إنتاج الديمقراطية أو استهلاكها

Truisms est une série qui a été produite durant les années 1977 jusqu'à 1979 par Jenny Holzer.

فرج بيرقدار

شاعر سوري

شعوب كثيرة عاشت الاستبداد كما لو كان مؤبّداً، ثم نعمت بالديمقراطية إلى هذا الحد أو ذاك، أو لنقل إنها انتقلتْ، بتضافر مصالح داخلية وإقليمية وعالمية، من بؤس الوعي إلى وعي البؤس.

للكاتب/ة

ولكن رغم كل ذلك، فإن المستقبل، لم يغلق أبوابه المواربة، ولم يتنصل التاريخ من قوانينه وتمرّداته وسخرياته وألاعيبه، ومكره إن شئتم، ولهذا لا تنتهي مسارب الأمل.

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

17/09/2026

تصوير: اسماء الغول

فرج بيرقدار

شاعر سوري

فرج بيرقدار

هل صحيح أن الشعب السوري ليس واعياً ولا ناضجاً ولا مهيَّأً بما يكفي للعيش في كنف أو تحت ظلال الديمقراطية؟ 

هذا كلام فيه كثير من الحق، وكثير من الباطل، وفيه أيضاً كثير من الحق الذي يُراد به باطلاً. 

وما ينطبق على الشعب السوري، ينطبق على مجمَل الشعوب، التي يحكمها بُغاة أو طغاة أو سماسرة "مُلهَمون".

لا شك أن بذور الديمقراطية تحتاج إلى الكثير من الظروف والمقوّمات والمقدمات التي تبدأ من تأمين حدود مقبولة من شروط العيش الكريم، والانتقال من بؤس الوعي إلى وعي البؤس، فعملية بناء ديمقراطية أصيلة ومعافاة، لا تكون ولا تتطور بدون هذين الأساسين، المادي والمعنوي. والتطور الطبيعي للديمقراطية، يكون عادةً من قاعدة الهرم الاجتماعي إلى رأسه، ولكن في تاريخ الشرق، يبدو دور الفرد والقائد والزعيم والرئيس والملك أقوى وأسهل وأسرع في إنجاز عملية الاستبداد، كما في إنجاز عملية الديمقراطية، أو أي عملية سياسية أخرى، وهذا على سرعة فعاليته، لا يخلو من مخاطر ومحاذير وأمراض وعيوب وهشاشة، فهل ذلك يعني أن على الشعب السوري وأمثاله أن ينتظروا إلى أن تكون قاعدة الهرم الاجتماعي مهيأة لاستقبال بذار الديمقراطية؟

وما الحل إذا كانت عقود الاستبداد الطويلة قد أفسدت مناطق واسعة من وعي المجتمع وقيمه ومشاعره ونواياه وأحلامه؟

هل ننتظر شخصاً مخلِّصاً، أم عاصفة جارفة، أم صحوة مجتمعية من غامض علمه، أم غير ذلك، أم كل ذلك معاً؟

لا أعتقد أن أحداً يمتلك جواباً أو حلّاً شافياً حتى الآن، وإلا لتلمّسنا بوادره. كثيرون يعرفون ما لا يريدون، وقد يكون هذا شرطاً لازماً للبحث عما يريدون. 

من المفارقات الفادحة أن سوريا، التي لم تكن يوماً سلفية، تتقدم الآن نحو السلفية كما لو أنها وقعت على مغنم، في حين أن السعودية تغادر سلفيتها كما لو أنها تتخلّص من مغرم. 

بالطبع الديمقراطية، في حال كانت من قاعدة الهرم نحو الأعلى أو العكس، فإنها ليست موقفاً طارئاً أو عابراً، بل هي عملية تاريخية طويلة وسياق ينطوي على مجمل ما تُدار به الخلافات والسلطة والمجتمع من انتخابات، وتداول لشؤون الحكم، وقبول بالاختلاف، وحماية للحقوق، واستقلال للقضاء، وحرية إعلام، ومساءلة الحاكم إلخ.

والديمقراطية ليست أن تتخذ موقفًا ديمقراطياً من حين إلى آخر، بل أن تجعل القواعد الديمقراطية إطارًا دائماً لممارسة السلطة والاختلاف.

ولهذا لا تقبل الديمقراطيةُ الاجتزاءَ أو التجزيء، ولا القبولَ والرفضَ بناءً على النتائج، التي إن كانت لصالحكَ قبلتَها، وإن كانت لصالح الآخر أنكرتَها.

وينبغي أن نضيف إلى ما سبق، أن الديمقراطية الحديثة، وفق الأسس الفكرية التي صاغها جون لوك وروسو ومونتسكيو، لا تقتصر على حكم الأغلبية، وإنما هي تشمل القواعد والمؤسسات والحقوق، التي تجعل حكم الأغلبية نفسه مقيداً ومحكوماً بإجراءات وقوانين وقواعد.

بهذا المعنى لا يوجد، في تاريخ العرب والمسلمين والشرق عموماً، إرث ديمقراطي ولا حتى تجارب ديمقراطية يمكن البناء عليها.

ولكن حين يكون الشعب ليس مهيَّأ لإنتاج الديمقراطية (بسبب الاستعمار والسلطات الاستبدادية والتجهيل والإمبريالية والصهيونية وإلى آخر القائمة المحفوظة عن ظهر قلب)، فهل يكون بطبيعة الحال ليس مهيَّأ لاستهلاكها؟

قد يكون مفهوماً لماذا لسنا منتجين للديمقراطية لا ماضياً ولا حاضراً، ولكن ما ليس مفهوماً هو لماذا لا نكون مهيّئين لاستهلاكها؟!

بناء الديمقراطية من قاعدة الهرم إلى قمته تحتاج إلى تضافر العديد من العوامل الداخلية والخارجية، وإلى وعي ودأب وصبر وتكاليف مادية ومعنوية، وهذا ما لم يتوفر للشعب السوري ولا لأمثاله من الأشقاء والجيران، وحين نرى ملامح أو مؤشرات أو مستويات ما من الديمقراطية، لدى هذا البلد الشقيق أو ذاك البلد الجار، فلا بد أن ذلك قد جاء من رأس الهرم باتجاه القاعدة، فإذا استمر ذلك أو اتسع ولو تدريجياً، فإنه يمكن أن يخلق احتمالات وفرصاً للتفاعل ما بين رأس الهرم وقاعدته، بما من شأنه مع الزمن وتراكم التجربة وإدراك الفوائد والمكاسب، أن يجعل نمو الديمقراطية وتوالدها شأناً عادياً وطبيعياً وأصيلاً. 

مثلما هناك إمكانية لتحويل مجتمع ما من البناء إلى الخراب، هناك إمكانية مقابلة لتحويله من الخراب إلى البناء.

ومثلما لا شيء يمنعنا من استهلاك الكثير من الأمور التي ليست من إنتاجنا، فإنه ينبغي أن لا يمنعنا شيء من استهلاك الديمقراطية وإن لم تكن من إنتاجنا، هذا إلا إذا كان هناك إمكانية لإنتاج ما هو أعلى من الديمقراطية وأكثر حرية وعدالة وتطوراً.

حكامنا يستوردون ويستهلكون أرقى منتجات الحداثة من أسلحة ووسائط نقل واتصالات وتكنولوجيا وذكاء صناعي ومعظم مستلزمات الحياة، وكثيراً ما يستوردون الكماليات من ألعاب نارية وغير نارية،  فلماذا لا يقبلون استيراد الديمقراطية واستهلاكها، وهي في عصرنا من أكثر مستلزمات الحياة ضرورةً وإلحاحاً؟!

من لا يستطيعون إنتاج ديمقراطية عربية أو إسلامية، تقارب أو تضاهي أو تباهي ديمقراطيات الآخرين، فالأَولى بهم أن يستوردوا أي ديمقراطية مستعملة، كما يستوردون ثياب البالة/السكند هاند، إذ غالباً لا سبيل إلى الجديدة، هذا إلا إذا كانوا كما يقول المثل: لا يرحمون ولا يتركون رحمة الله تنزل.

مهما كانت ثياب الديمقراطية، تبقى أفضل من عري الاستبداد وأضاليل الرُّقى واستعراضات الهدى والضلال. 

وحال من يتحدثون عن المستقبل، ويهملون الحاضر،  كحال من يخططون لبناء الطابق الثاني أو العاشر أو العشرين بدون أن يقوموا بإرساء أساسات وركائز الطابق الأول على أصولها، أي كما لو أنهم لا يعرفون أن الأساسات غير السليمة، لا يُبنى عليها طوابق عليا سليمة، ولا حتى غير سليمة، ثم هل رأيتم أحداً يبني طابقاً ثانياً في الهواء إلا المجنون أو الدجّال. بالطبع لا يفوتني أن السلطة السورية، منذ 8 كانون الأول 2024، تتعامل مع "الديمقراطية"، كما لو أنها من الكبائر، ولهذا لا يمكن لأحد أن يعثر على أي ذكر لها، لا من رئيس السلطة، ولا ممن يعتمد عليهم في مفاصل سلطته ومؤسساته.

ومما يمرث الكبد، ويَعزِق الروح، أنّ سوريا هذه الأيام، تتأرجح ما بين كابوس سنغافورة وحلم أفغانستان. إعطاء الكابوس لسنغافورة والحلم لأفغانستان ليس سهواً ولا خطأ، بل هو تشخيص لواقع الحال.

ولكن رغم كل ذلك، فإن المستقبل، لم يغلق أبوابه المواربة، ولم يتنصل التاريخ من قوانينه وتمرّداته وسخرياته وألاعيبه، ومكره إن شئتم، ولهذا لا تنتهي مسارب الأمل.

شعوب كثيرة عاشت الاستبداد كما لو كان مؤبّداً، ثم نعمت بالديمقراطية إلى هذا الحد أو ذاك، أو لنقل إنها انتقلتْ، بتضافر مصالح داخلية وإقليمية وعالمية، من بؤس الوعي إلى وعي البؤس.

الكاتب: فرج بيرقدار

هوامش

موضوعات

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع