"يونان" لأمير فخر الدين: عن الذاكرة والقلق والانتماء

من الفيلم، معدلة.

31/01/2026

تصوير: اسماء الغول

أحمد الحرباوي

كاتب من فلسطين

أحمد الحرباوي

روائي وباحث في الأنثروبولوجيا الثقافية

لا يبدأ فيلم "يونان" للمخرج أمير فخر الدين بوصفه حكاية، بل بوصفه حالة شعورية مكبوتة عن الاغتراب والندم، حالة يصعب البوح عنها على أرض الواقع حتى في أكثر اللحظات انهيارًا، لكن كاميرا المخرج استطاعت أن تجسدها على هيئة صورة مثل معجزة لا يمكن لأحد إنكارها.

يبدأ الفيلم بحالة باردة، صامتة، تشبه الماء في ابريق قبل أن تمسه النار، هدوء بدون حدث يندفع، ولا مشاعر تُفرض على المتلقي، كما حالة الاغتراب التي نعيشها دون أن نلحظها قبل أن تنفجر، هذا البرود ليس فراغًا، بل توصيفًا نفسيًا دقيقًا، يضع المشاهد على المسافة نفسها التي يقف فيها بطل الفيلم من نفسه، وهي مسافة الاغتراب عن الذات.

يتقدّم الفيلم ببطء محسوب، يسمح للصورة بأن تتماهى مع المشاهد دون أن تواجهه، في هذه المسافة من الأسئلة حول ما يريد المخرج تقديمه، يكون المشاهد قد أصبح خارج التجربة، خارج نفسه التي ما ينفك من مراقبتها عبر شاشة، ومع توالي اللقطات، ومع تراكم الصمت، والفراغ، ووجه المبدع جورج خباز بكل انفعالاته الحسية والوجدانية، يبدأ ما لا يتم توقعه.

مشاهد الفيلم لا تمنح المعنى دفعة واحدة، بل ترغمك على استثمار ذاتك فيها، فتبدأ بالتفاعل ثم بالتماهي، إلى أن تصل في النهاية إلى ذروة الغليان الشعوري، هذا التحوّل لا يحدث عبر الحوارات أو حدث متأجج، بل عبر الإيقاع البصري والزمن الممتد، واللقطات التي تُبقي المشاعر معلّقة، كما لو أن الفيلم يؤجّل الانفجار عمدًا، إلى أن يصبح داخليًا لا خارجيًا.

اسم "يونان" ليس تفصيلًا دلاليًا، بل مفتاحًا رمزيًا للفيلم كله، فهو استعادة معاصرة ليونس الذي ابتلعه الحوت؛ لا بوصفه نبيًا بل بوصفه ذاتًا معزولة داخل ظلامها -من خلال استدعاء الموت بالانتحار- هذا الظلام لا يُقال في الفيلم، بل يُرى، ورمزية الحوت الميت على اليابسة بعد مدٍّ قوي انحسر البحر عنه

هي لحظة تكثيف بصري كان هدفها أن تخبرنا بماهية ما يبقى فينا بعد أن يمرّ الحزن، والاغتراب، والوحدة، الحوت هنا هو بقايا التجربة الثقيلة التي لا تعود إلى البحر، ولا تعود إلى الحياة، بل تبقى شاهدة على ما مرّ، إنها صورة للاغتراب حين يتحوّل من حالة عابرة إلى ثقل داخلي دائم.

لا يقدّم الفيلم الغربة بوصفها انتقالًا جغرافيًا، بل بوصفها انفصالًا وجوديًا، الغربة، كما يصورها "يونان"، تكمن في العيش من أجل اللحظة، خارج الجسد، خارج الامتداد الطبيعي مع الأرض الأم، والعائلة، والذاكرة، وهذا الانفصال عبرت عنه الصورة بطريقة لا مثيل لها، من خلال فقدان البطل تدريجيًا لتماسكه الداخلي، لذاته التي لم يجدها فازدادت تشظيًا.

أكثر ما يميز الفيلم هو قدرته على تجسيد الصمت والثقل وعدم القدرة على الكلام، الحوارات القليلة في الفيلم لم تشرح، والتكثيف البصري السينمائي عوض هذا النقص في التعبير، وخلق شكل آخر منه، الكتمان في هذا الفيلم تحول إلى لغة بصرية، وفي هذه الحالة، تحولت السينما إلى مساحة آمنة للإسقاط: المتفرّج يضع مشاعره داخل الصورة، ويجد فيها صدى لما لا يستطيع قوله.

يبني أمير فخر الدين "يونان" على دراما الامتناع أكثر من دراما الفعل. فالقصة لا تتشكل عبر سلسلة قرارات، بل عبر سلسلة تأجيلات: تأجيل الكلام، تأجيل العودة، وتأجيل المواجهة. الشخصية لا تتقدم نحو هدف، بل تتوقف عند نقاط صامتة، وكأن السرد نفسه يتعمد تعطيل منطق إلى أين نمضي؟ لصالح سؤال أكثر قسوة: لماذا لم نعد قادرين على المضي أصلًا؟

في هذا البناء، لا يؤدي الزمن وظيفة الربط بين الأحداث، بل يتحول إلى عنصر ضغط، الأيام تمر دون أن تُحدث فرقًا جوهريًا، ما يجعل الحكاية تبدو وكأنها تتحرك أفقيًا لا عموديًا، هذا الخيار الدرامي يسحب من السرد وهم التطور، ويضع المشاهد أمام تجربة انتظار طويلة، انتظار لا يُكافأ بانفراج، بل بتعرية تدريجية لحالة الانفصال التي تعيشها الشخصية عن ذاتها.

تتخذ القصة شكل حركة داخلية مغلقة، حيث كل مشهد يضيّق الدائرة بدل أن يفتح أفقًا، لا توجد قفزة درامية، بل انحدار بطيء نحو لحظة وعي متأخرة، لحظة لا تقدّم حلًا ولا خلاصًا، وإنما تكشف أن ما كان يُظن مؤقتًا قد استقرّ، وأن الحالة التي حاولت الشخصية تجاوزها أصبحت بنيتها الأساسية، بهذا المعنى، لا ينتهي الفيلم عند خاتمة سردية، بل عند اكتمال التجربة: حين يدرك المتفرّج أن ما شاهده ليس مسار شخصية فقط، بل شكل سردي يعكس عجز الإنسان المعاصر عن إعادة وصل ما انقطع داخله.

"يونان" ليس فيلمًا يُشاهَد ويُنتهى منه، بل يرافقك فترة أطول مما تتخيلها، لأنه يخلق تجربة شعورية بطيئة، تتراكم، وتسخن، وتغلي في الداخل، بعد أن استطاع بكل براعة تحريك الرغبة، والذاكرة، والحنين، والقلق الوجودي، والسينما في هذا السياق لا تكون حيادية، بل فاعلة، تُعيد ترتيب علاقة الإنسان بذاته، وبمفهومه عن الانتماء.

 

هوامش

موضوعات

للكاتب/ة

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع