جان-لوك غودار ١\٢ (فصل من كتاب "باريس هوليوود")

جان لوك غودار، المصدر غير مبين، معدلة.

رمان الثقافية

مجلة ثقافية فلسطينية

ثم، بعد عام 1976، حين انتقل غودار مرة أخرى، من غرونوبل إلى رول في سويسرا، اتخذت أفلامه منعطفًا جديدًا آخر، وهذه المرة نحو الانشغال بالمنظر الطبيعي والميتافيزيقا والتأملات الكونية، وبـ«الجليل»، بل وحتى بالدين. وغالبًا ما يُفترض أن ذلك حدث لأنه بات يعيش ويعمل في الريف بدلًا من المدينة.

للكاتب/ة

غير أنه يمكننا أيضًا أن ننظر إلى هذا التحول في التركيز بوصفه جزءًا من تحول عام داخل الثقافة الفكرية الفرنسية نفسها. فقد بدأ أبرز الماركسيين والبنيويين يتخلون عن السرديات الكبرى والأنظمة السيميائية التي سادت الستينيات.

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

19/08/2026

تصوير: اسماء الغول

رمان الثقافية

مجلة ثقافية فلسطينية

رمان الثقافية

ننشر هنا مقالة مطوّلة بجزأين، كتبها بيتر وولن عن غودار على شكل فصل من كتابه المنشور عام ٢٠٠٢ بعنوان Paris Hollywood. الكتاب من إصدار منشورات فيرسو والمقالة الأصلية ترجمناها عن موقع فيرسو، نشرت في 14 سبتمبر/أيلول 2022.:

هنا الجزء الأول:

صدر كلٌّ من فيلم جان-لوك غودار A Bout de Souffle وفيلم باد بوتيكر The Rise and Fall of Legs Diamond عام 1959. كنت أعيش في باريس آنذاك، وذهبت لمشاهدة الفيلمين خلال الأسبوع الأول من عرضهما على الشاشة. وفي الواقع، عدت لمشاهدة كليهما مرات عدة. ولم يكن بوسعي ألا ألاحظ أن غودار اقتبس من فيلم آخر لبوتيكر في سياق Breathless، خلال المشهد الذي يندفع فيه رجل العصابات الصغير ميشيل بواكار، الذي يؤدي دوره جان-بول بلموندو، إلى دار سينما في الشانزليزيه لكي يتخلّص من شخص مزعج يتعقبه. ويتبيّن أن الفيلم المعروض على الشاشة هو Westbound لباد بوتيكر، أحد أفلام سلسلة راندولف سكوت، مع أن الصوت الذي نسمعه على الشريط الصوتي يلقي، على نحو غامض، بعض الأبيات الشعرية لغيوم أبولينير. وبطريقة ما، اختزلت هذه اللحظة الشاذة ما كان يجذبني في غودار: ذلك المزيج الجامح بين الحداثة وأفلام الدرجة الثانية، كما لو أن قصيدة لأبولينير تنسجم، بشكل طبيعي تمامًا، مع فيلم وسترن منخفض الميزانية، من إنتاج ثانوي لشركة وارنر براذرز، وكما لو كان في وسع المرء أن يحب الاثنين معًا في الوقت نفسه. وكان عام 1959 أيضًا عام فيلم صامويل فولر الاستثنائي Crimson Kimono، وبالفعل، ظهر سام فولر بعد ست سنوات في فيلم لغودار، هو Pierrot le Fou، حيث يظهر «سام الكبير» ضيفًا في حفلة ليعرّف السينما بأنها «مثل ساحة معركة. نعم... حب. كراهية. حركة. عنف. موت. بكلمة واحدة... عاطفة». وقيل لنا إن فولر موجود في باريس لإنجاز فيلم عن أزهار الشر لبودلير.

في ذلك الوقت، كان غودار يبدو بالفعل سينمائيًا فريدًا من نوعه، وشخصية تأسيسية حاسمة في الموجة الجديدة، وهذا أمر كان بديهيًا، لكنه كان أيضًا مخرجًا صاحب مشروع شخصي جدًا، بل وذي خصوصية شديدة. فمنذ البداية، لم يبدُ قط مرشحًا لأن يتطور إلى أستاذ محترم في سينما الفن، أو إلى أحد أعمدة السينما الفرنسية الجديدة، كما أصبح شابرول ورينيه ورومير وتروفو جميعًا. بل بدا، إن كان ثمة شيء، أقرب إلى أن يصبح كوكتو جديدًا: غير مندمج تمامًا في الصناعة، شاعرًا دائمًا أكثر منه ممارسًا، وسينمائيًا لديه نقطة ضعف قاتلة تجاه «الفيلم الملعون». ومع ذلك، فعلى الرغم من تمرّد غودار على الأفكار التقليدية للسينما، وعلى «سينما الآباء»، كان أيضًا معجبًا بلا خجل بأفلام هوليوود الثانوية. وكما اعترف غودار بسهولة، استُلهم Breathless من فيلم ريتشارد كواين Pushover، وكان من الممكن النظر إليه بوصفه تكملة مباشرة لفيلم أوتو بريمنغر Bonjour Tristesse. أما الشخصية المركزية في الفيلم، وهي مجرم صغير يؤدي دوره جان-بول بلموندو، فقد صاغ صورته عن نفسه على غرار همفري بوغارت في فيلم مارك روبسون The Harder They Fall. ولم تكن هذه الأفلام حتى من «الكلاسيكيات»؛ بل كانت أفلامًا لم تحظَ باهتمام كبير، تعود إلى منتصف الخمسينيات، وهي أفلام وصفها لاحقًا أحد أبرز مؤرخي هوليوود، أندرو ساريس، بأنها «مذمومة على نطاق واسع» و«نادرًا ما أُعيد عرضها، إن أُعيد عرضها أصلًا». لكن كان ثمة منهج في جنون غودار. فإهداء Breathless إلى شركة مونوغرام بيكتشرز، وتلك التحيات المحبة لأفلام الجريمة القاسية التي لم تبلغ حتى مرتبة الأفلام ذات المكانة الطقوسية، كانت كلها جزءًا لا يتجزأ من إعادة تقييم متماسكة ومدروسة للسينما الأميركية الكلاسيكية.

تركزت رؤيتي الأولى لغودار على هذه «الأمركة»، المرتبطة بإعادة اكتشاف هوليوود من منظور «سينما المؤلف»، وهي المهمة التي اضطلعت بها مجموعة النقاد ــ وصانعي الأفلام المستقبليين ــ الذين التفوا حول مجلة كراسات السينما: رومير، وريفيت، وتروفو، إلى جانب غودار نفسه. وإذا نظرنا إليها من هذه الزاوية، فإن أفلام غودار المبكرة، أي أفلامه المنتمية إلى الموجة الجديدة، كانت تردد أصداء تيارات مهمة ظهرت داخل ثقافتي الإنجليزية نفسها: بروز فن البوب المبكر ــ بل وما قبل الأميركي ــ في أعقاب معرض «هذا هو الغد» عام 1956. فعلى سبيل المثال، قدّمت لوحة ريتشارد هاملتون Interior 1، بوصفها شخصيتها المركزية، باميلا نايت كما ظهرت في فيلم Shockproof، من إخراج دوغلاس سيرك عن سيناريو لصامويل فولر. وبدا ذلك وكأنه يردد أصداء الانشغالات الثقافية لفيلم غودار Breathless، المملوء باقتباسات من أفلام العصابات الأميركية. وكان لورنس ألواي، المتحدث النقدي باسم جماعة «هذا هو الغد»، أقرب ما كان موجودًا في إنجلترا إلى ناقد من طراز نقاد كراسات السينما؛ وكان من داعمي المجلة الإنجليزية الموازية Movie، التي روّجت لسينما الريبرتوار الهوليوودية واستوردت «سياسة المؤلفين» من الضفة الأخرى للقنال الإنجليزي. وفي نهاية المطاف، ومع تقدم الستينيات، أخذت عملية التهام الثقافة الجماهيرية الأميركية وإعادة صياغتها هذه تصبح أكثر فأكثر هي المهيمنة في بريطانيا. ففي عالم الموسيقى، على سبيل المثال، أنتجت فرقتي البيتلز والرولينغ ستونز. بل إن «الحداثة» الإنجليزية في الثقافة الجماهيرية صُدّرت بدورها إلى الخارج، وأصبحت مهيمنة إلى حد بعيد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها.

بدت أفلام غودار نتاجًا لنخبة مثقفة حداثية وكوزموبوليتية على نحو مماثل، إذا ما قورنت بأعمال كلود شابرول وإريك رومير وفرانسوا تروفو الأكثر «محلية» و«فرنسية»، والذين سرعان ما بدأت «حداثتهم» و«أمركتهم» تبدوان سطحيتين. كان غودار قد اعترف منذ وقت طويل بهيتشكوك ولانغ وغريفيث بوصفهم أساتذة كبارًا، إلى جانب روسيليني ورينوار وأيزنشتاين، لكنه أدرك أيضًا مكامن القوة في إنتاجات هوليوود الهامشية والغريبة، تلك الأفلام الشاذة عن منظومة الاستوديوهات. وحين تحدث عن فيلمه الثاني، Le Petit Soldat، استحضر فيلم أورسون ويلز The Lady from Shanghai، الذي رأى ديفيد طومسون أنه يقوم بـ«تفكيك» الفيلم الأسود.[1] وذكّره Une Femme Est une Femme بما يُفترض أنه «إخفاق» للوبيتش، Design for Living، وبفيلم ريتشارد كواين الثانوي بكل وضوح My Sister Eileen. تعامل غودار مع هوليوود بوصفها نوعًا من مستودع للمفاهيم، يستطيع أن ينهب منه، بمحض المصادفة السعيدة، أفكارًا للمشاهد واللقطات والأجواء. وفي موقع التصوير، كان يرتجل؛ فيوقف التصوير ويختفي ريثما يكتشف ما ينبغي أن يحدث بعد ذلك، ويلقّن الممثلين جملًا جديدة فيما الكاميرا دائرة، بل كان يضع لهم أحيانًا سماعات في آذانهم. لم يعمل قط مع كاتب سيناريو، ولم يعطِ أبدًا توجيهات تمثيلية تقليدية، مفضلًا أن يترك للممثلين اتخاذ قراراتهم بأنفسهم. والواقع أن أفلامه بدأت تتحول إلى أفلام وثائقية عن ممثليها. أما في المونتاج، فقد اعترف بأنه كان يستخدم ببساطة اللقطات التي تعجبه أكثر من غيرها، من دون أن يقلق كثيرًا بشأن الاستمرارية أو الاتساق. وكان فيلمه الأكثر إحكامًا، Vivre sa Vie، يتألف من سلسلة من اللقطات-المشاهد الموضوعة الواحدة تلو الأخرى، وكانت كل واحدة منها مأخوذة من المحاولة الأولى، بحيث «لم يكن هناك مونتاج. كل ما كان عليّ فعله هو أن أضع اللقطات الواحدة تلو الأخرى. وما شاهده فريق العمل في عروض اللقطات اليومية هو، إلى حد ما، ما يشاهده الجمهور». (وكان لاذعًا في حديثه عن ديلبرت مان، المعروف أكثر بصفته المخرج الحائز على الأوسكار عن Marty، متسائلًا: «ما الذي يجعل المرء، في نهاية المطاف، يواصل لقطة ما أو ينتقل إلى أخرى؟ مخرج مثل ديلبرت مان ربما لا يفكر بهذه الطريقة. إنه يتبع نمطًا: لقطة ــ الشخصية تتكلم؛ لقطة عكسية، شخص ما يجيب»).

حين أنظر إلى الأمر بأثر رجعي، أستطيع الآن أن أرى أن افتتاني «الأميركاني» بأفلام غودار في الستينيات كان أحادي الجانب. فقد كان هناك دافعان آخران فاعلان في سينما غودار، وغالبًا ما كانا متعارضين، وكلاهما فرنسي المنشأ بعمق. أولًا، كان هناك تيار قوي مما يمكن أن نسميه «حداثة أسلوب الحياة»، يجمع بين حس صحافي تجاه الراهن ونمط من البحث ذي توجه سوسيولوجي أكبر، إلى جانب ارتباط بـ«نقد الحياة اليومية»، إذا استخدمنا عبارة هنري لوفيفر. وهذا البعد من أعمال غودار هو ما جعله يبدو في آنٍ معًا «بارومترًا» ثقافيًا وناقدًا سياسيًا آخذًا في التشكل. ومن الناحية السينمائية، كان هذا التيار مدينًا بالكثير لأفلام جان روش، التي قدمت نماذج لأنثروبولوجيا حضرية سينمائية، أولًا في أفريقيا، ثم في باريس نفسها مع Chronique d'un Été، الذي أنجزه بالاشتراك مع إدغار موران. أما من الناحية الفكرية، فقد استقى غودار أكثر ما استقى من جماعة Arguments التي كان موران ينتمي إليها، لكنني واثق من أنه استقى أيضًا من جماعة الموقفيين المجاورة لها، وإن كانت شديدة العداء لها. وتُظهر أفلام غودار عددًا لا يحصى من السمات الموقفية: ليس فقط طوبوغرافيته لـ«مجتمع الفرجة»، وإنما أيضًا، على سبيل المثال، أفكار «الانجراف»، و«التحويل»، والانتحال بوصفه سياسة متعمدة. والواقع أن الأفلام التي أنجزها غي ديبور، الشخصية المركزية في الحركة الموقفية، سبقت الكثير من اهتمامات غودار واستراتيجياته اللاحقة، وهو أمر لم يستطع ديبور نفسه إلا أن يلاحظه ويعلّق عليه بما عُرف عنه من لذع معتاد.

ثانيًا، كان هناك تعلّق غودار العميق، والمفارِق مع ذلك، بفكرة الفن؛ سواء بوصفه ذخيرة من الأعمال العظيمة وإرثًا ثقافيًا متاحًا، أو بوصفه أيضًا مشروعًا فوضويًا قيد التشكل، يقتضي في الوقت نفسه إعادة كتابة ذلك الإرث وتدميره. وهنا أيضًا أخذ إرث كوكتو يفرض حضوره. فمثل أفلام كوكتو، أظهرت أفلام غودار تبجيلًا متناقضًا لفن الماضي، ورفضًا جانحًا للامتثال لأي من قواعده. وكان هذا ينطبق على السينما كما على الفنون الأخرى الأقدم منها. تبدو أفلام غودار وكأنها مصنوعة داخل نسخة استهلاكية من «المتحف المتخيَّل» لمالرو؛ مجتمع مليء بملصقات وبطاقات بريدية للوحات عظيمة، وتسجيلات لموسيقى عظيمة، ورفوف من كلاسيكيات الأدب، وأشخاص يستطيعون أن يتبادلوا في الحال اقتباسات من أبيات الشعر. لكن بدلًا من النظر إلى المجتمع الاستهلاكي بوصفه نقيضًا للفن، كما فعل كثير من المناهضين للحداثة، رأى غودار أن الإتاحة الشاملة للفن جزء لا يتجزأ من النزعة الاستهلاكية. فقد غادر الفن محرابه ليصبح سمة بارزة من سمات «الحياة اليومية»، إلى جانب آلات البينبول وملصقات الإعلانات. وفي هذا الجانب من عمله، غالبًا ما يبدو غودار متأرجحًا بين نقد النزعة الاستهلاكية والثقافة الجماهيرية وبين افتتان مسرور بهما. وفي هذا الصدد أيضًا، يشبه عمل غودار عمل جان كوكتو. فقد كان كوكتو أول من أدخل الصور الحديثة للكاباريه والمقهى والشاطئ والملعب الرياضي إلى عالم العرض الفني، في الوقت الذي كان ينأى فيه بنفسه عنها من خلال إحالات مستمرة إلى الكلاسيكيات و«الفن الرفيع»، مستخدمًا استراتيجية تقوم على الاقتباسات وإعادة الكتابة والأصداء الساخرة.

وفي نهاية المطاف، بطبيعة الحال، قاد مسار غودار نحو التزام سياسي يساري، تبلور مع أحداث مايو/أيار 1968، التي أدخلت نزعته الكلاسيكية الجديدة الكامنة وجماليته في أزمة. كانت الحياة اليومية نفسها قد أخذت تتسيّس أكثر فأكثر، إلى أن امتلأت الشوارع بالتظاهرات النضالية، وأصبح المنزل والمصنع وموقع تصوير الفيلم جميعها فضاءات لغليان سياسي. غير أن غودار، بخلاف كوكتو، لم يتراجع أمام التسييس. بل إن مسيرته السينمائية بأكملها حتى تلك اللحظة كانت مرتبطة بعزم لا يتزعزع على أن يبقى راهنًا، وأن يظل مواكبًا للعناوين الرئيسية، وخصوصًا أسلوب حياة الشباب الحضري الطليعي في شوارع المدينة. وما إن تجاوز هذا التسييس نقطة معينة حتى أطلق تحولًا في المنظومة بأكملها. دخلت سينما غودار مرحلتها النضالية. وفي البداية، بدا مرجحًا أن تستقر حول فكرة ما عن سينما «بريختية» أو «حرب عصابات»، لكن سرعان ما اتضح أن راديكالية غودار كانت تدفعه إلى أبعد من ذلك، نحو نوع من «السنة صفر للسينما»، مع أن نقطة الصفر نفسها كانت لا تزال تحمل أصداء أعمال سابقة: الحروفيين وفيلم موريس لومتر Le Film Est Déjà Commencé. قطع كوكتو علاقته بالسرياليين حين بدأوا يتحركون سياسيًا نحو أقصى اليسار، أما غودار فتحرك بسرعة نحو اليسار مع الموقفيين ثم تجاوزهم، لينضم في نهاية المطاف إلى جماعة ماوية صغيرة، تمامًا كما كان أندريه بريتون قد انضم في وقت سابق إلى الحزب الشيوعي.

وبدلًا من رومانسية بو ودوستويفسكي وغارسيا لوركا، أصبح صوت الماركسية-اللينينية وفكر ماو تسي تونغ هو الذي يثقل الآن المسار الصوتي لأفلامه بالاقتباسات، موفّرًا لغةً واصفةً لا تنتهي ولا ترحم، تهاجم المتفرج بسلسلة من المونولوجات الاستجوابية، المصممة، على غرار أفلام الحروفيين، لاستفزاز الجمهور. ومع ذلك، تمكنت عناصر كثيرة من استراتيجيات غودار السابقة، بطريقة ما، من البقاء. ظلت الأفلام تُبنى في كتل ووحدات، غالبًا ما كانت مرقّمة؛ وكانت الأصوات تُفصل عن شخصياتها؛ ويمتزج «أشخاص حقيقيون» بأدوار خيالية؛ وتُخلط الأنواع السينمائية بعضها ببعض داخل الفيلم نفسه؛ ويُستبدل الحوار بمخاطبة مباشرة للكاميرا والجمهور؛ وتوضع الأدوات والتقنيات السينمائية في الواجهة؛ ويُملأ كلٌّ من مسار الصورة والمسار الصوتي بالاقتباسات والتلاعبات اللفظية. وظهر أيضًا تشديد جديد على الطابع السيميائي للسينما، وعلى شفراتها الخاصة و«ممارساتها الدلالية»، التي كانت الأفلام نفسها تستجوبها بصورة صريحة. وهنا يمكننا أن نرى أيضًا تأثير رولان بارت، وهو عضو سابق آخر في جماعة Arguments، وسيميولوجيته للحياة اليومية، سواء في أبحاثه المتعلقة ببلاغة الصور أو في إصراره على أن اللغة اللفظية تظل ضرورية دائمًا لتثبيت معناها.[2]

كانت أفلام هذه المرحلة القصيرة والمكثفة، التي امتدت من عام 1968 إلى عام 1972، تعليمية ومقالية أكثر منها سردية أو درامية، وأقرب إلى بريخت منها إلى هوليوود. وحتى حين كانت هناك «قصة» خيالية، فإنها كانت تخضع لـ«نص مهيمن» أيديولوجي أكثر أو أقل صراحة. غير أنه في أعقاب تفكك جماعة دزيغا فيرتوف، بدأت هيمنة السياسة و«النص المهيمن» تتلاشى. وبعد انتقال غودار من باريس إلى غرونوبل، وبداية شراكته الحياتية والفنية مع آن-ماري مييفيل، بدأ يظهر نوع جديد من التردد والتجريب. أخذ غودار يهتم بالفيديو باعتباره شكلًا شعبيًا، بالطريقة نفسها تقريبًا التي يهتم بها الناس بالإنترنت اليوم، وبدأ يطوّر بحثًا سيميائيًا متواصلًا، لا في معنى الصور الفوتوغرافية في حد ذاتها فحسب، وإنما أيضًا في الفروق الشكلية المحددة بين الفيديو والفيلم، بوصفهما مختلفين عن التلفزيون والسينما. وشهدت هذه المرحلة إحياءً لاهتمام غودار بالبحث السيميائي، الذي أصبح يشمل الآن العلامة التلفزيونية إلى جانب العلامة السينمائية. وفي Ici et Ailleurs وComment ça va، استعاد الكثير من الخيوط التي كان قد تركها منذ Le Gai Savoir. ومع أن أفلامه ظلت سياسية بمعنى ما، فإنها فقدت قدرًا كبيرًا من دوغمائيتها. وبوجه خاص، تغيّرت رؤيته للسياسة في أعقاب النسوية، وراح يحاول الآن استكشاف الطرق التي يتشابك بها «الشخصي» مع «السياسي». وبحثت أفلامه وأشرطة الفيديو التي أنجزها في العلاقة بين فئات تبدو «شخصية»، مثل «الحب»، وفئات اجتماعية مثل «العمل». وكانت هذه، من نواحٍ كثيرة، مرحلة غنية في مسيرة غودار.

ثم، بعد عام 1976، حين انتقل غودار مرة أخرى، من غرونوبل إلى رول في سويسرا، اتخذت أفلامه منعطفًا جديدًا آخر، وهذه المرة نحو الانشغال بالمنظر الطبيعي والميتافيزيقا والتأملات الكونية، وبـ«الجليل»، بل وحتى بالدين. وغالبًا ما يُفترض أن ذلك حدث لأنه بات يعيش ويعمل في الريف بدلًا من المدينة. غير أنه يمكننا أيضًا أن ننظر إلى هذا التحول في التركيز بوصفه جزءًا من تحول عام داخل الثقافة الفكرية الفرنسية نفسها. فقد بدأ أبرز الماركسيين والبنيويين يتخلون عن السرديات الكبرى والأنظمة السيميائية التي سادت الستينيات. ومع خضوع عصر التنوير و«الحداثة» بصورة متزايدة للمساءلة، وهي عملية سرّعتها خيبة الأمل التي أعقبت عام 1968، ابتعد المثقفون الفرنسيون عن المقاربات «القائمة على المعرفة» في العلوم الإنسانية، واتجهوا نحو المجالات الأكثر تأملًا في الجماليات والفلسفة واللاهوت، داعين إلى رؤية لا مركزية تقوم على «التشتيت» و«الجذامير» والبنى المجهرية «الجزيئية». وتخلى غودار هو الآخر عن المركز، مفككًا سرده إلى فسيفساء من العناصر المجهرية. وفي الوقت نفسه، حدثت أيضًا عودة واضحة ومهمة إلى عنصر آخر من تقاليد كوكتو: العودة إلى الكلاسيكيات وتطوير أسطورة شخصية. وهكذا عادت نزعة غودار الجمالية وكلاسيكيته الجديدة إلى الحياة، وأخذتا تنموان من جديد، بالتوازي مع انحسار التزامه السياسي، أو على الأقل تحوله إلى شيء أكثر تجريدًا وأثيرية.

طوال مسيرته، تجنّب غودار اتباع نمط ثابت، سواء في بناء الحكاية أو المونتاج أو اختيار النوع السينمائي أو تطوير الموضوع. وفي مقال كتبه عن جان-لوك غودار لمجلة Artforum عام 1968، خمّن الرسام والناقد ماني فاربر أنه «في نهاية مسيرة هذا المخرج، سيكون هناك على الأرجح مئة فيلم، كل واحد منها نوعًا مختلفًا على نحو غريب، له هيكله وأوتاره وريشه الفريد إلى حد مؤلم».[3] حين كتب فاربر ذلك، كان غودار قد انتهى للتو من فيلمه الثالث والعشرين، La Chinoise، إضافة إلى حلقتين في فيلمين جماعيين. وبحلول الوقت الذي أكمل فيه ويلر وينستون ديكسون كتابه الشامل والثاقب عن غودار،[4] كان المخرج الذي لا يمكن إيقافه قد وصل بالفعل إلى فيلمه السادس والسبعين، بما في ذلك أعمال كبرى أُنجزت بالفيديو، الذي ظهر للمرة الأولى بوصفه وسيطه المفضل في منتصف السبعينيات. وأكثر من ذلك، وكما تنبأ فاربر، يبدو كل فيلم من أفلامه فريدًا من نوعه، مختلفًا تمامًا عن أي عمل سابق له، ولا يشبهه إلا في كونه مختلفًا عنه على نحو غير متوقع وغير متسق. ومع ذلك، فإن لأفلام غودار نوعًا من المنطق الكامن، وإن كان منطقًا تحوّل من وقت إلى آخر مع تغيّر مكان إقامته، ودائرة المقرّبين منه، وطريقة إنتاجه. وإذا نظرنا إلى سيرته بأثر رجعي، يمكننا بالتأكيد أن نرى تغيّرات مهمة، لكن ثمة أيضًا إحساس واضح بالاستمرارية. وفي أكثر المخططات فائدة لسيرة غودار، قسّم كولن ماككيب حياته إلى سبع مراحل تخطيطية، يمكن تلخيصها واستعراضها على النحو الآتي:[5]

  1. الطفولة. وُلد غودار في سويسرا عام 1930. كان والده طبيبًا ناجحًا يدير عيادة خاصة في نيون، أما والدته فكانت تنتمي إلى عائلة مصرفية فائقة الثراء، هي عائلة شلمبرغر، مؤسسو بنك باريس والأراضي المنخفضة. ويتذكر غودار طفولته بوصفها فترة شاعرية، وخصوصًا الأيام السعيدة التي أمضاها في ملكية عائلة والدته على ضفاف بحيرة جنيف. ووفقًا لماككيب، «فالانطباع الذي يتكون لدينا هو عن طفل حالم إلى حد ما، ساحر ومدلل، قرة عين أمه، لكنه كان منذ وقت مبكر في صراع كبير مع والده».
  2. السينيفيلية. في نهاية الحرب، أُرسل غودار إلى باريس للدراسة من أجل الحصول على البكالوريا، ثم لاحقًا لدراسة الأنثروبولوجيا في السوربون. وسرعان ما أصبح من رواد السينماتيك، ومعهد علم الأفلام، والعديد من نوادي السينما الصغيرة التي انتشرت في باريس، جزئيًا لتعويض ما فات من أفلام لم يكن من الممكن مشاهدتها بسبب الاحتلال الألماني. وبدأ غودار يكتب عن السينما، أولًا، تحت اسم هانس لوكاس، في مجلة Gazette du Cinéma الصغيرة، ثم في مجلة Cahiers du Cinéma التي سرعان ما أصبحت المجلة السينمائية الأبرز في فرنسا، وكان من بين زملائه فيها، كما رأينا، تروفو وريفيت ورومير، وهم شركاؤه في تأسيس الموجة الجديدة. وخلال هذه الفترة، سافر غودار أيضًا إلى أميركا والبرازيل، وارتكب، مثل تروفو، عددًا من السرقات الصغيرة من أصدقاء وأفراد من العائلة وأرباب عمل، وكان محظوظًا في خروجه من الأمر بأضرار محدودة نسبيًا بعد حادثة أكثر خطورة بكثير، وقعت عقب عودته إلى سويسرا عام 1952 وأدت إلى تدخل الشرطة. غير أن والده أدخله إلى مستشفى للأمراض النفسية.
  3. الموجة الجديدة. بعد خروجه من المستشفى، أتاحت له علاقات عائلته كسب المال اللازم لإنجاز فيلمه الأول، وهو فيلم صناعي قصير. ثم عاد غودار إلى باريس، حيث أنجز بسرعة ثلاثة أفلام قصيرة أخرى، وواصل الكتابة بوصفه ناقدًا، وعثر على عمل في قسم الدعاية في شركة فوكس، وأقام عددًا من العلاقات داخل صناعة السينما الفرنسية. وجاءت انطلاقته الكبرى في «العام المعجز» 1959، حين دفعه A Bout de Souffle فجأة إلى النجاح. وكانت الأرضية قد مهدت له بالفعل على نحو جيد بفضل أصدقائه من «عصابة» Cahiers، وخصوصًا تروفو، زعيم ما سماه هو نفسه «سياسة الأصدقاء»، الذي كان قد حقق نجاحه في العام السابق، وأصبح قادرًا الآن على مد يد العون إلى شريكه القديم في الجريمة. وسرعان ما أثار غودار غضب النقاد، واستفز جمهوره، وضرب عرض الحائط ببروتوكولات الصناعة. ومع ذلك، فلا أحد ممن شاهدوا أفلامه في الستينيات يمكن أن ينساها بسهولة.
  4. أراك عند ماو. ظهرت أولى علامات التحول في مسيرة غودار منذ عام 1963، مع Le Mépris، حيث يقتبس له فريتز لانغ، في مفارقة لافتة، أبيات بريخت عن كاتب السيناريو العامل في هوليوود: «كل يوم، كي أكسب خبزي اليومي / أذهب إلى السوق حيث تُشترى الأكاذيب / آمل / أن أجد لنفسي مكانًا بين الباعة المتجولين». واستمر غودار في التحرك نحو اليسار مع Deux ou Trois Choses Que Je Sais d'Elle، إلى أن وصل في النهاية إلى الماوية مع La Chinoise، وكان فيرتوف قد حل في هذه المرحلة محل أيزنشتاين في تقديره.

وكعادته دائمًا، كان غودار يخلط عمله بحياته الخاصة، وبدأ كل شيء ينهار داخليًا حين تحطمت نهائيًا علاقته العاصفة مع آنا كارينا، بطلة سبعة أفلام رائعة وزوجته أيضًا. وكان La Chinoise يدور حول مجموعة من الطلبة الذين يطمحون إلى أن يصبحوا ثوريين، وأدت الدور الرئيسي فيه آن فيازمسكي، التي سرعان ما تزوجها غودار، وظهرت بعد ذلك في خمسة من أفلامه.

وفي Le Gai Savoir، أول أفلامه للتلفزيون، استجاب غودار مباشرة لأحداث مايو/أيار 1968، بفيلم كان في الوقت نفسه أكثر أعماله تجريبية وأكثرها التزامًا سياسيًا. وفي العام التالي، أسس غودار وجان-بيير غوران جماعة ماوية لصناعة الأفلام، هي جماعة دزيغا فيرتوف، التي حملت اسم مؤسس حركة «السينما-العين» في عشرينيات القرن العشرين. وانطلاقًا من أفكار حول السينما «البريختية» أو «حرب العصابات»، دفعت راديكالية غودار به إلى ما سمّاه «السنة صفر للسينما»، في صدى لفيلم روسيليني Germany, Year Zero. وفي عام 1970، اقتادته الشرطة في سيارة تابعة لها بسبب بيعه في الشارع صحيفة Cause du Peuple المحظورة.

  1. غرونوبل. بعد ثلاث سنوات، أي عام 1973، وفي أعقاب المحاولة سيئة الطالع التي قام بها غودار وغوران لإنجاز فيلم موسيقي ماركسي-لينيني من بطولة جين فوندا وإيف مونتان، انتهت أخيرًا مغامرة جماعة دزيغا فيرتوف، وانطلق غودار في مسار جديد آخر، وهذه المرة أيضًا برفقة شريكة جديدة هي آن-ماري مييفيل. كانت مييفيل مصورة فوتوغرافية، وقد اعتنت بغودار وساعدته على استعادة صحته بعد حادث دراجة نارية تعرض له عام 1971، قبيل بدء تصوير Tout Va Bien. وبعد الانتهاء من الفيلم، أصرت على أن يغادر باريس نهائيًا حرصًا على سلامته. كان انتقال غودار إلى غرونوبل مرحلة في تعافيه الشخصي، كما كان وسيلة لإعادة تثبيت مسيرته المهنية عبر الانطلاق في سلسلة من مشاريع الفيديو للتلفزيون الفرنسي، بالشراكة هذه المرة مع مييفيل. وفي Ici et Ailleurs وComment ça va، عاد غودار إلى المسار السيميائي الذي كان قد شقه أول مرة في Le Gai Savoir. وكان بارت، مؤسس السيميولوجيا، قد رفض الظهور بشخصيته في أحد أفلام غودار، خلافًا لشخصيات مشهورة أخرى. ومع مييفيل، أعاد غودار صياغة موقفه السياسي بأكمله؛ وقادته مراجعته الذاتية، التي جرى جزء منها على الشاشة، إلى اهتمام جديد بالعائلة والعلاقات الشخصية، بما يعكس صعود الحركة النسوية. وقرب نهاية هذه المرحلة، انخرط في مشروع طوباوي لإنشاء قناة تلفزيونية تعتمد على مبدأ «افعلها بنفسك» لصالح وزارة الإعلام في موزمبيق، في صيغة تجمع بين «السينما-العين» وVideo Nation، لكنها انتهت في نهاية المطاف إلى لا شيء.
  2. العودة إلى سويسرا. في عام 1976، غادر غودار ومييفيل، وهي سويسرية أيضًا، فرنسا نهائيًا، وعاد هو إلى الأماكن التي عرفها في طفولته على ضفاف بحيرة جنيف. وهناك واصلا العمل معًا بالفيديو، لكن غودار، استجابة على ما يبدو لإلحاح مييفيل، شرع أيضًا في إنجاز سلسلة من الأفلام الطويلة بممثلين قادرين على جذب التمويل وبقيم إنتاجية جادة. وفي عام 1982، عاد مدير التصوير الكبير راؤول كوتار، الذي كان قد صوّر خمسة عشر فيلمًا من أفلام غودار في الستينيات، باستثناء واحد منها فقط، منذ A Bout de Souffle وحتى Weekend، للعمل معه في Passion وPrénom Carmen. وقد اعتُبر الفيلمان على نطاق واسع إشارة إلى نوع من المصالحة الجزئية بين غودار الجديد المقيم في سويسرا وغودار الباريسي القديم.

وكما كان متوقعًا، انتهى احتمال أن يعيد غودار إطلاق مسيرته التجارية نهاية كارثية عام 1987، حين وافق على إخراج نسخة من King Lear لصالح مناحيم غولان ويورام غلوبوس، اللذين كانا يديران آنذاك شركة كانون فيلمز، وهما منتجان ربما كانا أكثر ابتذالًا حتى من جيري في Le Mepris. كتب نورمان ميلر السيناريو، وكان من المفترض أن يؤدي هو وابنته دوري لير وكورديليا. وكما كان متوقعًا أيضًا، انسحبا من موقع التصوير بعد نصف يوم فقط، لكن غودار، من دون أن يصاب بالذعر، بدأ من جديد مع بورغيس ميريديث ومولي رينغوالد. وظهر وودي ألن في لقطة قصيرة بدور «السيد ألين»، كما ظهر غودار نفسه في دور «البروفيسور بلاغي»، في حين جرى التخلي بصورة منهجية عن رؤية ميلر المتضخمة للفيلم بوصفه نسخة من The Godfather.

  1. الاستقرار. في المرحلة الأحدث من مسيرته، واصل غودار، إلى جانب مييفيل، تركيب صيغ إنتاجية تمكّنه من العمل مخرجًا للتلفزيون، إلى حد بعيد وفق شروطه الخاصة. وكان يعيد استثمار معظم دخله من التلفزيون في المعدات التقنية، بما يتيح له القيام بأعمال ما بعد الإنتاج في منشأة أصبحت فعليًا استوديوه الشخصي الخاص. ومع ذلك، ظل ينجز في المتوسط فيلمًا طويلًا تأمليًا جديدًا كل ثلاث أو أربع سنوات، فيما كرّس الجزء الأكبر من طاقته للملحمة الضخمة ذات الأجزاء الثمانية بالفيديو Histoire(s) du Cinéma، وهي تأمل مطوّل في مئة عام من تاريخ السينما كما يراها واحد من أكثر شخصياتها معرفة وإقلاقًا؛ كولاج متخم بلحظات مفضلة، تتحول إلى نقاط انطلاق لاستطرادات غودارية نموذجية، وروابط ومجاورات غير متوقعة. وقد اكتمل Histoire(s) du Cinéma قبل سنوات عدة، وكان مقررًا أن يُعاد إصداره في مجموعة أقراص DVD. أما المستقبل، فمن عساه يستطيع التنبؤ به؟ (رمّان: صدر فعلاً، ونذكّر بأن النص منشور في كتاب صدر عام ٢٠٠٢)

 

يتبعه الجزء الثاني غداً...

هوامش

موضوعات

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع