رمانة

دوام "نازا"

سليم البيك

محرر المجلة. روائي وناقد سينمائي فلسطيني

يبقى في الفيلم ما هو أشد رمزية من كل الشهادات التي قدمها. فمن بين المشاهد للعمران الاستعماري في تل أبيب، والكلام الإبادي لعمران غزة، طوابق شاهقة في تل أبيب وطوابق تُسحق في غزة، يمر الفيلم على مبنى حجري، عتيق، مشيراً إلى أنه آخر ما تبقى من قرية فلسطينية قبل تأسيس العاصمة الإسرائيلية على أنقاضها وغيرها.

للكاتب/ة

مبنى نصفه متجذر في الأرض، تلبّسه تركيبٌ عمراني من الزجاج، منقضّاً عليه، هي حداثة استعمارية لا تقل في تفاهة شرها (الزجاج الحديث على الحجر العتيق) عن إسقاط مبان كاملة في غزة. الاستعمار في تل أبيب وجه آخر للإبادة في غزة.

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

04/11/2026

تصوير: اسماء الغول

سليم البيك

محرر المجلة. روائي وناقد سينمائي فلسطيني

سليم البيك

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

حالات محددة يتحول فيها الفيلم إلى حدث، فيتخطى النقاشُ طبيعتَه بوصف فيلماً، إلى ارتدادات هي هنا سياسية. فيكثر الكلام حول الفيلم وليس فيه، بمعنى أن أخباراً قليلة عنه، مستمَدة أساساً من بطاقته أو صفحته في موقع المهرجان، هناك حيث تظهر المعلومة بشكلها الموثَّق أوّل مرة تزامناً مع عرضه الأول. ثم المؤتمر الصحافي ومقالات نقدية وربما مقابلات لصحف دولية. هذا حال عموم الأفلام التي تنال عرضها الأول في مهرجان سينمائي، وهو حال الوثائقي "نازا" (NAZA) ليوفال أبراهام وراحيل شور، منذ عرضه، بل منذ الإعلان المتأخر عنه في المسابقة الرسمية لمهرجان فينيسيا السينمائي الأخير (٢-١٢ سبتمبر ٢٠٢٦)، هناك حيث نال جائزة لجنة التحكيم الخاصة.

الفيلم إذن حدث، ولستُ هنا في وارد تعداد ما حام حوله من أخبار ونقاشات وافتراضات، تكفي مثلاً الإشارة إلى أن الكشف عن الشريط الترويجي للفيلم كان خبراً صحافياً، أو أن إسرائيل أعلنت عن فيلم دعائي يحاول تفنيد ما تضمنه "نازا". وضمن هذا كله، انتشار ملصقات للفيلم مصممة بشكل بدائي على ذكاء اصطناعي، منها ما وجد مكاناً على صفحات "الأهرام" المصرية.

هذا وغيره لا يحصل لأي فيلم، بل لا يحصل لأي فيلم صار حدثاً. ولا أذكر أو أعرف أن أياً من أفلام تناولت القضية الفلسطينية، قد حظي بهذه المرتبة من الحدثيّة، هو ما حظي به العام الماضي، منذ عرضه الأول في فينيسيا كذلك، "صوت هند رجب" لكوثر بن هنية. لكن في "نازا" ما يشترك به مع "صوت هند رجب"، وهو التناول الصادم لواحد من جوانب الحرب الإبادية على قطاع غزة، وهو تناول معاصر لموضوعه، أي أن الحرب كانت ولا تزال قائمة، بأشكال مختلفة، مع عرض فيلم العام الماضي تحديداً، وبنسبة ما مع عرض الآخر هذا العام. لكن، يبقى في "نازا" ما يبرر حدثيّته الاستثنائية، في عناصر أولها وثائقيته لا روائيته، أي واقعيته التامة، وثانيها استقصائيته، أي أن تلك الواقعية التامة هي أولاً استكشافية وثانياً موثّقة، وفي ردها على حملات إسرائيلية ذكرت "الغارديان" بأن الفيلم يعتمد على أكثر من ١٠٠ مصدر.

هو إذن فيلم/حدث وذلك لما تعرّض له من أخبار وتعليقات منذ عرضه الأول، إلى اليوم، وعلى الطرفين، الفلسطيني العربي، والإسرائيلي، في حملات هجومية، من مؤسسات دولة الاحتلال تحديداً، حكومة وإعلاماً، وكذلك في ترحيب عالمي به، إذ سارعت، حال عرضه في فينيسيا، شركة MK2 الفرنسية، لمالكين يهود، بشراء الحقوق الدولية له، كما سارع كل من مهرجان سان سيباستيان (١٨-٢٦ سبتمبر) ومهرجان نيويورك (٢٥ سبتمبر-١٢ أكتوبر ٢٠٢٦) السينمائيين بإعلان انضمام الفيلم إلى عروضه.

لكن، حدثية الفيلم ذهبت بعيداً، في ما لا يتوقعه أحدنا، نحن نقاد السينما الذين نتجنب أي مقارنة ممكنة بين سينما سياسية، وثائقية تحديداً، وبين فيلم "بلوكبستر" لأبطال خارقين، في ما يدرّه كل منهما في شباك التذاكر. فكما يصعب الكلام عن احتمال أن ينال فيلم "سبايدرمان" مثلاً جائزة من لجنة التحكيم في مهرجان سينمائي كفينيسيا أو كانّ وغيرهما، أو طبعاً أن يشارك أصلاً بالمسابقة، كذلك يصعب الحديث في اختراق لفيلم وثائقي سياسي لصناديق التذاكر. لا يقارن أحدنا هنا تبعاً لاختلافات جمّة تبدأ في منطق كل من النوعين. في كل الأحوال، لا يمنع ذلك من إعادة ترتيب للاعتبارات اليوم، مع قراءة خبر يفيد بأن "نازا" تفوّق على واحد من أفلام "المنتقمون" (Avengers Endgame: Encore) في صندوق التذاكر، وكان الفيلم رقم واحد في الصالات الإيطالية عند نزوله. ثم مع عروضه اللاحقة في الولايات المتحدة، كتب موقع "ديدلاين" بأن الفيلم حقق إنجازاً مبهراً في شباك التذاكر بكونه فيلماً غير روائي، وتحديداً بموضوع سياسي حساس كهذا. في كل ذلك تحديداً ما يعيدنا إلى إدوارد سعيد، وكلام له في السينما الفلسطينية. 

قد لا أبالغ في القول إن خبراً كهذا، وهو برأيي الأكثر دلالة من بين كل ما قارب "نازا" من أخبار، أمكن له أن يستوقف سعيد. لذلك أعود إلى مقدمته القصيرة لكتاب "أحلام أمة: عن السينما الفلسطينية" التي ركّز فيها على "المرئية" التي يمكن للسينما أن تمنحها للفلسطينيين، بل قال إنه "في الحقيقة، كل تاريخ النضال الفلسطيني كان متعلقاً بالرغبة ليكونوا مرئيين". فأتت السينما لتكون عنصراً جوهرياً في صناعة هذه المرئية وانتشارها. من موقع النقد السينمائي لا يمكن لأحدنا إلا أن يرى في تقدّم "نازا" على "المنتقمون" اختراقاً في "الرغبة في أن نكون مرئيين"، بل أكثر من ذلك، هو اختراق لمنطق العلاقة بين السينما المستقلة والسياسية والوثائقية من ناحية، وصندوق التذاكر من ناحية ثانية. إذ يمكن لناقد أو باحث من العالم أن يأخذ الفيلمين مثالاً في احتمال لوثائقي أن يتفوق على واحد من أكثر السلاسل السينمائية انتشاراً، من دون حتى الإشارة إلى القضية الفلسطينية.

من بين كل الأخبار التي تناولت "نازا"، مهما كان مصدرها، لم أجد أكثر اختراقياً من ذلك التفوق على فيلم "بلوكبستر"، وإن كان بنسخته عام ٢٠١٩ إنما محدَّثة ببدايات ونهايات جديدة وبطرح في الصالات بعنوان جديد. بل أضيف أكثر إلى ما يحمله هذا الخبر من إبهار: "المنتقمون: إندغايم" الذي نحكي عنه، أصبح عام ٢٠١٩ بنسخته الأصلية الفيلمَ الأكثر إيراداً من خلال شباك التذاكر في تاريخ السينما، متفوقاً على "آفاتار" (٢٠٠٩ و ٢٠٢٢) و"سبايدرمان" (٢٠٢٦) و"تايتانيك" (١٩٩٧) وغيرها.

جزء أساسي من ذلك الإقبال العالي الذي ناله ولا يزال يناله "نازا"، وأرجّح علوّاً أكثر حتى نهاية العام، يعود إلى طبيعة الفيلم الحدثيّة، وما رافقها من أخبار منذ عرضه الأول. هذا الاقبال الاستثنائي على وثائقي يكشف أساليب القتل الجماعي التي اتّبعها الجيش الإسرائيلي، وهو موضوع قاتم وغير مسلٍّ لروّاد صالات السينما، حمل المرئية الفلسطينية، الضحايا الغزيين، إلى مستوى أعلى مما أمكن لوثائقي أو روائي سابق أن يمنحه لهم. بمعزل عن كل ما يمكن للفيلم أن يقدمه، من أدلة جرمية على ألسنة مرتكبيها، فإن المساحة الشاسعة التي منحها الفيلم للضحايا الغزيين، تخطت السقف المحدود للنوع الوثائقي في السينما، مهما ارتفع.

من منّا كان يتوقع أنّ فكرة إدوارد سعيد عن المرئية التي يمكن أن تمنحها السينما للفلسطينيين، أنها أتت اليوم في مثالها الأعلى، الأكثر انتشاراً بحسب ما أعرف في تاريخ السينما الفلسطينية، في مقارنة تكون مع فيلم "المنتقمون"، حيث الأبطال الخارقون الأمريكيون منقذو الكوكب؟

هذه المرئية ما كانت لتأتي أبداً من فيلم إسرائيلي، و"نازا" الذي قدم مرئية غير مسبوقة للضحايا الغزيين، ليس إسرائيلياً. هو بإنتاج بريطاني تام، الدولة التي يمثلها هي بريطانيا، جهات الإنتاج هي صحيفة "الغارديان" وJW Films للبريطاني جيمس ويلسون. وهو من إخراج إسرائيليَين. والفيلم الذي لم ينَل أي دعم مؤسساتي إسرائيلي، نال أشكالاً متنوعة من الحملات التحريضية ضده، بدءاً من رأس الحكومة الفاشية والتهديد بسحب جنسيات المخرجين، ووصولاً إلى مظاهرات ترهيبية أمام بيت العائلة. الفيلم إذن، وإن كان لا بد من تصنيف مباشر للدولة، هو بريطاني، لكن طبيعة الأعمال السينمائية اليوم لا تسمح بتصنيف أوحد للفيلم، الإنتاجات المشتركة لأفلام المهرجانات والسينما المستقلة وسينما المؤلف جعلت من الانتماء لدولة واحدة للفيلم شبه حصرية بالحالة الهوليوودية وما يماثلها عالمياً. لذلك يكون الانتماء العام لأي من هذه الأفلام عائداً إلى مؤلّفه/مخرجه. لكن "نازا" ليس فيلم مؤلف، أي أن لا يوفال ولا راحيل يقدمان نفسيهما كسينمائيين مؤلفين يعود الفيلم إليهما في التصنيف وإن تشاركت عشر دول في إنتاجه. ونحن هنا نبقى في تصنيف لدولة واحدة هي بريطانيا.

الفيلم إذن بريطاني يخدم السردية الفلسطينية، معادٍ للصهيونية، لا نظرياً وحسب، فللفيلم إمكانية أن يكون ملفاً داعماً في محاكمة إسرائيل في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وفي النية والممارسة لارتكاب إبادة جماعية. هو فيلم وثائقي كغيره كثير أُنتج في الأعوام الأخيرة، ووثّق حرب الإبادة على قطاع غزة، ومعظم هذا الكثير كان بصنّاع أفلام ودول منتجة أجنبية، لبريطانيا منها حصة جيدة. "نازا" واحد منها، يختلف في أنه، لجنسية صانعيه الإسرائيلية، استطاع الوصول إلى الطرف الآخر من العملية الإبادية، فإن كانت الوثائقيات عموماً صوَّرت الجانب الغزّي، من منطلق تضامني جعل من الصنّاع أو شخوصهم يدخلون غزة أو لا يخروج منها أصلاً، في تصوير لما أتت عليه وبه الصناعة الحربية الإبادية لإسرائيل، فإن "نازا"، وهذه ميزة أساسية فيه، هو الوثائقي الوحيد الذي أكمل الدائرة التوثيقية، في تصوير من الجانب المرتكب للإبادة، في شرح تقني واستخباراتي للحظات التي سبقت ما رأيناه في الوثائقيات الأخرى. فإن كان من موقع متفرّد لـ "نازا"، فهو في كونه شهادة للحرب الإبادية من طرف جناتها لا ضحاياها. هل يحتاج الضحايا إلى ذلك؟ نعم، ببساطة لأننا في عالم يسوده الظلم، أو "عالم ليس لنا"، كما كتب غسان كنفاني.

الفيلم (٨٠ د.) مبني على شهادات وليس اعترافات، صُوّرت خلال السنوات الثلاث الأخيرة، لضباط استخدموا الذكاء الاصطناعي في عمليات الاستهداف والقصف في قطاع غزة خلال الحرب الإبادية، وهي شهادات منشور كثير منها في كل من "الغارديان" وموقعَي مجلة "972+" و"لوكاك كول". هي إذن صحافة استقصائية قبل أن تكون فيلماً وثائقياً، لكن المرئية التي أمكن للسينما أن تمنحها لموضوعها يفوق بأبعاد قصوى تلك التي يمكن أن تقدمها تقارير صحافية أو نشرات تلفزيونية. هذا تحديداً ما يمنح الفيلمَ الوثائقي الاستقصائي، ارتدادات بدأت مع الإعلان عنه في فينيسيا وتستمر إلى هذه الأيام مع بدء عروضه وإن بشكل محدود، في صالات السينما في العالم، وصولاً إلى ما يمكن أن يتوقعه أحدنا من تضاعف لحدثيّة الفيلم وبالتالي لمرئيته، مع إتاحته مجاناً أواخر نوفمبر أولاً، ومع احتمال وصوله إلى ترشيحات نهائية لجائزة الأوسكار ثانياً.

نذكر، مثلاً، حالة الفيلم السابق لمخرجَي الفيلم، مع الفلسطينيَين باسل عدرا وحمدان بلال، "لا أرض أخرى"، إذ لم يتحول إلى حدث مع نيله جائزة أفضل فيلم وثائقي في مهرجان برلين السينمائي (٢٠٢٤)، لتندلع النقاشات لاحقاً، مع ترشيحاته ثم نيله أوسكار أفضل وثائقي العام التالي. لا غرابة في ذلك للطبيعة الخاصة بجوائز الأوسكار التي تتخطى الفضاء السينمائي والثقافي، إلى الشعبي والترفيهي، لتكون جوائزه شأناً عاماً، لا خاصاً أو متخصصاً كما هو حال البرليناله في العاصمة الألمانية، أو اليوم الموسترا في الجزيرة الإيطالية، فكلاهما حدث سينمائي غير شعبي. هذا كله، سيضيف أكثر إلى حدثيّة الفيلم، التي بدورها تضيف إلى مرئية الفلسطينيين فيه.

يبقى الجانب الجوهري لهذا العمل في طبيعته السينمائية، بغض النظر عن جانبه النخبوي في مهرجان فينيسيا أو الشعبي في حفل الأوسكار، بغض النظر عن كونه جمع بين جائزة لجنة التحكيم الخاصة والتفوّق في صندوق التذاكر، بمعنى أنه تخطى أفلاماً فنية نافسته في المسابقة كما تخطى أفلاماً تجارية نافسته في الصالات. أهمية الفيلم تكمن أصلاً في طبيعته السينمائية، فالحدثية والمرئية المذكورين أعلاه، سأضيف إليهما، تبعاً لذلك، استمرارية الفيلم. هي استمرارية، بمعنى الدوام، بمعنى البقاء في الذاكرة. وهذه طبيعة الأعمال السينمائية لا الصحافية والتلفزيونية.

نتذكر هنا ما قاله المخرج الفرنسي جان لوك غودار في واحدة من مقابلاته، بأن "التلفزيون يصنع النسيان، في حين أن السينما تصنع الذكريات." هذا ما يجعل أحدنا يعود إلى فيلم "شواه" للفرنسي كلود لانزمان (بغض النظر عن صهيونيّة الرجل)، للاطلاع على شهادات لناجين من المحرقة، بدل العودة إلى تقارير تلفزيونية أنجزت ومحيَت من الذاكرة وربما من أرشيف المؤسسات الإعلامية ذاتها. الأفلام تبقى، تتاح دائماً، يعاد عرضها، تصير قديمة فيتم ترميمها وتعود بشكل جديد. ما نعرفه اليوم، بصرياً، مثلاً، من زمن الثورة، ما نشاهده مجدداً، هو أفلام تسجيلية ظهرت من ذلك الزمان، وبقيت ذكريات جمعية تتراكم وترمَّم وتعرَض. أقول ذلك كله للدلالة على استمرارية العمل السينمائي مقابلة آنية التقرير التلفزيوني. فإن ذهب البعض إلى التقليل من شأن "نازا" بالقول إننا نعرف مسبقاً ما يقدمه، وإننا شاهدنا أثره بالبث الحي على وسائل التواصل. وهذا البعض محق في ذلك إن أخذناه بمستواه السطحي، لكن المسألة ليست في أننا نعرف أو لا، من خلال أخبار وتقارير وبرامج تلفزيونية وغيرها، عن آليات القتل الجماعي للجيش الإسرائيلي، بل، هنا، في "نازا" أصبح ذلك مادة سينمائية باقية، أولاً. وهي مبنية على حصرية استقصائية، ثانياً. ويمكن القول إنّ، ثالثاً، هذه المادة الباقية، كانت بمستوى عالٍ، أي أن قيمتها لا تنحصر في مضمونها، بل في الشكل المرفق بهذا المضمون، وهذا يحيلنا إلى كلام سينمائي بمعزل عن حدثيّة الفيلم ومرئيّته وكذلك استمراريّته.

بلقاءات على أسطح مدينة تل أبيب، يقابل يوفال ضبّاطاً إسرائيليين يكشفون آليات عملهم ضمن الجيش الإسرائيلي، أو دورهم التنفيذي في الحرب الإبادية. وهذا الكشف لم يكن بصيغة اعترافات لجناة يشعرون بالذنب، فيكون الفيلم نوعاً من الغسل لارتكاباتهم. بل كانت شهادات محايدة، تقنيّة، كانت شرحاً لطبيعة العمل، لآلية تعتمد على نظام قاتل متوسلاً الذكاء الاصطناعي. هو النسخة المعاصرة مما كتب عنه زيغمونت باومان في "الحداثة والهولوكوست"، بأن العامل الأكثر أهمية في المحرقة هو "الأنماط النماذجية للعميل البيروقراطي التكنولوجي الحديث، والعقلية التي تؤسسها وتولدها وتعززها وتحافظ على استمراريتها." الإضافة اليوم كانت في توسّل هذه الأنماط للذكاء الاصطناعي.

الـ AI أداة للإبادة: لهذه الأسباب يقترب "نازا" من جائزة كبرى في فينيسيا

موّه الفيلم أصوات الشهود/الجناة وهوياتهم، وضعهم في الظل، مع خلفية لمبان في تل أبيب، لنوافذ وشرفات نرى من خلالها الحياة العادية للسكان، في طوابق عالية، نراها ونسمع في الوقت ذاته شهادات عن إسقاط مبانٍ كاملة أو طوابق عدة لأن مشتبهاً به كان هناك، وبأضرار جانبية لهذا القصف كان مئات المدنيين، أحدهم اعترف أن العدد وصل إلى ٥٠٠ في ضربة واحدة. الأبراج السكنية في تل أبيب، العامرة في أرض مستعمَرة، يناقضها، في صورتها، الكلام عن العمران الممحو في غزة. تَناقض بين ما نراه وما نسمعه يوسّع من فداحة الفارق. لا دماء في الفيلم ولا دمار، فقط خيال تغذيه شهادات الضباط، مدعوماً بمونتاج تناقضي تحمله صور تل أبيب ليلاً مضاءة بشرفات الشقق وحيوات سكانها.

لا ندم في الشهادات بل حكيٌ عادي، أقرب إلى ثرثرة، شرح تقني، قالها أحدهم، إذ أن ممارساتهم كانت وحسب مسألة تقنية، قال آخر إنه كان وحسب ينجز المهمة. الشهادات كانت شرحاً وظيفياً، كانت أقرب إلى شرح لدليل استخدام، لا مشاعر فيه، كانت تُقال ببرود، لا ندم طبعاً، لكن حتى لا فخر. طلب منهم مسؤولهم إتمام المهمة ففعلوا، أحدهم قال إنه كان يشغّل النظام ويذهب إلى استراحة الغداء أو ما شابه، ويعود إلى وظيفته، إلى مكتبه، إلى شاشته، كأنها ألعاب فيديو، إحداهم شبّهت الأمر بفيلم حربيّ. النظام يلتقط كلام فتاة عن أن أبيها رجع، فيكون المبنى كله مستهدفاً، ويُقصف، لأن أباً ما رجع، هو ترجيح من الذكاء الاصطناعي بأن يكون الأب مقاتلاً يرجع إلى عائلته بين وقت وآخر.

العادية والتلقائية التي ألقيت فيها تلك الشهادات، تلك المهمّة التقنية، كان مقابلاً موضوعياً للمهمة البيروقراطية للموظف في النظام النازي، كما شرّحته حنة أرندت في كتابها "أيخمان في القدس: تفاهة الشر". إذ لا يكون القتل سوى عملاً وظيفياً ينفَّذ بإخلاص، بمهنية، من دون أي شعور بالذنب لصاحبه، وذلك ضمن نظام أوسع، ماكينة قتل عامة، يكون التفصيل المهني فيه حلقة صغيرة، تافهة، يتكثف فيها الشر. نشاهد ذلك في "نازا" كما شاهدناه قبل ٣ أعوام في واحد من أفضل أفلام المحرقة النازية، "منطقة اهتمام" (The Zone of Interest) للبريطاني جوناثان غليزر، وهو مخرج تنفيذي كذلك لـ "نازا". في فيلمه أسرة ضابط نازي تعيش على حافة المحرقة، حرفياً، سور يفصل بين التفاهة والشر، تمارس الأسرة يومياتها بكل عاديّة، كأن تسقي الزوجة الزهور في الحديقة أو تجرّب معطفاً مسلوباً من إحدى الضحايا. "نازا" هو المقابل الوثائقي الاستقصائي للفيلم الروائي "منطقة اهتمام".

يبقى في الفيلم ما هو أشد رمزية من كل الشهادات التي قدمها. فمن بين المشاهد للعمران الاستعماري في تل أبيب، والكلام الإبادي لعمران غزة، طوابق شاهقة في تل أبيب وطوابق تُسحق في غزة، يمر الفيلم على مبنى حجري، عتيق، مشيراً إلى أنه آخر ما تبقى من قرية فلسطينية قبل تأسيس العاصمة الإسرائيلية على أنقاضها وغيرها. مبنى نصفه متجذر في الأرض، تلبّسه تركيبٌ عمراني من الزجاج، منقضّاً عليه، هي حداثة استعمارية لا تقل في تفاهة شرها (الزجاج الحديث على الحجر العتيق) عن إسقاط مبان كاملة في غزة. الاستعمار في تل أبيب وجه آخر للإبادة في غزة.

نُشرت أمس نسخة إنكليزية من هذه المقالة في موقع 972mag، بعنوان: The permanence of ‘NAZA’

الكاتب: سليم البيك

هوامش

موضوعات

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع