نفتقد صوته المدوي العميق في زمن الإبادة الجماعية: الشعر العربي بعد محمود درويش

فخري صالح

ناقد من الأردن

هكذا يمكن النظر إلى محمود درويش، لا بوصفه انقطاعًا، بل كامتداد، لميراثٍ واسعٍ عريضٍ، شديدِ الغنى ووفرة التجارب؛ كشرفةٍ مفتوحة لتطوير الشعريات العربية، ومن ضمنها الفلسطينية، لا بوصفه عقبةً وجدارًا. 

للكاتب/ة

الشيءُ نفسه يمكن أن نقترحه بخصوص حضور درويش بين أقرانه من الشعراء الفلسطينيين، بدءًا من أبي سلمى (عبد الكريم الكرمي)، وصولًا إلى أسماء كثيرة أثْرت حركة الشعر الفلسطيني، بدءًا من خمسينيات القرن الماضي، وصولًا إلى السبعينيات والثمانينيات.

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

09/02/2026

تصوير: اسماء الغول

فخري صالح

ناقد من الأردن

فخري صالح

رغم أن سبعة عشر عامًا مرَّت، حتى الآن، على رحيل الشاعر الفلسطيني محمود درويش، إلا أن حضوره ما زال طاغيًا في مشهد الشعر العربي المعاصر، وربما يكون من بين قلة من الشعراء العرب، في زماننا الراهن، الذين استطاعوا أن يحققوا جماهيرية واسعة. لكنه، في الوقت نفسه، طوَّر عمله الشعري، ليجعل منه مرآة للوجود الإنساني، ومشكلات الكائن ومكابداته في العالم، وللتراجيديا الفلسطينية، في الوقت نفسه، واضعًا فلسطين في وعي العالم. ولعلنا، لهذه الأسباب مجتمعة، نفتقد صوته المدوي، العميق، في زمن الإبادة الجماعية، وغزة تذبح يوميًّا، من الوريد إلى الوريد.  

لنفكك العنوان. فهو يفترض أن الشعر العربي قبل محمود درويش (1941- 2008) كان شيئًا، وأصبح شيئًا آخر بعده، حيث استطاع درويش أن يضيف إلى حركة الحداثة الشعرية العربية اقتراحات جمالية، وإيقاعية، وصيغًا مجازية واستعارية، في التعبير عن العالم، تُنسب إليه، دون غيره من الشعراء العرب، ويمكننا التعرُّف بسهولة على أصدائها وتأثيراتها في قصائد غيره. وهذا صحيحٌ، بالطبع، لا ينازع فيه منازع.

لكن العنوان أيضًا يفترض، إذا أوَّلنا الأمر  على نحو آخر، أن الشعر العربي بعد رحيل درويش أصبح شيئًا مختلفًا، وفقد بعضًا من زخمه، وطاقته الخلاقة، واقتراحاته، التي كان يمكن لمحمود درويش أن يختبرها، ويجد لها حلولًا شعريَّة، لو أنه عاش أكثر من أعوامه السبعة والستين، على هذه الأرض. كما أن الشعر العربي، بعده، فقد بعضًا من قدرته على مخاطبة جماهير أوسع، وشرائح متعددة، وأفهامًا مختلفة، بين القراء والمستمعين إلى الشعر، واضعين في الحسبان تلك الجماهيرية الواسعة التي اكتسبها محمود درويش وشعره، في أثناء حياته، وبعد رحيله، كذلك. فما زال هو، حتى هذه اللحظة، الأعلى مقروئية، والأكثر اقتباسًا، من شعره، خصوصًا خلال السنوات الثلاث الأخيرة، وزمن الإبادة الجماعية التي تتعرَّض لها غزة الجريحة.

والواقع أن هذه الافتراضات جميعًا تمتلك بعضًا من الوجاهة، والمعقولية، لكنها تُغفِل، في الوقت نفسه، حقيقة أن محمود درويش كان له سابقون، ومجايلون، وكذلك لاحقون، سواءٌ في الجناح الفلسطيني من الحركة الشعرية العربية، أو في الشعر العربي، عامًّة. وهو ما يجعل من الحديث عن الشعر العربي، بعد محمود درويش، مكتَنَفًا بالكثير من المصاعب، المنطقية والمعرفية، والزمنية التاريخية.  

لقد كتب محمود درويش قصائده الأولى، بدءًا من السنوات الأولى لستينيات القرن الماضي، بتأثير ما تسرَّب إليه، وإلى جيله الفلسطيني، ممن يطلق عليهم اسم شعراء المقاومة، من شعر عربي أنجزه الرواد في حركة الحداثة الشعرية. فتأثيراتُ شعراء كبار، من مؤسسي الحداثة الشعرية العربية، مثل بدر شاكر السياب، وعبد الوهاب البياتي، ونزار قباني، وصلاح عبد الصبور، وأدونيس، من بين آخرين، واضحةٌ يسهل العثور عليها في شعر درويش، بدءًا من ديوانه الأول "عصافير بلا أجنحة" (1960)، الذي لم يضمَّه الشاعر إلى أعماله الشعرية الكاملة، في طبعاتها المختلفة، لأنه كان مجرَّد تمرينات شعرية يكتبها تلميذ، وصولًا إلى "أحبك أو لا أحبك" (1972). كما أن قراءاته لترجمات شعراء من العالم، إلى العربية، أو حتى العبرية (التي كان يتقنها)، مثل فيدِريكو غارسيا لوركا، وبابلو نيرودا، وناظم حكمت، وتي. إس. إليوت، وإزرا باوند، تداخلت مع تأثيرات الشعراء الرواد، وشكَّلت الأساس لتطوره اللافت، فيما بعد، بدءًا من "أحبك أو لا أحبك"، و"محاولة رقم 7" (1973). 

 

محمود درويش كما يروي رجا شحادة

 

ما أقصد أن أقوله، هنا، هو أنه دون تلك التأثيرات، التي انسربت في وعي درويش الشعري، ومارست حضورها في عدد كبير من قصائده، خصوصًا في مرحلة ما قبل خروجه من فلسطين عام 1971، ما كان لشعريَّة درويش أن تتطور، وتصل إلى ما وصلت إليه. وقد كان، من بين أبناء جيله، الأكثرَ وعيًا، ربما، بضرورة الانفتاح على شعريات مختلفة، عربية وغير عربية، لكي يكون في إمكانه العثور على صوته الخاص في مهبِّ رياح تأثير هذه الشعريات المتزاحمة، في ستينيات القرن الماضي، وسبعينياته. وبهذا المعنى، فإن شعر محمود درويش، على مدار تجربته، وصولًا إلى آخر قصيدة كتبها، هو نتاجُ تلاقي هذه الشعريات، وتصادمها، وتخصيبها، وقدرتها على إلهام وعيه الشعري، بالطرائق والسبل التي تجعل قصيدته قادرة على التعبير عن التراجيديا الفلسطينية، بما هي مكابدةٌ شخصيةٌ وجماعية. إن الجمعيَّ يفيضُ في أعطاف الشخصيِّ، بينما ينسرب الشخصيُّ بوصفه تعبيرًا عن تجربة الجموع، وعن النكبة الفلسطينية المستمرة. لربما، هنا بالذات، تكمن فرادةُ درويش، وطاقةُ شعره الخلاقة: أن يكون لسان حال الجماعة الفلسطينية، لكن من خلال تطوير تجربته الشعرية، والإصرار على جعلها تمتصُّ التأثيرات الشعرية، والثقافية، والروحية، وتراجيديات الشعوب والجماعات، عبر التاريخ، ليُدرِج تراجيديا شعبه في كوكبة تلك التجارب والاختبارات الشخصية والجماعية للكائن البشري. وهذا ما نلاحظه، بصورة جلية، وعميقة، ومدهشة، في مجموعته الشعرية "أحد عشر كوكبا" (1992)، وفي أعمال أخرى تالية.

الشقُّ الآخر من السؤال، عن موضعة شعر درويش، وعلاقته بأقرانه من الشعراء العرب، في إطار الكتابة الشعرية العربية، يتعلَّق بجيله الشعري، أي ذلك الجيل الذي يطلق عليه، على نحو فضفاضٍ، ومثيرٍ للكثير من الالتباس واللغط والخلط، اسمُ جيل الستينيات (رغم أن هذا الجيل، كتب شعره في حضور أسماء من الجيل السابق، أي جيل الرواد، ممثلًا في نازك الملائكة، وأدونيس، وبلند الحيدري، وعبد الوهاب البياتي، وصلاح عبد الصبور، وأحمد عبد المعطي حجازي، وحتى أنسي الحاج، ويوسف الخال، ومحمد الماغوط، وفدوى طوقان، من بين آخرين). وبهذا المعنى، فإن التأثيرات المتبادلة، وتصادي المشاريع الشعرية، وتناقضها، لشعراء، من أجيال مختلفة، يكتبون في الوقت نفسه، يجعل من محمود درويش اسمًا من بين أسماء عديدة مثَّلت، بطرق وصيغ مختلفة، تطورَ حركة الشعر العربي المعاصر، وفتحت له آفاقًا أوسع، وخصوصًا فيما يتصل بعلاقة هذا الشعر بجمهوره، رغم كل الالتباسات، والأحكام السريعة الجاهزة، وربما اللئيمة، التي تحاول ربط أهمية شعر درويش بجماهيريته، وكون الشاعر، بلا منازع، ناطقًا شعريًّا باسم فلسطين. فالاستنتاج الأخير يمكن الردُّ عليه بالعودة إلى العلاقة المعقدة، التي قامت بين درويش ومستمعيه، وقرائه، الذين رغبوا دائمًا أن يسمعوا منه قصائده القديمة، التي تنتمي إلى مرحلة تاريخية، وصيغٍ شعرية في التعبير، عن القضية الفلسطينية، وجد هو أنه تجاوزها، بل إنها أصبحت عبئًا على تجربته الشعرية، مثل قصيدته الشهيرة "بطاقة هوية". لكن درويش استطاع أن يسحب معه جمهوره الشعري إلى منطقته، ويطوِّر ذائقة ذلك الجمهور، في الوقت الذي يجرِّب هو مساحات أوسع من صيغ التعبير، وصولًا إلى بئر الأعماق، والإجابة على أسئلة وجودية، تخصُّ الكائن، والكينونة، لا أسئلة السياسة والاجتماع، التي تحيلُ عليها معظم قصائده، لكنها تتجاوزها، في آن.     

الشيءُ نفسه يمكن أن نقترحه بخصوص حضور درويش بين أقرانه من الشعراء الفلسطينيين، بدءًا من أبي سلمى (عبد الكريم الكرمي)، وصولًا إلى أسماء كثيرة أثْرت حركة الشعر الفلسطيني، بدءًا من خمسينيات القرن الماضي، وصولًا إلى السبعينيات والثمانينيات. فلا شكَّ أن محمود درويش، كتب شعره، وفي خلفية وعيه الثقافي، والشعري، شعرُ أبي سلمي، وربما إبراهيم طوقان، وعبد الرحيم محمود، وفدوى طوقان، وهارون هاشم رشيد، ويوسف الخطيب. كما أنه، وإن تمتع بحضورٍ أوسعَ بكثير من غيره، من الشعراء الفلسطينيين، من أبناء جيله، كان جزءًا من حركة شعرية فلسطينية وثَّابة، ضمَّت سميح القاسم، وتوفيق زياد، وعز الدين المناصرة، وأحمد دحبور، ومحمد القيسي، وفواز عيد، ووليد سيف، ومريد البرغوثي، من بين آخرين. وهو ما يجعل شعره نتاجَ مروحةٍ واسعة من التأثيرات، والتلاقحات، والتقاطعات، والافتراقات، التي مسَّت الشعر الفلسطيني، بعد النكبة، وفي زمن طلوع المقاومة الفلسطينية، وحضورِ السؤال الفلسطيني الملحاح، المستمر، كما الوطنيَّة الفلسطينية، التي كان الشعر واحدًا من العوامل المؤسسة لها. ومن ثمَّ، فإن هذه الرؤية لشعر درويش تضعه ضمن كوكبة من الشعراء الفلسطينيين، والعرب، وحتى شعراء العالم (الذين يكتبون بلغات عديدة، وينتمون إلى شعريات متعددة، متفارقة)، وفي الوقت نفسه، تضعه على حدة، لكونه صوتًا بارزًا، ومحلِّقًا، ما فتئ، على مدار تجربته الشعرية، يطور أدواته، وصيغَ تعبيره، وحتى رؤيتَه الشعرية، والثقافية، والمعرفية، ورؤيتَه للعالم، بعامة. وهو ما بوَّاه، بلا أي شك، مكانةً بارزة في حركة الشعر الفلسطيني، وكذلك في حركة الشعر العربي المعاصر. لربما لم تُدرَس، حتى الآن، الصيغُ التي استطاع محمود درويش، عبرها، ومن خلال الإجابة على اقتراحاتها، أن يطور الشعر العربي، خلال النصف الثاني من القرن العشرين، وبدايات القرن الحادي والعشرين، وأن يبلغ بقصيدته مصافَّ الشعريات العالمية الكبرى. لكن أهمية شعره لا تنبع فقط من تطور قصيدته، كشاعر فرد، بل، وفي الوقت نفسه، بوصف منجزه الشعري تعبيرًا عن تطور الشعريات العربية، ومن ضمنها التجاربُ الشعرية الفلسطينية. 

إن شعره يمثل مجرىً واسعًا، متنوعًا، شديدَ الغنى، في نهر الشعر العربي المتدفق، الممتد، من امرئ القيس، وطرفة بن العبد، وأبي تمام، والمتنبي، وصولًا إلى شعراء قصيدة النثر، بدءًا من أنسي الحاج، وتوفيق صايغ، ومحمد الماغوط، وصولًا إلى عباس بيضون، وأمجد ناصر، ونوري الجراح، وحلمي سالم، ووديع سعادة، وسركون بولص، وبسام حجار، وسيف الرحبي، وزكريا محمد، وغسان زقطان، وحتى من جاء بعد هؤلاء من شاعرات وشعراء. 

هكذا يمكن النظر إلى محمود درويش، لا بوصفه انقطاعًا، بل كامتداد، لميراثٍ واسعٍ عريضٍ، شديدِ الغنى ووفرة التجارب؛ كشرفةٍ مفتوحة لتطوير الشعريات العربية، ومن ضمنها الفلسطينية، لا بوصفه عقبةً وجدارًا. 

 

درويش يعترف

الكاتب: فخري صالح

هوامش

موضوعات

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع