"كوني للحظة يافا، كوني حقول برتقال، كوني عيون القُدس أو بيسان، في أزقّة النضال" كلمات راشد حسين، تلحين وغناء ريم بنا. كنتُ أفكر في غياب قصائد حسين في عالم الأغنية والتلحين، إلى أن وجدتُ ريم بنا، حيث إن استخدام كلماته جديد نسبيًا مقارنةً بمارسيل خليفة وأحمد قعبور، اللذين بدآ أغنية شعر المقاومة منذ سبعينيات القرن الماضي. أما أغنية "إلى قصيدة" فنشرت في عام 2011 على صفحتها في فيسبوك، بينما صدر ألبوم "تجليات الوجد والثورة" عام 2016، وتضمنت أغنية "الغائب" وهي كلمات "الله لاجئ…". هنا نرى اهتمامها بكلمات راشد حسين، إذ إن قصائده تتميز بطابع مختلف، أقرب إلى لغة الناس "الله أصبح لاجئاً يا سيّدي صادر إذن حتّى بساط المسجد وبع الكنيسة فهي من أملاكه وبع المؤذّن في المزاد الأسود".
كما يصفه إلياس خوري في مقالةِ رثاء "الموت الجانبيّ" نشرت في الآداب عام 1977 (عدد 3-4) بعد وفاتهِ، لم يكن حسين مهتمًا بأن يصبح شاعر الأمة أو شاعر الوطن، بل شاعرًا عاديًا ملاصقًا لهموم الناس وحركات التحرر "ونعلم أن راشد حسين لم يترك بصماته على أحد، فهو شاعر متواضع، لم يكن من المستحيل تجاوزه، حين يتم تجاوز المرحلة" الوصف يحمل دقة معينة إزاء علاقة قصائدة في أغنية المقاومة. بالمقابل، ريم بنّا أصابت في استعادة راشد حسين، صدى كلماتهِ يحمل معاناة وحزن أجيال فلسطينية كاملة.
وصف عز الدين مناصرة كلمات القصيدة "الأبيات السابقة كانت وما زالت على أفواه أهلنا في فلسطين منذ صدور القانون الصهيوني بشأن ما يسمى أملاك الغائبين حيث طردت سلطات الاحتلال الكثير من العائلات الفلسطينية من أراضيها وأصدرت قانونًا بالاستيلاء على هذهِ الأرض بحجة أنهم ليسوا في أرضهم وهي التي طردتهم" في مقدمة ديوان أنا الأرض لا تحرميني المطر. ريم بنّا تلتقطُ الكلمات وتغنيها، تعيد مشاهد العقود الأولى تحت الحكم العسكريّ، سلب الأراضي ومحو الفلاحة الفلسطينية، وتعيد بناء هذهِ الآلام في الحاضر، فهي استطاعت أن تجدد فكرة أدب المقاومة ثم أغنية المقاومة، بعدما ظن البعض أن اتفاقيات أوسلو أنهت المرحلة، وبالفعل لا تستطيع تجاوز راشد حسين، إلا من خلال تجاوز المرحلة. ولم نجتازها بعض، إذ أننا نعي من كلمات خوري أن المقصود هو مرحلة التحرر الوطنيّ.
البدايات
كتبت الشاعرة والمثقفة زهيرة صباغ: "أعليّ من جديد أن أودّع رحيلًا آخر، واستقبل رحيلًا آخر… أحمل عبق الذاكرة من رحيل إلى رحيل". نُشرت هذه الأبيات في جريدة الاتحاد (29 كانون الثاني/يناير 1993)، وهي والدة الفنانة ريم بنا، التي توفيت عام 2018 أمام عيني والدتها. تعكس هذه الأبيات ملامح من الحزن العميق في شعر صباغ، لكنها لم تكن وحدها؛ إذ تواسيها المناضلة خالدة جرار أيضًا فقدان ابنتها سهى جرار، التي توفيت بينما كانت والدتها في سجون الاحتلال، ولم تتمكن حتى من وداعها في 11 تموز/يوليو 2021، بعد نحو شهرين من هبّة الكرامة. كأنها ترنيمة فلسطينية متكررة: أن تشهد الأم موت ابنتها.
تروي صباغ أن ريم منذ طفولتها كانت قريبة منها، "تكحّل عينيها" وترافقها في تفاصيل حياتها. تصفها بأنها فتاة “بتبرق” (أي تلمع)، وقد تربّت مع شقيقها فراس على التراث الموسيقي العربي، خاصة أعمال فيروز والأخوين رحباني وأحمد قعبور، إلى جانب كتب غسان كنفاني "بشتريهم مع رغيف الخبز" مما أسس لوعي ريم بنا الوطنيّ والصادق. بدأت ريم مسيرتها الفنية مبكرًا من خلال المسرح المدرسي، حيث أدّت دور ميس الريم، مجسّدة شخصية فيروز، كما يروي شقيقها الذي شاركها التمثيل (الوثائقي عنقاء الجليل).
لاحقًا، سافرت إلى موسكو للدراسة بمنحة مقدّمة من اتحاد النساء الديمقراطيات، وهو إطار نسوي مرتبط بالحزب الشيوعيّ الإسرائيلي. وقد برزت فيه شخصيات قيادية مثل سميرة خوري، زوجة فؤاد خوري، وهما من أبرز الشيوعيين في الناصرة. فبعد النكبة مباشرة، شكّل هؤلاء النواة الصلبة التي حملت الحزب على أكتافها في المدينة، وأسهمت في ترسيخ حضوره ليس فقط في الناصرة، بل أيضًا في قرى قضاء الناصرة، مثل طرعان. وتكشف الشهادات الشفوية التي التقيتُ بها في عائلة بدر، وهي عائلة ذات خلفية شيوعية مبكرة خلال فترة الحكم العسكري، عن عمق هذا الامتداد التنظيمي والاجتماعي. فقد سلّموني كتيبًا بعنوان «ابن الناصرة: فؤاد جابر خوري» (1968)، يوثّق مسيرته ونشاطه التربوي في ظل الانتداب البريطاني، ودوره في نقابة المعلمين، وصولًا إلى انخراطه في عصبة التحرر الوطني. ورغم وفاته المبكرة عن عمر 48 عامًا، إلا أن أثره السياسي والتنظيمي كان لافتًا، خاصة في مواجهة الحكم العسكري وسياسات الاضطهاد القومي، حيث شغل منصب سكرتير منطقة الناصرة للحزب. في هذا السياق، برزت الناصرة كمركز أساسي لمعارضة الحكم العسكري وسياسات الاستعمار الاستيطاني، ومنها تخرّجت أجيال من القيادات الشابة. وقد عبّر إميل حبيبي عن هذا الدور حين قال: «على الشبيبة تقع مسؤولية كبرى في إنجاح معارك الحزب والشعب بأسره لتغيير هذه الأوضاع». ضمن هذا الحقل السياسي والاجتماعي، وُلدت وترعرعت ريما بنا في مرحلة مفصلية، إذ تزامنت طفولتها مع نهاية الحكم العسكري، الذي أُعلن إلغاؤه في 8 كانون الأول/ديسمبر 1966، في مناطق الجليل والمثلث والنقب. ويُتيح هذا التزامن قراءة نشأتها بوصفها جزءًا من لحظة انتقالية، أعادت فيها الجماعة الفلسطينية داخل إسرائيل صياغة أشكال تنظيمها السياسي والثقافي، وفتحت المجال أمام بروز أصوات فنية وثقافية جديدة ارتبطت بسياق ما بعد الحكم العسكري.
الفنّ وأغنية المقاومة
في موسكو، كتبت في إحدى رسائلها إلى عائلتها: «إلى أمي الحبيبة… فلنطلق الحمام الأبيض إلى السماء… ولتزغرد الأرض بمناسبة يوم المرأة العالمي وعيد الأم ويوم الأرض الخالد» (عنقاء الجليل). تكشف هذه الرسالة عن تداخل مبكر بين العاطفي والوطني، حيث تتداخل رموز الحميمية العائلية مع مناسبات جماعية ذات دلالات سياسية ووطنية. وعند عودتها، كانت أولى الأغاني التي لحّنتها «حُلم»، التي تحوّلت لاحقًا إلى ألبوم عام 1993، وهي في الأصل قصيدة كتبتها والدتها زهيرة صباغ. وتروي ريم أنها نادت والدتها لتستمع إلى الأغنية دون أن تعلم أنها من كلماتها، ففوجئت بذلك واغرورقت عيناها بالدموع. تعكس هذه اللحظة ليس فقط عمق العلاقة الحميمية بين الأم وابنتها، بل أيضًا كيفية تحوّل هذه العلاقة إلى موقع للإنتاج الثقافي. في هذا السياق، يصبح الفضاء العائلي حيزًا مركزيًا لإنتاج ثقافة مقاومة، حيث لا تنفصل التجربة الشخصية عن المشروع الوطني، بل تتداخل معه وتعيد تشكيله. وكما تشير نادرة شلهوب كيفوركيان، فإن السيطرة الاستعمارية لا تقتصر على الأرض فحسب، بل تمتد لتطال العواطف والحواس والعلاقات الاجتماعية. ومن هنا، يغدو الربط بين الحميمي والوطني سيرورة أساسية في المقاومة الفلسطينية، تُعاد إنتاجها وتناقلها عبر الأجيال.
واستمر تعاون الأم وإبنتها، شاركت صباغ وبنّا في أمسية ثقافية ضمن ملتقى الفينيق في عمّان، كما حاضرت صباغ أمام اتحاد لجان المرأة حول العنف ضد النساء، في تقاطع واضح بين المقاومة الثقافية والقضايا النسوية، حيث تُعد من أبرز الشخصيات النسوية الفلسطينية، كما جاء جريدة الاتحاد (20 تشرين الثاني/نوفمبر 1995).
في عام 1996، سعت ريما بنا بإصرار إلى الوصول إلى الفلسطينيين، ولا سيما الاسرى والمناضلين، بوصف الغناء فعل التزام لا مجرد أداء فني. ففي 15 حزيران/يونيو 1996، أحيت حفلًا مخصصًا للشهداء والأسرى السوريين في سجون الاحتلال. وتُظهر واقعة تواصل الأسير المحرر أيمن أبو جبل معها -حين سألها عن التكلفة المادية لإحياء الحفل- موقفها الحاد من تسليع هذا الفعل، إذ ردّت: «هل تتصل بي لإحياء حفل من أجل الأسرى والمعتقلين، أم اتصلت لتهينني؟» (عنقاء الجليل). تكشف هذه الحادثة عن تصورها للغناء كالتزام أخلاقي وسياسي يتجاوز منطق المقابل المادي.
كتبت عنبرة سلام الخالدي في مذكراتها «جولة في الذكريات بين لبنان وفلسطين» عن قوة وصمود المرأة الفلسطينية، مستندة إلى تجربتها الشخصية العابرة للفضاءين اللبناني والفلسطيني. فهي لبنانية تزوجت من أحمد سامح الخالدي، وانتقلت إلى القدس عام 1929، حيث عُقد قرانهما في 9 آب/أغسطس من العام نفسه. ومنذ وصولها، بدأت تدرك تعقيدات الواقع السياسي في فلسطين، وما ينطوي عليه من مخاطر وتحديات، خاصة في ظل تصاعد المواجهة مع المشروع الاستعماري. وقد أولت اهتمامًا خاصًا بدور المرأة والحركات والاتحادات النسوية، مستندة في ذلك إلى خبرتها السابقة في العمل النسائي في بيروت خلال فترة الحرب العالمية الأولى، التي شكّلت وعيها المبكر بقضايا التنظيم والعمل العام. وفي هذا السياق، رأت في المرأة الفلسطينية نموذجًا مركزيًا للصمود، يتجلى في التزامها الوطني، وإخلاصها، وقدرتها على الجمع بين الأدوار الاجتماعية والنضالية. ولا يقتصر وصفها على الإعجاب، بل يقدّم شهادة مبكرة على تشكّل الفضاء النسوي الفلسطيني بوصفه حيزًا فاعلًا في مواجهة الاستعمار، حيث تتقاطع التجربة اليومية مع الفعل السياسي في إنتاج أشكال متعددة من المقاومة.
بنّا جسدت هذهِ المعاني، في 4 أيلول/سبتمبر 1996 (جريدة الاتحادّ)، مُنعت من دخول غزة بعد انتظار طويل على حاجز إيريز، في لحظة تجسّد حدود الجسد والصوت معًا داخل منظومة السيطرة الاستعمارية. لم يكن صوتها مجرد وسيلة تعبير، بل أداة للعيش داخل التجربة الفلسطينية نفسها؛ إذ أكدت في مقابلاتها أنها لا تستطيع التعبير عن الألم الفلسطيني إلا من خلال معايشته اليومية، من القصف إلى الحواجز. بهذا المعنى، لم يكن صوتها ملكًا فرديًا، بل صوتًا مُهدى لشعبها، يتشكّل في تماس مباشر مع شروط القمع والحصار. ويعكس ذلك انتقال الغناء من حيز التعبير الجمالي إلى فضاء الفعل المقاوم، حيث يصبح الصوت امتدادًا للجسد السياسي، لا ينفصل عنه.
