في احتضان الخلاء: الزيتون ولحم العالم

Olive Trees Vincent van Gogh Date: 1889; France Style: Post-Impressionism

زنوبيا ظاهر

كاتبة من لبنان

الزيتون هو الشاهد على أصالة "الشبحيّة". هو الّذي يرفض "الذاكرة الوهميّة" على حساب أصالة الذاكرة، عبر أبنائه. إنّه، متأرجحًا ما بين الحضور والغياب، لا يقبل الحضور "الدخيل"، وليس بإمكانه أن يهضم "لُغةً" لا تشبه لغته الأنطولوجيّة.  

للكاتب/ة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

10/04/2026

تصوير: اسماء الغول

زنوبيا ظاهر

كاتبة من لبنان

زنوبيا ظاهر

شاعرة، متخصصة في الفلسفة والإعلام.

هنا أتكلّم عن الأشجار، وربّما معها. إنّ هذا النصّ محاولةٌ للانزلاق، لا إلى ترفٍ فكريّ بالحديث عن الشجر على حساب "البشر"، بل إلى تظليل الحدود الّتي تموضعت فيها هذه الذات الإنسانيّة، بما يضمن سلامتها الفرديّة، من الفرديّة.

بات يلفتني مصطلح Holding Space مذ بدأتُ أتأمّل في النبات. وأحبّ أن أترجمه على أنّه "احتضان الخلاء"، أو "احتضان النفَس". أن أحتضن خلاءً للآخر يعني، أن أسمحُ لهُ بأن يكون من غير أن أصيره. أن أُبقي على توازن القلبِ الواحد أمام عواصف النفس. فليس من شأني وأنا ألعب دور المُصغي أن أساعد المتكلّم أو أقوّم رؤيته، بل أن أغيب عن "أناي" بما يضمنُ أن أصير مرآةً صافيةً له. أن أصير صمتًا مطبقًا في إصغائه لأمكّنه من سماع صوته. وقد يكون أوّل ما سيطفو على سطح وعيه، حينما يسمع صدى صوته، هو حقيقة أنّه يتكلّم. أو أنّه "يتنفّس". يعيده النّفَس إلى الحضور الكامل في ال "هنا" وال "آن". يحدُثُ أن نتكلّم مع أشخاصٍ صامتين ومصغين، فنشعر للحظات أنّنا نتكلّم مع أنفسنا، وقد نبدأ بطرح السؤال والإجابة عنه بلا وعيٍ منّا بأنّنا بتنا في هذه اللحظة نلعب الدورين معًا: المصغي، والمتكلّم. أن أسهّل لأحدهم دخوله في حوار مرآتيّ كهذا يعني أنّني بالتأكيد لستُ في موضع "تعاطف" Empathy. التعاطف دوّامة قد لا تنتهي.

الأشجار رحم النَفَس

تحتضن الأشجار "نفَسَنا" من قبل أن نوجد. إنّها قابعةٌ هنا منذ ملايين السنين تؤثّث الأرض بمقوّمات التنفّس، تفتتحُ خلاءً جاهزًا لمخيّلة مُصغية. وأظنّ أنّ البشر القدامى لم يغفلوا عن جلالة الأشجار، فحتّى اليوم، مثلًا، يتناقل سكّان البيرو الأصليّون معارفهم وتقاليدهم في الإصغاء إلى الأشجار، ويُجهّز الشامان على يد أسلافه حتّى تناديه أرواح الأشجار في الغابات وتلقّنه كيفيّة تشخيص ومداواة الجسد والروح.

إنّنا نختبر وحدتنا مع الشجرة مع كلّ نفسٍ نأخذه، وغياب وعينا لهذه الوحدة هو لغياب وعينا بنفَسنا لا أكثر. تقول مونيكا غاغليانو Monica Gagliano في كتابها Thus Spoke The Plant وهي تصفُ تأمّلها لشجرة اسمها سوكوبا Socoba في غابات الأمازون: "عند كل شهيق، يدخل إلينا الأكسجين الحر الذي تتنفّسه النباتات بكل خفّته ويسمح لنا بتحويل ما نأكله إلى طاقة. عند كلّ زفير، نترك ثاني أكسيد الكربون والماء يرحلان، فتجمعهما النباتات ببراعة مع لمسة من ضوء الشمس لصنع طعامها الخاص.. هذا النفس العميق.. هو الحركة الضرورية التي تجلب التجديد والتعبير عن الفردية، حيث يصبح الفريد والمنفصل كالنبات والإنسان ممكناً بشكل مؤقت. وهذه الحركة الملهمة نفسها التي ولدتهما تفصلهما أيضاً.. مع كل نَفَس، تعرف النبتة الإنسان كأنه هي نفسها. عند كل نَفَس، يصبح الإنسان أكثر "شبه نبتة" مما يدرك.. هو أيضاً يعرف النبتة كأنها هو نفسه".(١) على هذا، فإنّ علينا أن ننتقل بالكلام إلى المستوى المعرفي. إنّ الحياة البشريّة غير ممكنة من دون الأشجار، وعليه فإنّ المعرفة البشريّة كذلك غير ممكنة من دون الأشجار، وهذه العروة الوثيقة بين هاتين الكينونتين ليست إلّا براديغمًا معرفيًّا واحدًا، يجمعهما في وحدة أنطولوجيّة لا تقبل التجزئة، لا يقوم على فكرة السيادة والامتلاك، بل على وحدة علائقيّة ماهويّة، تُفهم فيه الذات الإنسانيّة كغصنٍ في شجرة العالم، ويصير فيه فهمنا للشجرة فهمًا لآليّات وجودنا ال "بين-ذاتيّة". فهمًا لواقع أنّنا لسنا ذوات متميّزة.. مثلما تعي الشجرة ذاتها. يقول الفيلسوف ميكاييل ماردر Michael Marder: "النبات، بالطبع، لا يسأل ما هو الماء، وليس لديه "فكرة" عن الماء كموضوع متميز".(٢)

من شجرة المعرفة إلى شجرة العالم: وهم الانفصال والعودة

إنّ كرم زيتون هو شاهد حيّ على أنّ المعرفة شبكة من العلاقات الزمنيّة والمكانيّة والحسّيّة، غير قابلة للتفكيك، وليس تفكيكها إلّا على سبيل إظهار التحامها، وغياب القدرة على فهمها. فتأمّل جذوع الزيتون في الكرم يقول عن "الحقيقة" الكثير. إنّ الحقيقة لا تعدو كونها ريشة رسّام. إنّ هذا الاختلاف الّذي لا حصر له ولا عدّ بين زيتونة وأخرى، هذا التلوّي والالتواء والنموّ المتفرّد لكلّ شجرة، ظواهر لا ينبغي فهمها بقدر ما ينبغي أن نقف أمامها وقفة جماليّة، أن نصغي بكلّيّتنا إلى ما تقوله. إنّ وقوف الشجرة وانسحابها التامّ إلى الخدمة -المتمثّلة بنموّها وتنظيفها الهواء الّذي نتنفّسه- وإلى الإصغاء والتلقّي، هو شاهد على أنّ الحياة مستمرّة من غير جهد ولا "تخطيط". إنّها تدعونا إلى الإصغاء بعيدًا عن "الرغبة" الحديثة في القول من أجل الإثبات وفي النموّ المفرط. فبقدر ما يصغي الإنسان إلى الأشياء المحيطة به على أنّها منه وإليه، ينمو بتلقائيّة بلا عناء المحاولة والرغبة والعمل، وبلا "وهم العالم القابل للفهم" The fiction of a thinkable world" (عنوان كتاب ل ميكايل ستينبرغ Michael Steinberg). وكأنّ وعينا لفكرة أنّنا نتشارك مع النبات "النفَس"، باب إلى أن نعي "جسدنا النباتيّ"، الجسد الّذي لا يعرف حدودًا له مع العالم. نذكر في هذا السياق قول إيمانويل كوتشيا Emanuele Coccia: "أن تكون نباتاً يعني أن تكون جسداً يمتزج بالعالم كلياً، حيث لا توجد حدود فاصلة بين الكائن والفضاء الذي يشغله".(٣)

أتساءَل ما الّذي قد يحدُثُ لو جعلنا من الشجرة المحرّمة الّتي أكل منها آدم وحوّاء شجرة زيتون بدل التفّاح؟ أكاد أجزمُ أنّ سرديّة هذا العالم كانت لتأخذ مجرى آخر. لكان العطش البشريّ إلى "حكمة" الزيتون المعمّر قد غلب التعطّش إلى المعرفة "القلِقة" إن صحّ وصفي لشكل المعرفة البشريّة الحاليّة. ليس التفّاح شجرًا عتيقًا بقدر الزيتون. إنّ الأشجار المعمّرة هي الشاهد على أنّ التاريخ لا يعود إلى الهنا والآن على أنّه إعادة تمثّل لما حصَل، بل يعود شبحيًّا بحسب تعبير جاك دريدا Jacques Derrida. ينطق الشجر بما رأى مرارًا وتكرارًا ويؤرجح الحقيقة ما بين الحضور والغياب ضامنًا انكشافها المستمرّ، فاتحًا لها مساحات التطوّر. هذه الحركة بين الحضور والغياب هي محرّك الانكشاف. يذكّرنا هذا بثنائيّة الأرض والعالم عند هايدغر Heidegger. وكأنّ الشاعر في هذه المعادلة هو الشجرة. وكأنّ الشجر لا يكفّ عن البوح. إنّه يحيا زمنًا مغايرًا للزمان الّذي نحيا فيه، في حالة استحضار دائم للأشباح، أو للوجدان الروحي للأرض وللبشر. 

في سيميائيّة الأشجار المعمّرة: شبحُ الزيتون

لو لم أكن في محاولةٍ للتقليل من حدّة "الهرميّة" والسطوة الّتي تسيطر على برمجتنا اللغويّة، لتحدّثت الآن عن السلطة المعرفيّة للزيتون. لكنّني سأفضّل الكلام حول الفينومينولوجيا الجماليّة، تلك الّتي تقف بذهول "أفقيّ" أمام لغة الزيتون البصريّة، لا لتشرحها بل لتصغي إليها على أنّها قصيدة. إنّ ما يمنح الزيتون حضوره ليس طول عمره فحسب، بل كونه نصّاً مكتوباً بالخشب والزمن؛ فجذعه لا يرتفع كخطّ مستقيم يغزو السماء بغرور "هرميّ"، بل هو مسارٌ من الالتواءات "الأنثويّة" التي تروي أزمنة الصراع والانسجام. ويبدو التجوّف الّذي نجده في الزيتون المعمّر أشبه بتجسيد لمعنى "احتضان الخلاء". وكذلك لمعنى احتضان الألم. وكأنّه اعتراف صريح بقدرة الطبيعة على تغيير المسارات، وبقدرة الكائنات العارفة بموطنها الأصلي، ألا وهو "لحم العالم"، على التسليم. وكأنّ الزيتون لا يخشى الفراغ، بل يحوّله إلى دعوة لل "سكن" بحسب تعبير هايدغر، حيث تنسحب الكينونة إلى الداخل تساكن فراغها لتولد منه الحياة. هذا التجوّف يعلّمنا كيف يمكن للفراغ أن يكون ممتلئاً بالمعنى ليوقفنا أمامه مذهولين، وكيف يمكن للذات أن تتّسع للآخر حين تتخفف من "أناها" الصلبة. 

وأخضرُ الزيتون ليس أخضرًا اعتياديًّا. إنّه لون وظلّه يتجلّى في وجهي الورقة. وجه داكنٌ يمتصّ الضوء، وآخر باهت يرسو فيه الضوء. وهذا الاخضرار المستديم علامة على الزمن الدائريّ الّذي يتجاوز الموت الموسميّ الّذي لا يرتبط بقدرة الشجرة على إنتاج الثمر أم لا، بل يكتفي بأن "يكون" ما هو عليه.  أمّا عن الزيت الكامن في الثمر، فهو أقصى عطاءات الشجرة الحكيمة، فهي تنتج ما لا يهترئ ولا يصدأ، عطاءً مستمرًّا لمن "تحتضن" مساحته، الإنسان.

يردّني هذا التأمّل إلى زيتون بلادي. يذكّرني بقول مونيكا غاغليانو Monica Gagliano أيضًا إنّ للأشجار لغةً تتكلّم بها، ليس لغةً حسّيّة، وإنّ تناول جرعة من شجرة ما، يعدّ بمثابة إضافة مستدامة إلى وعينا البشريّ، فهي ترافقنا طوال أعمارنا وتتكلّم معنا في "زمنها النباتي" المناسب. أتساءل عن لغة الزيتون؟ هل يعقل أنّه يتحدّث معنا، نحنُ الّذين تجرّعنا زيته و"مُرّجنا" به منذ نعومة الأظافر؟ 

ثمّ تطالعني وجوه عرفتُها تشبه الزيتون حضورًا وشكلًا.. فأشعر أن بإمكاني أن أقرأ هذه اللغة. وكأنّ للزيتون لغةً بصريّة، أقرب ما تكون إلى لغة النحت. ينحتُ الزيتون أبناءه -أبناء الأرض- لأنّه السابق وجوديًّا فيها، وهو بالبداهة المكوّن للبيئة الّتي ينشأ فيها وعيهم. إنّه بطريقة أو بأخرى يربّيهم على الصمود في الحكمة، والتلوّي للتشبّه بالأرض والمناخ لا للتفوّق عليهما. 

الزيتون هو الشاهد على أصالة "الشبحيّة". هو الّذي يرفض "الذاكرة الوهميّة" على حساب أصالة الذاكرة، عبر أبنائه. إنّه، متأرجحًا ما بين الحضور والغياب، لا يقبل الحضور "الدخيل"، وليس بإمكانه أن يهضم "لُغةً" لا تشبه لغته الأنطولوجيّة.  

(وفي هذا السياق لا بدّ أن أقول: إنّ هذا ليس نصًّا ضدّ أيّ نوع من الأشجار، إنّما هو نصّ متعصّب للزيتون لا أكثر).

 

هوامش

١-  Monica Gagliano؛ Thus Spoke the Plant؛ ص 21
٢-  Michael Marder؛ The Philosopher’s Plant؛ ص 13
٣-  Emanuele Coccia؛ The Life of Plants: A Metaphysics of Mixture؛ ص 11
الكاتب: زنوبيا ظاهر

هوامش

موضوعات

للكاتب/ة

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع