مقدمة
راجعتُ مؤخرًا كتاب بولس فرح، "الحركة العمالية العربية الفلسطينية: جدلية بعثها وسقوطها". هو أحد أبرز النقابيين الفلسطينيين، والناشط في الحزب الشيوعي، والمثقف الذي كتب في ظل الاستعمار البريطاني عبر جريدة الاتحاد، وواصل إسهاماته الفكرية خلال فترة الحكم العسكري من خلال منصات متعددة، من بينها مجلة New Outlook الصادرة بالإنجليزية عن دوائر يسارية وتقدمية في إسرائيل (1). ما يهمني في هذا الفصل والذي أرى ضرورة إعادة نشره، هو تحليله لعلاقة العمال الفلسطينيين بقطاع النفط، ودورهم في سيرورة الإنتاج ضمن بنية الاقتصاد الإمبريالي. في ظل الحرب على إيران، برزت مجددًا مركزية اقتصاديات النفط في تشكيل علاقات الهيمنة الإمبريالية في المنطقة، حيث شكّل النفط أساس بناء القواعد العسكرية وشبكات السيطرة من جنود وأساطيل. وقد كانت الإمبراطورية البريطانية سبّاقة في ترسيخ هذه البنية، من خلال استعمارها المنطقة، وسيطرتها على آبار النفط في العراق، ومدّ خطوط الأنابيب وصولًا إلى فلسطين، حيث تبلورت هذه السيرورة في حيفا كموقع مركزي الإنتاج والتكرير.
أهمية هذا الفصل لا تقتصر على التوثيق التاريخي، بل تتجاوز ذلك إلى فهم العلاقة المركبة بين النفط ومشروع إقامة دولة استعمار استيطاني. إذ يسعى إلى تحليل كيف أصبحت البنية التحتية للنفط جزءًا أساسيًا في تكوين المشروع الصهيوني، وكيف استمرت هذه العلاقة العضوية حتى يومنا هذا، حيث تتشابك المشاريع الاقتصادية والسياسية بشكل عميق. كما يسلّط الضوء على تحوّل الخليج إلى فضاء مستهدف بسبب النفط، ضمن ذات المنطق الإمبريالي الذي شكّل استهداف إيران وإسرائيل، بما يعكس طبيعة الترابط في عمل الإمبراطورية في المنطقة، ويُظهر لماذا أصبح استهداف النفط متداخلًا مع استهداف إسرائيل. وتأتي شركة بترول العراق كمثال مركزي في هذا السياق، نظرًا لتاريخها الطويل في العراق، منذ تغيير اسم “شركة بترول التركية” التي حصلت على امتياز التنقيب حتى أصبحت “شركة نفط العراق”، وبرز دور الشركة السياسي المتشابك مع الإمبريالية الأميركية. منذ ثورة عبد الكريم قاسم، وبداية التفكير العملي في التأميم، بما يحمله ذلك من دلالات سياسية واقتصادية وتطبيقات ملموسة، ساهم ذلك في زعزعة السياسة والدبلوماسية الأميركية، وبرزت أطروحات حول “البارانويا” الأميركية في التعامل مع النفط العراقي (2).

وهذا يوضح كيف تشكّلت الإمبريالية في المنطقة. فرح، إذًا، يؤرخ لفترة البدايات والنضالات الأولى، وكيف استطاع العمال الفلسطينيون مواجهة هذه الشبكة. كما يشرح انعكاسات العلاقات العائلية/الحمائلية على النضال العمالي؛ إذ كان ذا بصيرة حادة وتحليل متماسك لنجاحات النضال، مع الإشارة إلى محدودية قدرته على صياغة مشروع نضالي وطني أوسع. مهمّة الباحث اليوم هي إعادة التفكير في النضالات الفلسطينية ضد البنية التحتية الإمبريالية، وهو ما يظهر في العديد من أعمال الباحثين والباحثات الفلسطينيين. إيران اليوم في مواجهةِ تاريخ طويل من تراكم الفعل الامبرياليّ، منذِ بداية القرن العشرين، هي تواجه أهم مشروعين ليس فقط للولايات المتحدة بل الاستعمار الغربيّ كاملًا، لذلك المرحلة فاصلة، وهذا العدوان على إيران سينعكس سلبًا عليهم، وستكون بوادر انهيار مشروع الهيمنة الغربيّ في منطقتنا.
(1) أحد المقالات المنشورة ويوجد غيرها:
Boulos Farah, “A Policy for Israeli Arabs,” New Outlook (Tel Aviv) 2, no. 7 (March–April 1959): 59–63.
(2) Brandon Wolfe-Hunnicutt, The Paranoid Style in American Diplomacy: Oil and Arab Nationalism in Iraq(Stanford, CA: Stanford University Press, 2021).
مقتبس من كتاب بولس فرح "الحركة العمالية العربية الفلسطينية: جدلية بعثها وسقوطها" مكتبة كل شيء- حيفا، ١٩٨٧
المد الإضرابي العام في سنة ١٩٣٥
حفِل عام ١٩٣٥ بالإضرابات التي تفشت في أرجاء القطر الفلسطيني بين العمال العرب. وقد أتيتُ على أمكنة وتواريخ وقوعها في الصفحات السابقة. والذي يميز هذه الإضرابات عن غيرها هو امتدادها إلى شريان النظام الرأسمالي، الممثل في شركة بترول العراق، ومشروع ميناء حيفا، وعمال البلديات، وورش السكك الحديد.
كان إضراب عمال شركة بترول العراق من أهم هذه الاضطرابات، في حجمهِ وفي رمزهِ، وفي المهارة الغنية التي يتشكل منها أغلب العمال. واهتمام الحكومة بإضراب عمال البترول خاصة، وهو الواقع الاقتصادي الاستعماري البارز في البلاد، هو الأمر الذي ساقها إلى الاستعانة بعميل الاستعمار البريطاني فخري النشاشيبي، ووظيفته وسيطًا بين العمال المضربين والشركة، الأمر الذي أدى إلى حل الإضراب لمصلحة شركة البترول.
لقد واكب إضراب عمال البترول سلسلة من الإضرابات والتوترات والتهديدات بالإضراب، والاشتباكات الدموية بين العمال المضربين ومرتزقة أصحاب العمل والبوليس الاستعماري، الأمر الذي أدى في بعض الأحيان إلى إلقاء القبض على المضربين، والتوقيف، والفصل عن العمل.
في هذه الفترة، هدد عمال السكك الحديد بالإضراب أكثر من مرة إن لم تستجب الحكومة إلى طلباتهم. كما أضرب عمال ميناء يافا، واتخذ إضرابهم شكلًا شديد العنف، وألقى البوليس القبض على عدد منهم. وطالب عمال الخياطة بتسع ساعات عمل يوميًا، وألفوا لهم نقابة.
وأضرب عمال البحر في حيفا، وبلغ عدد المضربين ٦٥٠ عاملاً. وفي أول أيار عام ١٩٣٥، احتفل العمال في حيفا بعيدهم، وانقطع العمال في السكة الحديد عن العمل. كما شارك بالاحتفال بالعيد القصارون والفعلة والبناؤون، ومعظم ورش المدينة، وعمال شركة قرمان ديك سلطي للسجائر. وفي أيار أيضًا، كان قد مضى ٩ أيام على إضراب عمال الكلس والحجارة في حيفا.
ووقعت مناوشات وتراشق بالحجارة بين العمال المضربين ومرتزقة شركة الكلس والمحاجر. ورفع عمال السكك الحديد مطالبهم إلى مدير سكك حديد فلسطين، وعقدوا معه اجتماعًا، وشددوا على تلبية مطالبهم. وفي أيلول، أفضى الاشتباك الذي وقع بين العمال المضربين من شركة قرمان وديك وسلطي، والبوليس الذي جاء لحماية الشركة، إلى القبض على ٦٠ عاملًا مصريًا، وقدمهم إلى المحاكمة.
هذه صورة عامة عما وقع من أحداث في عام ١٩٣٥. وكان السبب للتوتر الدائم في العلاقات الصناعية، كما رآها عمال السكك الحديد، هو ارتفاع حاجيات المعيشة وإيجار المساكن، وبقاء الأجور على ما كانت عليه قبل الغلاء. كما كان لهذه الإضرابات أثرها البالغ على وعي العمال، إذ باتوا يعتقدون أنه لا مناص لهم، إذا أرادوا أن يحصلوا على حقوقهم، من استعمال سلاح الإضراب عن العمل وسيلةً للحصول على طلباتهم.

عمال اضراب شركة بترول العراق ١٩٣٥/٢/٢٢
كان السبب المباشر لإضراب عمال شركة بترول العراق هو مبادرة الشركة بتخفيض أجور عمالها، مع أن الأسعار كانت ترتفع بصورة مستمرة، وخاصة منها أسعار المواد الغذائية وأجور المساكن.
عندما سمع العمال، ولأول مرة، أن الشركة ستخفض أجورهم، احتج على ذلك أول قسم منهم، يبلغ عدده ١٥٠ عاملاً. وتضامن مع هذا العدد من العمال فيما بعد كل عمال الشركة، عربًا ويهودًا. أعلنوا الإضراب، وألفوا لجنة من بينهم للتفاوض مع الشركة وإدارة شؤون الإضراب، واتفقوا في اجتماعاتهم، التي كانوا يعقدونها في دار جمعية العمال الفلسطينيين، على الوقوف في سبيل المطالب التالية، ومن أهمها: إلغاء تخفيض الأجور، وضع حد أدنى لأجور العمال الفعلة لا يقل عن ١٥٠ ملا في اليوم، أن لا تزيد ساعات العمل عن ثماني ساعات في اليوم، منح العامل نصف أجرته عند المرض، إجازة سنوية من سبعة أيام في العام، تنسيق العمال حسب الأقدمية، وألا يجوز فصل العامل عن عمله لأول غلطة يرتكبها.
وقد رعت الإضراب وساندته جمعية العمال العربية بحيفا، ودعت العمال في كافة أنحاء البلاد للتضامن مع العمال المضربين وتأييدهم وتقديم المساعدة لهم. وقد حظي الإضراب فعلًا بتأييد العمال العرب واليهود بشكل لم يسبق له مثيل، باستثناء إضراب عمال نيشر العرب. وقام العمال في مختلف أنحاء البلاد بتقديم المساعدات المالية إلى العمال، وبإرسال برقيات التأييد والتضامن لهم.
رفضت الشركة مطالب العمال، ولم تعره اهتمامًا، ورفع الأمر إلى حاكم لواء حيفا، الذي تدخل في الإضراب لإيجاد حل سريع له، بالنظر لأهمية النفط في نسيج الإمبراطورية البريطانية. وأجرت، على ما سمته حقها، فصل من تريد ومتى تشاء، بدون الأخذ بالأقدمية، وأنها، كما ادعت، كان عندها زيادة من العمال تقارب ٢٠ بالمئة من مجمل عدد عمال الشركة. ورفضت أن تلتزم بمبدأ العمل ٨ ساعات في اليوم، وخاصة لسائقي السيارات في الشركة، وقبلت بثماني ساعات عمل للفنيين، وأن تحسب ساعات العمل الإضافية الساعة بساعة وربع، وأن لا تخفض الأجور، والاعتراف بنقابة العمال.
ويقول جبرا نقولا في كراسته السالفة: وما كاد ينشر هذا البيان (بيان المضربين) حتى ظهرت لنا ظاهرة أخرى في هذا الإضراب في حركة العمال في البلاد، وهي ظاهرة التضامن بين العمال وتأييدهم بعضهم بعضًا. ولم يمض يوم على الإضراب دون أن يزداد فيه عدد المضربين، حتى بلغ عددهم ٦٠٠ عامل في أقل من أسبوع. ليس غريبًا أن يتضامن كل العمال العرب ضد شركة بترول العراق الإنجليزية، لأنها كانت رمز الاستعمار وأداة النهب للثروة النفطية العربية. ولم يكن يخفى على أحد عظمة الشركة المالية، وعالمية علاقاتها، وقدرتها على إجابة مطالب العمال البسيطة.
وقد أخذ كفاح العمال لتحسين شروط معيشتهم شكلًا طبقيًا وشكلًا تحرريًا طبقيًا. من منا لا يدرك هذا الحماس العظيم في التضامن مع المضربين، والإسراع بتقديم المساعدات المالية لهم؟ وكان الإضراب أول مواجهة حقيقية لعمال وطنيين من أبناء البلاد مع شركة أجنبية استثمارية استعمارية. لم ينجح الإضراب كما توقع له، حتى المطالب التي تنازلت الشركة عنها للمضربين تراجعت عنها بعد الإضراب بزمن قصير.
كان السبب لعدم النجاح الكامل والمؤقت للمضربين والإضراب، أولًا تدخل عناصر غير عمالية وانتهازية في المفاوضات، والسبب الثاني ضعف جمعية العمال العربية الفلسطينية وانتهازية مستشارها المحامي حنا عصفور، الذي كان وصوليًا ولم يكن أمينًا على مصالح العمال. ثالثًا، طول مدة الإضراب، وكثرة المفاوضات، وتعدد الوسطاء، وتوتر الأوضاع بين صفوف العمال. فاوض المحامي حنا عصفور بالنيابة عن لجنة الإضراب وجمعية العمال العربية الفلسطينية، واكتفى بما قبلته الشركة من طلبات العمال، ورفضت الشركة تحديد أجرة العامل بـ 150 ملا في اليوم، وزيادة علاوة السكن، كما رفضت نقل العمال من وإلى الشركة على نفقتها.
وحاول الأستاذ المحامي قبول ما قبلت الشركة منحه للعمال، ورفض العمال ما حصل عليه مستشار الجمعية، لأنه لم يكن يستجيب إلى طلباتهم. وعندما شعرت الشركة، بواسطة مخبريها، أن ثمة ضعفًا في صفوف العمال، وقبولًا تحت جمعية العمال بالنجاح الجزئي، راحت تشدد من موقفها، ورفضت حتى ما قبلت به في مفاوضات سابقة.
عندئذ تدخل فخري بك النشاشيبي في الإضراب، ووضع نفسه وسيطًا بين الشركة والعمال. وكتبت جريدة فلسطين في عددها الصادر في ١٠-٣-١٩٣٥، تحت عنوان: (رئيس العمال العرب في الشمال): “قدم حيفا حضرة الفاضل فخري بك النشاشيبي، رئيس جمعيات العرب، وقد اهتم أثناء وجوده في حيفا بشأن العمال العرب المضربين، وقد بدأ مفاوضاته مع رجال لجنة الإضراب في دار جمعية العمال المضربين، ووضعوا كتابًا في دار الجمعية، وفعلاً أرسل كتاب بتوقيع فخري بك.”
كان من سوء الرأي أن تقبل لجنة الإضراب وساطة ما سمته جريدة فلسطين (المنافقة) رئيس العمال، وكان من الغباوة وخطل الرأي أن تقبل جمعية العمال في حيفا بهذه الوساطة. كانت الجمعية، وغير الجمعية، يعرفون أن فخري بك لم يكن معنيًا بالعمال ومصالحهم، ولكنه انتهز فرصة الإضراب ليربح بجانبه قضية وطنية وعمالية تصب في مصلحة آل النشاشيبي الحزبية، حزب المعارضة وقتئذ، ويخدم في نفس الوقت الأسياد الإنجليز. تم له النجاح في حل الإضراب.
كان النجاح نجاحًا له قبل كل شيء، ونجاحًا جزئيًا للعمال كانوا قد اكتسبوه قبل تدخل فخري بك في إضرابهم.
