"فإن الأمل ذاته موجع حين لا يتبقى سواه"
مريد البرغوثي
احتضن مسرح مؤسسة عبد المحسن القطان في رام الله، أخيراً، عرضاً لمسرحية "خبز الشاطئ" من إخراج تامر طافش وتمثيل موسى نزال. وكان احتضن مسرح البلد في عمان العرض الأول. وانتجت المسرحية مبادرة لوين للتعبير المجتمعي بدعم من مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي، واستند العمل المسرحي "مونودراما" إلى كتاب "أصيل والأطفال الخمسة" للكاتبة الغزية أصيل سلامة، من إنتاج مؤسسة تامر.
تروي سلامة في يومياتها، أي يوميات الحرب، منذ فجر السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 حتى التاسع والعشرين من فبراير/شباط 2024. بينما الثنائي المسرحي تامر طافش وموسى نزال، قررا أن يطلا على الحرب من العام 2050، التي لا تزال برغم مرور الزمن واضحة ندباتها. يتقاطع ذلك من ناحية الفكرة، ربما، مع العمل البديع للمخرجة السينمائية مها الحاج في فيلمها "ما بعد"، والذي يظهر حالة النكران عند الأب والأم، بينما في حالة أصيل تظهر حالة "فقدان الفقدان على التجاوز" من فداحة الإبادة.
يصحبنا العرض في رحلة أصيل، وفي تفاصيل الحياة اليوميّة خلال حرب الإبادة على قطاع غزّة. وبين الحرب والنزوح، تتكشّف حكايات وتجارب لم تُروَ بعد، وتفاصيل لم يُسلَّط الضوء عليها.
يحاول أصيل النجاة وسط فوضى الحرب والتغييرات التي طرأت على حياته، ويضعنا أمام تجربة اجتماعيّة وإنسانيّة تُروى بصوت واحد، لكنها تحمل أصداء مئات آلاف الفلسطينيين. وسط هذا الدمار، وبين الخبز والانتظار في زمن النزوح، يبقى السؤال: كيف يبدو المستقبل؟
تداخل الأزمنة: من الحياة الوردية إلى النيران المشتعلة - (الخبز)
يكشف لنا الفصل الأول عن "نوستالجيا مشوهة" بفعل الحرب، يبدأ الحاج الخمسيني أصيل، بتذكر الماضي الجميل، قبل أن يقطع شريط الذكريات صورة قطعة البيتزا، التي يستذكر جمال اللمة، وبشاعة التجارة في الحرب، حيث تجاوز سعرها الألف شيكل، في إشارة واضحة إلى فحش التجار في زمن الحرب. ومع عرض صورةً "الطابون الذي صنع على يومين" (أنظر: "أصيل والأطفال الخمسة، يوم الأول من نوفمبر/تشرين الثاني 2023) يكشف لنا عن قدرة الإنسان الفلسطيني في غزة على التأقلم والاجتماع والتجمع في أقسى أحلك الظروف: ظرف الإبادة. صورةً أخرى تكشف لنا عن محاولات الفلسطيني بالتشبث بأبسط الأشياء، حيث يظهر على شاشة المسرح صورة طفلة (أحد الأطفال الخمسة كما يظهر في الكتاب) تتشبث بدميتها في رحلة النزوح القاسية والمتعبة، والتي تظهر آثارها في انحناء ظهر الحاج أصيل.
ننتقل خلال ساعة عرض المسرحية بين ماضي أصيل الطفل، ومستقبله الشيخ، بين الإقبال على الحياة والإصرار عليها، والبقاء في الماضي وعدم القدرة على التجاوز. فانحناء الظهر والاتكاء على العصا، وضعف النظر بلبس النظارة، يُظهر لنا أثر الحرب الذي لم يزول، برغم تعاقب السنوات.
ينتهي زمن "الحياة الوردية" عند أصيل، بدخول زمن "النيران المشتعلة"، بعدما يستيقظ لشراء الشاي من العم "أبو كمال": أول ضحايا الحرب.

يبدأ سرد ذكريات الحرب، بصوت الراوي، مصحوباً بنزول "كتاب الذكريات" من سقف المسرح (والذي يظهر منه نوتات أغنية "شو هالأيام" للفنان الراحل زياد رحباني والتي تعتبر إحدى "هدايا المسرح" كما يصفها المخرج طافش)، ويتمحور السرد حول مآلات الحرب وتحول ألوان الحياة "الوردية" إلى "رمادية" بفعل القصف الجنوني الذي لم يتوقف.
تصل الحرب إلى غرفة أصيل، ليس قصفاً ولكن بنزوح الأقارب إلى غرفتها، حين تتحول المساحة الحميمية إلى مجتمعية، عندما تستقبل العائلة الأقارب والجيران، ويتحول البيت والغرفة إلى ملجأ للنازحين. يصحب ضيق المنزل، رحابة صدر أصيل عندما يتحول "محمد" من شخص لا يكن له أي ود إلى أعز الأصدقاء. تتحدث الكاتبة أصيل عن هذا في يومياتها، بأنها "ودعت مساحتي الشخصية للأبد" إلا أنها استطاعت تحويل هذا الوداع إلى مشاعر حب وصداقة غمرت بها من باتوا يتقاسمون معها مساحة نومها.
يشرح لنا مشهد "وصايا الحرب" عنوان الفصل الأول "الخبز"، حين توصي أم أصيل "ولا واحد يطلع بالخبزة برا الناس مش ملاقيه توكل. ولا واحد يكب فتفوتت أكل. وإذا لقيت رغيف خبز أقسمه بينك وبين صحابك". وفي اليوميات توثق الكاتبة أصيل لحظات "بهدلة" الأمهات لأطفالهم بأن لا يأكلوا الخبز خارج الخيمة.
وصداقات الحرب التي يصنعها تقاسم الخبز، لا تدوم، كما الأشياء في الحرب. لم نعرف بعد مصير صديق أصيل الوحيد، الذي تركت لنا المسرحية مساحة للتفكير والبحث عن مصير من ذهبوا للبحث عن المساعدات، هل عادوا أم لم يعودوا أم كما يقول درويش "كأنهم عادوا". وهنا يشترك الجمهور في "كسر الجدار الرابع" عندما يطلب الممثل نزال من الجمهور نفخ البلالين وإلقائها على المسرح، تكشف اللحظة المكثفة عن تداخل الأزمنة: انتهاء زمن التذكر، والعودة إلى واقع الإبادة.
وبالنسبة للمخرج طافش، فلحظة إلقاء "البلالين" تحيل إلى القنابل التي دفعت بأصيل وعائلتها للنزوح، ومعها يحدث "فك الزمن"، انتهاء زمن "التذكر" وبداية زمن ندبات الإبادة.
الفصل الثاني: تذكر الشاب أصيل ماضي أصيل الطفل - (الشاطئ)
تظهر ندبات الحرب مع بداية النزوح، واقتراب القصف وبالتالي الموت "إجى دورنا"، وسيلان الأسئلة "ماذا يحمل النازح معه؟". ويجيب عن هذا التساؤل بمشهد يحمل فيه أصيل غزة بالمعنى الحرفي للكلمة على كتفه، يظهر قمر غزة وشاطئها، وكلاهما تربطهما علاقة ما بأصيل، كما أهل غزة. والأغنية في الخلفية تقول:
"حامل غزة ع كتفي، بس نسيت بحر،
حامل خيمتي ع ظهري، بدور ع متر بمتر،
بعد شوي بتغيب الشمس، وباخذ ضوء القمر،
يا بحر لا تتحرك، خبزي لسى ع شطك،
يا ترى متى بنرجع".
ما أن يضع أصيل غزة عن كتفه، حتى يبدأ فصلاً جديداً من المعاناة في خيمة النزوح، والتذكر: تذكر الماضي القريب، ماضي الخبز، ماضي البيت الذي تحول إلى خيمة. على لسان الجدة "مريم" توصينا المسرحية بالأمل، ولكن "الأمل الواعي" كما أوصت به الكاتبة أصيل. وبكلماتها: "هاي الفترة صعبة، بس كل مُرة بيمر. لازم تكون أسرع من الحرب، الحرب بتجري وراك، اوعى تخليها تسبقك. كون مع أصحابك زي ما أنت".
والأمل الواعي الذي تتحدث عنه أصيل، بل وتوصي به. مسعاه الأساسي "هزيمة الحرب"، "ولكن الحرب لعبة، ومتعبة وبتهد الحيل". والتذكر والاشتياق، أيضاً متعب. ذهب البيت. وذهبت الحارة بلا رجعة، لأنه لم يعد هناك حارة، ولا أصدقاء، ومحمد لم يعد.
تنتهي المسرحية، المكونة من فصلين وسبعة مشاهد، بسؤال إلى جمهور:
أن يكتبوا رسالة إلى محمد. ماذا بعد أن تخلص الحرب؟ هل خلصت الحرب؟ وماذا بعد؟
واستمع الحضور إلى رسالة مسجلة لأصيل من داخل خيمتها في مواصي خانيونس قالت فيها: "كتبت هذه النصوص وأنا برافق الأطفال بحاولوا يعيشوا رغم كل شي، بضحكوا، بندهشوا، بتعلقوا بالحياة. الحياة اللي وهبتهم الخوف والنزوح والحرب، برغم هيك كان عندهم أمل كبير".
يعتبر هذا العمل على أهميته وقدرته على الحديث عن معاناة الحرب وندباتها المتمثلة بالجسد والذاكرة مهما مر الزمن، إلا أنه ينقصه الولوج إلى واقع الإبادة التي لم تنتهي بعد، والتي لا زالت تشكل الأجساد الفلسطينية وتضعها في حالة تأهب وتوتر وقلق دائم، وعجز عن تخيل المستقبل وسؤال كيف نتذكر الماضي، وهل سنتذكره؟ ومتى سنستخدمه؟ وهو التساؤل ذاته التي تختتم سلامة يومياتها به "كيف سنتذكر الحرب ونستخدم صيغة الماضي؟".
