"الفراديس الملغومة": المكان الفلسطيني بوصفه ذاكرة حية

Mother and Child, by Sliman Mansour, 2009 (DR)

أحمد الحرباوي

كاتب من فلسطين

وفي هذا كلّه، تنجح رواية الفراديس الملغومة للكاتبة نسب أديب حسين في بناء نصّ يتجاوز حدود الحكاية التقليدية، ليصبح شهادةً أدبية وفكرية على التحولات العنيفة التي يعيشها الإنسان الفلسطيني داخل وطن يتآكل جغرافيًا ونفسيًا ورمزيًا،

للكاتب/ة

فالرواية لا تبحث عن خلاص جاهز، ولا تُقدم يقينًا أيديولوجيًا مغلقًا، بل تفتح أسئلة الهوية والذاكرة والانتماء على احتمالات القلق والتشظي والمقاومة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

31/05/2026

تصوير: اسماء الغول

أحمد الحرباوي

كاتب من فلسطين

أحمد الحرباوي

روائي وباحث في الأنثروبولوجيا الثقافية

لا تنتمي رواية "الفراديس الملغومة" إلى السرد الفلسطيني بوصفها رواية حدث سياسي مباشر فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى مساءلة البنية العميقة التي ينتج عبرها الاستعمار معناه وهيمنته على المكان والإنسان والذاكرة، فالرواية لا تشتغل على الاحتلال باعتباره حضورًا عسكريًا مرئيًا فقط، وإنما بوصفه نظامًا معرفيًا وثقافيًا يعيد تشكيل الجغرافيا، واللغة، والهوية، والعلاقات الاجتماعية، وحتى إدراك الشخصيات لذواتها وأجسادها، ومن هنا يمكن قراءة الرواية ضمن أفق نظريات ما بعد الكولونيالية، التي تنظر إلى الاستعمار باعتباره بنية مستمرة تتجاوز لحظة السيطرة المباشرة، لتتغلغل في الخرائط، والمؤسسات التعليمية، والخطاب الثقافي، وآليات إنتاج الحقيقة نفسها.

تقوم الرواية على تفكيك العلاقة بين المستعمِر والمستعمَر من خلال فضاءات متشظية؛ فالقدس، والخليل، والجليل، ورام الله وغيرها والرامة والقرى غير المعترف بها، ليست مجرد أمكنة تتحرك داخلها الشخصيات، بل مواقع صراع على المعنى والوجود، فالاحتلال في الرواية لا يكتفي بالسيطرة على الأرض، بل يعمل على إعادة تعريفها: قرى تُمحى من الخرائط، جثامين تُحتجز، جامعات تعيد إنتاج المعرفة الاستعمارية، ومستعمرات تحاول ابتلاع الذاكرة البصرية للمكان، وهنا تقترب الرواية من الطرح ما بعد الكولونيالي عند إدوارد سعيد في كشف العلاقة بين السلطة والمعرفة، حيث لا تُمارس الهيمنة بالقوة فقط، بل عبر إنتاج سردية قادرة على تعريف الآخر وتحديد موقعه داخل التاريخ.

وفي الوقت ذاته، لا تقدم الرواية الهوية الفلسطينية بوصفها جوهرًا ثابتًا أو خطابًا مغلقًا، بل تكشف هشاشتها وتعددها وتناقضاتها الداخلية، الأمر الذي يجعل النص قريبًا من التصورات ما بعد البنيوية، خصوصًا في ما يتعلق بتفكيك المركز والثنائيات الصلبة، فالشخصيات في الرواية لا تتحرك داخل هويات مستقرة؛ قيس يعيش اغترابًا داخل المكان الذي يحبه، رند ممزقة بين الانتماء والهجرة، محمد يعيش أزمة اللامكان، وياسين يتحول من الانتماء التنظيمي إلى حالة سيولة وجودية حين يعلن أنه أصبح ياسين وبس، بهذا المعنى، ترفض الرواية اختزال الإنسان الفلسطيني في صورة نمطية واحدة؛ فلا البطل المقاوم يظهر بصيغته الكلاسيكية، ولا الضحية الساكنة، بل ذات قلقة ومتعددة ومفتوحة على الشك والانكسار والرغبة.

كما تكشف الرواية، عبر بنيتها الحوارية والمونولوجية، عن انهيار اليقينيات الكبرى، وهي سمة مركزية في القراءة ما بعد البنيوية، فالحوارات حول الدين والعلم، ونظرية داروين، والاستعمار المعرفي، لا تهدف إلى تثبيت حقيقة نهائية، بل إلى زعزعة الخطابات المهيمنة وكشف تناقضاتها، كذلك فإن المونولوجات الداخلية للشخصيات تكشف ذاتًا غير مكتملة، تتشكل باستمرار تحت ضغط الخوف والحب والذاكرة والعنف، بما يجعل الهوية عملية بناء دائم لا معطى ثابتًا.

تتوزع الفضاءات المكانية في الرواية بين القدس، الجليل، الخليل، رام الله، طولكرم، غزة، والقرى غير المعترف بها، إضافة إلى فضاءات خارجية مثل لبنان، لندن، والولايات المتحدة، القدس هي مركز القلق والذاكرة، تظهر عبر البلدة القديمة، باب العمود، الواد، باب الجديد، حارة النصارى، جبل المكبر، كفر عقب، التلة الفرنسية، العيسوية، المصرارة، وصلاح الدين. الجليل يظهر كفردوس طبيعي مهدد، خصوصًا في تجربة محمد، الخليل تظهر كمدينة مقاومة ومأزومة في آن: البلدة القديمة، حارة جابر، تسريب البيوت، الفقر، الطبقية، وعزوف أهل المدينة عن مركزها القديم، رام الله تمثل الحداثة والاغتراب، وطولكرم مدينة فقدت طابعها الزراعي، بينما غزة تظهر كجغرافيا محاصرة تضيق فيها المسافات والمعاني.

أما الحوارات، فهي تنقسم إلى داخلية وخارجية، الحوارات الداخلية أو المونولوجات تكشف الجرح النفسي العميق: مونولوج قيس في المكتبة، مونولوج رند بعد ظهور ماجد، مونولوج محمد عن اللامكان والبيت وليلى، ومونولوج ياسين عن أثر الاعتقال، هذه المونولوجات ليست اعترافات شخصية فقط، بل طرق لمقاومة المحو والصدمة، في المقابل، الحوارات الخارجية تكشف البنية الاجتماعية والفكرية التي تحاصر الشخصيات، من أبرزها حوار داروين والدين والعلم بين جورج وعائشة ورند وجوليا، وهو حوار يتجاوز العلم إلى نقد الداروينية الاجتماعية والاستعمار المعرفي والعنصرية، وهناك حوار رند وريماس حول ماجد، وحوار ياسين وعمه حول الخليل والبلدة القديمة، وحوارات اللقاءات الطلابية التي تكشف اختلاف التجارب الفلسطينية بين الداخل والضفة وغزة والقدس.

ومن هنا فإن "الفراديس الملغومة" يمكن قراءتها بوصفها رواية تفكيك؛ تفكيك للمدينة، وللجسد، وللخرائط، وللسرديات السياسية والثقافية الجاهزة، إنها رواية تكشف أن الاستعمار لا يحتل الأرض فقط، بل يحتل اللغة والتاريخ والوعي، وأن مقاومته لا تكون بالسلاح وحده، بل أيضًا بإعادة سرد المكان، واستعادة الذاكرة، وكشف البنية العميقة للهيمنة، ولذلك فإن أهمية الرواية لا تكمن فقط في موضوعها الفلسطيني، بل في قدرتها على إنتاج خطاب أدبي يشتبك مع أسئلة الهوية والسلطة والمعرفة من منظور نقدي يتقاطع مع ما بعد الكولونيالية وما بعد البنيوية معًا.

تقدّم الرواية عالمًا سرديًا واسعًا يقوم على تعدد الشخصيات والأمكنة والأصوات، بحيث تتحول الرواية إلى خريطة نفسية وسياسية لفلسطين المعاصرة، لا تعتمد الرواية على بطل واحد، بل على بطولة جماعية تتوزع بين قيس، رند، محمد، جوليا، جورج، عائشة، ريماس، سلاف، ياسين، حمزة، سائدة، عمار، وريم، واذا إضافة إلى شخصيات عائلية ورمزية مثل مازن، أبو مازن، حازم، ليلى، ماجد، وماهر، هذه الشخصيات لا تُقدَّم بوصفها أفرادًا فقط، بل بوصفها تمثيلات لتجارب فلسطينية متداخلة: المقدسي، ابن الداخل، ابن القرية غير المعترف بها، طالب الجامعة العبرية، الشاب الخارج من الاعتقال، المرأة الواقعة بين الحب والخوف، والباحثة التي تحاول قراءة أثر الاحتلال على الهوية.

وفي هذا كلّه، تنجح الرواية للكاتبة نسب أديب حسين في بناء نصّ يتجاوز حدود الحكاية التقليدية، ليصبح شهادةً أدبية وفكرية على التحولات العنيفة التي يعيشها الإنسان الفلسطيني داخل وطن يتآكل جغرافيًا ونفسيًا ورمزيًا، فالرواية لا تبحث عن خلاص جاهز، ولا تُقدم يقينًا أيديولوجيًا مغلقًا، بل تفتح أسئلة الهوية والذاكرة والانتماء على احتمالات القلق والتشظي والمقاومة، ومن خلال تعدد الأصوات والفضاءات، تكشف الكاتبة أن فلسطين ليست مجرد مكان محتل، بل تجربة وجودية معقدة يعيشها الإنسان بين الحب والخوف، وبين الرغبة في البقاء والإحساس الدائم بالفقد، لذلك تبدو الرواية، في جوهرها، محاولة لإعادة كتابة المكان الفلسطيني بوصفه ذاكرة حية تقاوم المحو، وتفكيكًا عميقًا للبنى الاستعمارية التي تسعى إلى احتلال الإنسان قبل الأرض، وهو ما يمنح النص قيمته الأدبية والفكرية بوصفه عملًا يشتبك مع أسئلة العصر والهوية والسلطة والمعرفة بلغة سردية كثيفة ومفتوحة على التأويل.

هوامش

موضوعات

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع