"أفغانستان: يوميات جندي": رواية المجد على الطرف الآخر من الهاوية (ترجمة)

Martha Rosler, “Invasion” from the series “House Beautiful: Bringing the War Home, new series”, 2008, photomontages. Galerie Nagel Draxler Berlin

ميسون شقير

كاتبة من سوريا

لأن الجميع أموات: أولئك الذين يهاجمون ويدافعون عن أنفسهم، أو العكس؛ أولئك الذين يبحثون عن معنى أخير في طلقاتهم في صمت الليل، أو أولئك الذين يعرفون بالفعل مدى إهانتهم للعالم؛ أولئك الذين يسعون في نهاية المطاف إلى الحرية: لقد قطع غييرمو دي خورخي وعداً على نفسه في مهمته الدولية الثانية:

للكاتب/ة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

02/02/2026

تصوير: اسماء الغول

ميسون شقير

كاتبة من سوريا

ميسون شقير

كتبها أنخيل سيلفيلو غابرييل، ونشرت في escritores في حزيران ٢٠١٦. 

يقول الشاعر غييرمو دي خورخي في مجموعته "أفغانستان مذكرة جندي":

ما هو طعم الموت؟ 

طعمه كالمعدن الصدئ. 

ما هي رائحته الكريهة؟ 

رائحته كعرق ليالٍ لا تُحصى من الأرق تحت القبة الزرقاء التي تحمينا كل يوم. 

ما قيمة حياة الجنود؟ 

قيمتها كل يوم يقضونه 

بعيدين عن أحبائهم"

وهكذا تتكشف التقاليد الشفوية التي تحولت إلى شعر في هذا العمل الفريد: أفغانستان: يوميات جندي، دار نشر بلايا دي أكابا، 2016 وهي مجموعة قصائد تتجاوز كونها مجرد قصائد عن الحرب والسلام، بل إنها في الحقيقية تمثل كتابا ضروريا، بل يمكن القول إنه كتاب بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ليس ضرورياً فحسب، بل جوهرياً وعالمياً وفريداً، لأن ما يميزه ويجعل منه كتابا لا غنى عنه هو الشجاعة والصمود والمخاطرة والاتزان الذي كُتب به: "كان ينبغي أن تُترك للأمهات حرية إعلان الحرب بين الأمم المختلفة. كان ينبغي أن يكنّ هنّ من يحددن أثمان أبنائهن، إن كانوا حقاً يملكون ما يلزم".

إنّ جوهر الحياة، الذي يُفهم على أنه الحاجة الفطرية للعيش بحرية، هو ما يتخلل كل سطر في هذا الكتاب، فعلى الرغم من وجود الكثير من الذخيرة، والبارود، ومخازن الرصاص... إلا أن ما يُروى لنا هنا ليس كيف تُطلق الرصاصة نحو هدفها، بل العواقب المترتبة على إصابة تلك الرصاصة لهدفها. حيث لا تتحدث هذه القصائد عن الموتى فحسب، مع أنها تتحدث عنهم، بل إنها تتحدث عن النساء والأطفال الذين تُركوا بلا أب أو زوج، ذلك لأن الحب هنا هو استحضار للنقاء وشريان الحياة الأخير لوجود كامل: 

"أنا هنا، رجل حر،

لكني  أسير للرجال الذين يقاتلون، 

الرجال الذين يطرقون أبواب الجحيم، 

أسير أولئك الذين رفضوا ابتلاع دمي،

 وأسماء أطفالي بين أسنانهم،

أسير كل الذين يتوسلون 

لإنهاء هذه الحرب. 

أنا أتحدث إليكِ يا حبيبتي

نعم وليس عن هذا العالم 

الذي لم يعد ملكي"، 

وبينما تدوي طلقات الرصاص على إيقاع الكلمات والأبيات والأفكار. وبهذا المعنى، لا يسع المرء إلا أن يتخيل مؤلفها، غييرمو دي خورخي، ممسكاً بدفتر ملاحظاته، يكتب بقلمه على تلك الصفحة الفارغة، يفعل ذلك في عزلة وصمت ليالي أفغانستان، التي بالكاد يسكنها عواء الذئاب أو صفير تلك الرياح القاتلة التي، بالتأكيد، رافقته طوال مهمته في مكان أطلقت عليه اسم "موطن الرياح"، حيث غمد مؤلف هذه المذكرات قلمه، مثل سرفانتس في القرن الحادي والعشرين، محتمياً تحت درع معدات حملته. وكل هذا في أيامٍ اتخذت فيها النجاة معناها الحقيقي، وحين كانت حاجته لرفاقه لا تقل أهمية عن ذكرى أحبائه، فكلاهما كان ما أبقاه صامدًا على قيد الحياة وسط الوحشية (شخص لا يؤمن إلا بالإنسانية). 

وكما يقول غييرمو دي خورخي ببراعة في بداية هذه القصة التي حُفرت في أعماق نفوسنا: 

"هذه ليست قصتي. 

هذه قصتكم جميعا، 

وأنا 

أريد أن أرويها"، 

لأن ما يُروى هنا هو تلك الرحلة الأخيرة إلى الجانب الآخر من الهاوية، حيث لا يزال هناك احتمال ضئيل للعودة حيًا، اليوم، كما في مناسبات عديدة أخرى عبر التاريخ البشري، لا يحتاج المرء للموت إلى التوقف عن التنفس؛ بل يكفيه السفر إلى الجحيم. أحد أنواع الجحيم موجود في أفغانستان، في قاعدة لودينا-سانغ أتيش للدوريات في كامارا، وفي قاعدة الدوريات في مرتفعات غيراشوري، وفي قاعدة الدوريات في ميسا دي لوس تريس رييس-غولو جيراك، أو في قاعدة فييرا دي كلافيهو-قلعة-إي-ناو للدوريات، لأنه، كما يخبرنا مؤلف هذه القصائد عن السلام والحرب ببراعة: 

"هذه هي الأرض 

التي ترقد فيها

 رفات موتاي"، 

لأن الجميع أموات: أولئك الذين يهاجمون ويدافعون عن أنفسهم، أو العكس؛ أولئك الذين يبحثون عن معنى أخير في طلقاتهم في صمت الليل، أو أولئك الذين يعرفون بالفعل مدى إهانتهم للعالم؛ أولئك الذين يسعون في نهاية المطاف إلى الحرية: لقد قطع غييرمو دي خورخي وعداً على نفسه في مهمته الدولية الثانية: أن يروي ويصور رحلة من خلال عيون جندي وروح شاعر؛ رحلة إلى صحراء بطعم المعدن، طعم الموت، ولكن أيضاً، في جوهر ذلك الوعد، كان هناك أيضاً العويل الذي يسعى إلى المعنى النهائي للحياة من خلال الحب، دون أن ينسى أنه كان هناك قسم أعمق، لأن هذا الكتاب يمثل، مثل قليل من الكتب الأخرى، جوهر قيمة المجد المروية من الجانب الآخر من الهاوية.

يقول غييرمو بلسان هذا الجندي الذاهب للحرب:

"أتعلمين يا حبيبيتي

أنا صخرة

أنا جذورٌ راسخة

أنا يدُ الذاكرة التي ترتجف

وأنا أيضا

صورةُ ذلك المبنىً 

الذي يحترق.

ربما، اليوم،

سأرسمُ انتحارًا

بقبلة

وأُدمرُ بذلك

حصونًا عتيقة

وطفولةً لم تُعش قط.

على شفتيكِ سأتركُ

جزءًا من تلك الحياة التي عشتها

عيونُ المنفى

إصبعٌ مُتسائل

على يد

مُتسوّل عجوز.

ويقول أيضا في مقطع بعنوان "قاعدة الدورية في مرتفعات غيراشوري":

"بحسب تقرير المعركة اليوم، قُتل ثلاثة متمردين آخرين بنيران الهاون.

لكن بعضهم، في مكان ما من هذا العالم، يهنئون أنفسهم على مقتل ثلاثة رجال؛ وآخرون يحتفلون بهذا النصر في ساحة معركة أخرى، في مدينة أخرى، في بلد آخر.

أما أنا

فلا أفكر إلا

فيما فعله أطفالهم، 

وأفواههم الجائعة التي تغمس الخبز والحليب؛ 

أو فيما فعلنه نسائهم، 

وهنّ كالأهلة الزرقاء، 

ما فعلنه ليستحقن هذا.

حين رحل ثلاثة من الجنود الآخرين  

أعترف أنني، وللمرة الأولى، لست مضطرًا للحزن الشديد على موت جندي. 

لست مضطرًا لتذكر آخر مرة شربت فيها الشاي معه أو استحضار آخر إبريق شربناه معًا. إلى تذكر متى كانت آخر مرة نظرنا فيها إلى بعضنا البعض مباشرة في أعيننا

بينما كنا نخبر بعضنا البعض عن أيام لن نعيشها مرة أخرى.

لكني مع كل هذا، أشعر بعد مقتل ثلاثة متمردين

بالوحدة

والوحشة التي لا تنتهي.

فأنا لم أثق قط

بأسياد

الحرب. 

وفررت من حرق المدن 

لأني

أردت أن أعيد قراءة

المخطوطات القديمة

أترين 

أنتِ فقط يا حبيبتي

عندما تبتسمين

تبدين

وكأنكِ قادرة

على إخماد كل

حروب

العالم".

الكاتب: ميسون شقير

هوامش

موضوعات

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع