناك قوةَ تجانسٍ قويةً في الثقافة الألمانية، شديدةَ كره الأجانب، وتبدأ مبكرًا جدًا، في الطفولة. وحتى هنا في برلين، الأمر شديد». هكذا وصفت غولدين المدينة في التسعينيات: «كل شيء كان متطرفًا». والسؤال هو إلى أي مدى يمكن لِ«تطرّف» برلين الإبداعي، المُضاد للثقافة، البعيد، أن يصمد أمام التطرّف الآخر، انحراف ألمانيا نحو اليمين المتطرف.

هوامش

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع