٢٠٢٥ ليت الزمن توقف في بدايتك وليت قلبي توقف أيضا

Tammam Azzam, 'Goya', Syrian Museum series

ميسون شقير

كاتبة من سوريا

أعرف لكني أيضا لا أفهم كيف يمكن أن أجيب ابنة أخي الشهيد الذي دفع حياته لنصرة ثورة السوريين، حين تسألني لماذا لا أستطيع الذهاب لجامعتي، لماذا يهددوني رفاقي بالقتل ويشتمونني "درزية"، بماذا سأجيبها وقد رأت والدها مثقوب الصدر وهي في التاسعة من عمرها، 

للكاتب/ة

لا أفهم وكل ما أعرفه اليوم في بداية سنة 2026 هو فقط أني أتمنى من كل قلبي لو أن الزمن توقف في بداية عام 2025، لو أن الأرض كفت حينها عن الدوران، ولو أن قلبي توقف أيضا عن الخفقان، يا ليته توقف عن الخفقان. 

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

11/01/2026

تصوير: اسماء الغول

ميسون شقير

كاتبة من سوريا

ميسون شقير

تقول خولة مقراني: "الزمن قرين الوجود، الانفكاك عنه موت أو جنون وفكرة تدفق الزمن ليست إلا وهما ليس أكثر"، وعلى الرغم من أن مفهوم الزمن بحد ذاته هو مفهوم نسبي اخترعه الإنسان بالتواطؤ مع الطبيعة ليلبس الوقت أسماء توهمه بقدرته الهشة على التحكم وليقنع نفسه بالقوة والسادة، إلا أن الزمن الذي يترك خلفه قلوبا تسيل من الوجع على الرصيف مع دماء الأحبة الذين عبرهم الزمن ولم يعبروه، حينها لن يكون الزمن مفهوما عبثيا ولا نسبيا بل سيكون دما واقعيا وفقدا قاتلا مستمرا يعيد إنتاج نفسه من الزمن ذاته، كلما برد قليلا، كطائر الفينيق الذي يتوهج أقبل على نهايته حينها ستصبح التواريخ وشما على خاصرة القلب ويصبح الوقت نقش خنجر.

ولأن نصيب السوريين من الزمن كان دما طويلا، مثله مثل حصة الفلسطينيين الطافحة والممتدة من الظلم والقهر والفقد والموت الذي يسيل على كساعة بيكاسو، لا يمكن لنا أن نخرج من مفهوم الزمن الوهمي، ففي الأربعة عشر عاما الأخيرة حفر الزمن وجهه على كل وجوه السوريين، حفره على وجوه الشهداء الذين نجوا من الحياة، على الوجوه التي ماتت تحت التعذيب في أقبية الأسد وفقدت ملامحها، وعلى تلك التي أكل السمك عيونها في قاع البحر فازدادت ملوحته، وحفره أيضا على وجوه من بقي لأن الموت أخطأه بالصدفة، أو لأن حظا عائرا جعله يكمل رحلة الخيبة والخذلان.

طيلة هذا الزمن الذي شكل متتالية من التضحيات والملاحم مثلما شكل سلسلة من كل أنواع التوحش البشري الذي تمادى وبدعم من كل العالم، كان الأمل وحده ملجأ من بقي منا، كان الحلم ببناء بلاد ككل بلاد الأرض يحكمها القانون وتسودها قيم المواطنة والعدالة والتشاركية التي دفع أكثر من مليون شهيد فرصتهم الوحيدة بالحياة لأجل الوصول إليها، كان هذا الحلم بمثابة القشة الأخيرة بين كل هذا الغرق، والأكسجين الوحيد القليل المتبقي في هواء سوريا الرصاصي الكيماوي والمتعفن.

وعلى الرغم من أن استمرار الأسد ليوم واحد كان يعني استمرار آلة القتل الممنهج بسحب الأرواح مثلما كان يعني صعود اليأس بحصول أية معجزة تعيد ترتيب كل تلك القلوب المشطورة من منتصفها وتقشر عن جلودنا وأعيننا لحاء الهزيمة السميك المطاطي الخانق، إلا أن انكسار الأمل وخيانته جاءت أصعب من كل ما احتملنا أو ما كننا نعتقد أننا نحتمل.

في بداية هذه السنة التي لها رأس واحد ولها ألف ذيل، كان حصول المعجزة، معجزة بحد ذاته، فسقوط نظام الأسد العامودي الحر المدوي جعل كل سوري في كل بقاع الأرض يتعرف على نفسه وكأنه ولد للتو، وكأنه وعى ولادته وذاته وملامحه للتو، مثلما جعل تلك الأحلام ببلد حر متعافي مترفع عن كل ما مضى، تتطاول فينا إلى حدود السماء، وجعلني وللمرة الأولى أنظر في عيني أخي خلدون الشهيد المدني الذي اغتاله الأسد منذ ثلاثة عشر عاما في أرض والدي، أنظر في عينيه وأقول لهما: "نعم لقد انتصرنا يا حبيبي،  نعم لقد سقط الأبد، فاضحك كعادتك واترك لابنك كل هذا الإرث الجميل". 

في بداية 2025 في هذه القطعة الجميلة من الحياة عدت إلى سوريا بعد أحد عشر عاما من الغياب القسري، عدت إلى قلبي الذي تركته فيها يحميه والداي وأهلي واسمي على صيدليتي وتحميه أغاني الثورة، عدت وكانت العيون لا تزال تشع بألق حار متوهج، كانت الفرحة طاعنة بالدهشة والأهم من كل هذا أنها كانت جامعة لكل عيون السوريين بمختلف مشاربهم وطوائفهم، نعم لقد جمعت الثورة والتحدي السوريين، جمعتهم رغم سياط الرعب والقمع والقتل والاعتقال، جمعتهم بعمق كنت أراهن عليه وأدافع عنه وأجزم أنه باق طالما أنا باقية.

اليوم يأتي رأس السنة الميلادية مرة أخرى، رأس أراه أعورا ومشعثا، يمد لسانه بوجه عمرنا الذي فقدناه لنصل لبلاد وحدتها المصائب والآلام والانهزام، وفرقها الانتصار، كأن كل ذاك الدم وكل تلك الهتافات كانت من ماء وهواء ليس إلا، كأن الدم لا ينجب إلا دما وكأن الرعب لا ينجب إلا الذعر! 

وعلى الرغم من أنني أعرف أن المجزرة المستمرة التي قام بها الأسد ضد شعبه طيلة أربعة عشر عاما كفيلة بأن تنمي الحقد على حساب الوعي، والكره على حساب التذكر، والجغرافية على حساب التاريخ، وأعرف أن عدم تحقيق العدالة الانتقالية الحقيقية تجعل الضحايا أسرى دائمين لسيكولوجيا الضحية وغير قادرين على الخروج منها، وتجعلهم قابلين إلى التحول لطغاة جدد، أعرف أن هذا التحول من الضحية إلى الجلاد، هو تحول لا يلزمه إلا عود ثقاب صغير، يجعل من المحسوبين على الضحية قابلين للتحكم بهم كقطيع يَنجرّ لأية فكرة تمكنه من الإحساس بالقوة والانتصار بعد كل تلك الهزائم، قطيع يعيش المظلومية المحقة لكنه يُفرغ مظلوميته في أية جهة يجدها أمامه، المهم بالنسبة له هو أن يتخلص من الإحساس بالعجز الذي فرضه عليه الأسد طيلة كل تلك السنوات. وأعرف أيضا أنه بدون عدالة انتقالية ستنمو العدالة الانتقامية لدى الأفراد والجماعات وتعيدنا إلى عصور الثأر الفردي القبلي البدوي، كأننا لم نمر يوما بمفهوم المواطنة أو كأننا لم نعرف المدنيّة ولا القانون ولم نكن يوما أصحاب أول وأروع الحضارات على هذه الأرض، كما أنني أعي أن طيلة حكم الأسد الأب ومن ثم الابن، وأعرف أن المجتمع السوري خسّر فرصته في التحول الطبيعي نحو بناء دولة مواطنة تحكمها القوانين العلمانية، حين ابتلع قمع الأسد ورعب دولته التي بناها من جماجم معارضيه، ابتلع المشروع القومي، مثل ابتلع المشروع النهضوي العلماني خاصة وأنه أقام دولة الموت والذعر باسم العلمانية. أعي تماما أن الأسد روّج وبشكل ممنهج لفكرة أن الأقلية التي ينتمي إليها بالوراثة هي المسؤولة عن كل هذا الدمار على الرغم من أن الحقيقية الوحيدة في سوريا هي أن الأقلية التي تتمثل بكل من ساند الأسد من علويين وسنة (وهم كثر) ودروز ومسيحيين وأكراد وأرمن، هم الأقلية الحاكمة الظالمة وليست أية أقلية طائفية أو اثنية أخرى، على الرغم من أنني أعرف وأعي كل هذا، إلا أنني لا أستطيع أن أتقبل أن يأتي المظلوم الذي انتصر أخيرا ويقوم بمجازر لها نفس لون مجازر الأسد، ويقبل أن يقتل باسم الأكثرية ويفقأ عين المواطنة إلى الأبد، ولا أن يقوم بقتل المدنيين الفقراء في الساحل السوري ولا أن ينسى هذا السوري المظلوم التاريخَ ويتعامى عن دور مكون سوري في بناء الدولة السورية وتخليص سوريا من الاستعمار الفرنسي، ودورها في اشعال روح الثورة لسنتين متتاليتين وحدها في ساحتها التي لم تهدأ، ولا أستطيع أن أفهم كيف ينتشر فكر التكفير لكل من امتلك رأيا مخالفا، وكيف يصبح قتل المدنيين العزل بحجة انتمائهم الوراثي للطائفة العلوية، كيف يصبح هذا القتل سُنّة جديدة في سوريا.

وعلى الرغم أيضا من أنني أعرف أن السويداء التي أنا، منها قد جُرحت في صميم هويتها الوطنية بسبب المجزرة الطائفية التي قادها نظام الجولاني في سوريا بالتعاون مع الأمن العام والعشائر، في تموز 2025 وراح ضحيتها الآلاف من المدنيين الشباب والأطفال والنساء والشيوخ، وأعرف أن مدينتي السويداء قد عاشت منذ مئة عام وبنت هويتها على دورها الوطني التحريري الذي قامت به ضد الفرنسيين والذي تجاوز كثيرا حجمها فهي الأقلية التي تشكل 3% والتي دفعت 62% من عدد شهداء الثورة السورية 1925، وأنها رفضت أن ترسل أبناءها لجيش الأسد، وبقيت ساحة كرامتها مشتعلة بوجه الأسد حين صمتت كل الساحات، وأعرف أن طعن هذا التاريخ واتهام أهلها بالخيانة وتكفيرهم ومن ثم ذبحهم قد ذهب بعقل ناسها، أعرف كل هذا إلا أنني لا أستطيع ولن أستطيع أن أفهم كيف ترتفع يوما في السويداء ذاتها صور نتنياهو قاتل الأطفال وكيف يرفع الناجي من مجزرة طائفية صور أكبر جزار طائفي عرفه التاريخ؟.

أعرف لكني أيضا لا أفهم كيف يمكن أن أجيب ابنة أخي الشهيد الذي دفع حياته لنصرة ثورة السوريين، حين تسألني لماذا لا أستطيع الذهاب لجامعتي، لماذا يهددوني رفاقي بالقتل ويشتمونني "درزية"، بماذا سأجيبها وقد رأت والدها مثقوب الصدر وهي في التاسعة من عمرها، لا أفهم وكل ما أعرفه اليوم في بداية سنة 2026 هو فقط أني أتمنى من كل قلبي لو أن الزمن توقف في بداية عام 2025، لو أن الأرض كفت حينها عن الدوران، ولو أن قلبي توقف أيضا عن الخفقان، يا ليته توقف عن الخفقان. 

الكاتب: ميسون شقير

هوامش

موضوعات

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع