مقدمة الترجمة العربية لكتيب وايلد "روح الإنسان في الاشتراكية"، الصادر عن دار ممدوح عدوان للنشر والتوزيع، 2026.
اشتُهر أوسكار وايلد بدفاعه عن نظريّة الفنّ للفنّ، وبرفضه للواقعيّة. ولكنّ قناعاته الفوضويّة، المتّسقة تماماً مع مذهبه الفنّي، بقيت مغمورة، ولم يلتفت إليها النقّاد كثيراً. نترجم هنا كتيّبه اليتيم في الفوضويّة، "روح الإنسان في الاشتراكيّة"، الذي يشرح فيه رؤيته لمستقبل الإنسان عموماً، والفنّ خصوصاً، في نظام اشتراكي فوضوي. يشكّل هذا الكتيّب أحد الأعمال القليلة المكتوبة بقلم أديب عظيم في الدفاع عن الفوضويّة، وعن استقلال الفنّ، وعن الفردانيّة بوصفها العنصر الأساسي في كليهما: الفنّ والفوضويّة.
عاش وايلد حياته للفنّ، وقدّم مسرحيّاتٍ خلخلت معنى المسرح التقليدي (كما يتبجّح هو نفسه في رسالته "في الأعماق")، وكتب روايةً يتيمة، وقصصاً قصيرة لليافعين وللكبار، وعشرات المراجعات، والمقالات النقديّة، وغيرها. كانت بصمته الخاصّة واضحة في كل ما كتبه، وتتميّز بالتلاعب باللّغة للسخرية من الأفكار السائدة والثورة عليها. يدين الكتيّب هذا بشكل رئيس بوجوده إلى تأثير الأمير الروسي الفوضوي المنفي إلى لندن بيتر كروبوتكين، فقد التقاه وايلد عدّة مرّات، وقرأ أعماله، وأعجب بشخصيّته وبفكره بشدّة. مات وايلد في سنّ الخامسة والأربعين، بعد أن حطّمته سنوات الأشغال الشاقّة، التي قضاها عقب محاكمته بتهمة المثليّة الجنسيّة. بقيت ثورته الفنيّة حيّة، وتنوّعت مصائرها: رفضها آباء الحداثة الإنجليز، مثل إزرا باوند وت. إس إليوت، بسبب ثرثرته المحبّبة وتفاؤله المريب، وتبنّاه بحماسة جورج برنارد شو وبورخيس، وبقي التوجّس سائداً لدى اليسار عموماً من هذا الغندور، الذي جسّدت حياتُه أفكارَه في الفنّ، ببذخه، ورقّته، ومرحه، وثيابه الأنيقة التي عُرف بها على الدوام.

ولكن، ما الذي يربط الفوضويّة بنظريّة الفن للفن، وكيف يمكن لرفض الواقعيّة أن يكون متّسقاً مع الفن اليساري؟
رفض وايلد أن يحمّل الفنّ رسالة، مهما كان نوعها. ودعا إلى الاهتمام بمفردات العمل الفنّي، خصوصاً الشكل، بوصفه جوهر الفن. برأيي، لم يكن وايلد جديّاً تماماً بدعوته هذه، وبالغ في سخريته من تحميل الفنّ أيّة مضامين أخلاقيّة، أو سياسيّة، كي يزلزل القناعات المستقرّة بين النقّاد والفنّانين. مسرحيّاته مثالٌ عن أعمالٍ تحمل رسائل أخلاقيّة، وكذلك قصصه. ولا أعتقد أنّه سعى إلى إخفاء ذلك. في الحكم القصيرة التي افتتح بها رواية "صورة دوريان جراي"، كتب بوضوح:
"الأخلاق مادّة العمل الفنّي، ولكنّ أخلاقيّة العمل الفنّي فنّه".
ممّا يعني، ببساطة، أنّك تستطيع أن تتناول مواضيع أخلاقيّة (الرواية نفسها، ومسرحيّاته، تفعل ذلك)، ولكنّ أخلاق الفنّ تتجلّى بالانصياع للفنّ، للشكل، للتجريب، للتسلية، لكل ما يجعل الفنّ فنّاً.
وعلى أيّة حال، ما يربط نظريّته في الفنّ بفوضويّته لا يتعلّق تماماً بالرسالة الأخلاقيّة، بل برفض الواقعيّة: وهنا يتجلّى موقفه الفلسفي بشكل كامل، ومتّسق.
أوّلاً، رفض وايلد الواقعيّة في الفنّ، ودعا لتجاوز الواقع. وفكرته بسيطة: الإنسان يجلب معه أحلامه، وتصوّراته، وآماله، إلى الفنّ. لا يمكن للفنّان أن يعكس الطبيعة، بالأصل. بمعنى ما، يشبه الكنطيّة وتوماس كون، في الإصرار على أنّنا لا نعكس فقط الواقع، بل دوماً نعيد تشكيله وفقاً لما نحن عليه. والفنّ الذي يفضّله وايلد، هو الفنّ الذي يتجاوز، ويقفز إلى الأمام، ويغيّر البشر. من هنا يأتي رفضه الحاد للواقعيّة.
ثانياً، لم يؤمن وايلد بأنّ الاشتراكيّة تشكّل مرحلة عُليا من البشريّة، لأنّها حتميّة تاريخيّة. لا يوجد إشارات إلى مثل هذا الإيمان في كتيّبه هنا، رغم أنّ هذا الإيمان كان سائداً بين الماركسيّين والفوضويّين. في الحقيقة، تبدو الاشتراكيّة مرحلة عُليا من البشريّة، لأنّها حلمٌ بشري، يوتوبيا، تجاوزٌ للواقع. وهذا ما يشدّ وايلد إلى الفوضويّة: الرغبة بالتغيير نحو عالم أكثر عدلاً ومساواة. ولا يخجل من كلمة يوتوبيا، ولا يستحي من التشدّق بالأحلام والدفاع عنها.
في الفنّ، وفي السياسة، يسعى وايلد إلى تجاوز الواقع، ويقذف كامل ثقته على كاهل الإنسان الذي يقوم بالتغيير، ويصوّر الفنّ على أنّه حامل لواء المستقبل، والممثّل الأكثر كثافةً لأحلام التغيير، ولجوهر البشريّة (كما فعل قبله شوبنهاور- ولكن وايلد يرفض أي تواصل مع الماورائيّات من خلال الفنّ).
على أنّ الرابط الأهم بين الفنّ والفوضويّة، في نظريّة وايلد، وفي حياته العمليّة، يكمن في دفاعه المستميت عن الفردانيّة. في هذا، يتّفق مع آباء الفوضويّة، باكونين وكروبوتكين، ولاحقاً راسل وتشومسكي، ويختلف عن الماركسيّين.
يعتقد وايلد أنّ الاشتراكيّة ستخلّصنا من الطغيان: طغيان الدولة، والدين، والناس. ومثل الليبرالي جون ستيوارت مل، كان حسّاساً جدّاً لطغيان الناس، والمجتمع، والرأي العام. ودفاعه عن الفردانيّة بحرارة ينبع من تجاربه الشخصيّة من جهة، ومن سُلطة الصحافة والناس التي أصبحت تفرض على الأفراد ما يجب أن يؤمنوا به، وتحوّلت إلى سُلطة أقسى من سُلطة الدولة والدين، في زمنه، في إنجلترا القرن التاسع عشر. جوهر الحريّة، والاشتراكية، والفنّ، يكمن في الفردانيّة، بحسب وايلد. رفض وايلد الاشتراكيّة السلطويّة، كما رفض أيّة سُلطة على روح الإنسان؛ روح الإنسان في الاشتراكيّة ستكون حرّة تماماً، وفردانيّة تماماً.
ويكون الإنسان حرّاً عندما لا يكون هناك ملكيّة خاصّة. هذا جوهر الاشتراكيّة، وبه يلتزم وايلد. إضافةً إلى إلغاء الملكيّة الخاصّة، والفردانيّة، يتميّز عمله، أيضاً، بنقطتين أساسيّتين:
الأولى، التفاؤل بمستقبل العلم، الذي سيحلّ مكان الإنسان في الأعمال القذرة، والمنهكة، وغير الخلّاقة. راسل آمن بشيء مشابه. وايلد، الفنّان الحسّاس، كان أيضاً ملتزماً بالرؤية العلميّة، ومتفائلاً بها، وداعياً إليها. العلم شيء إيجابي، للفنّان، وللفوضوي، وللإنسان. والعلم سيحرّرنا من ضرورة العمل اليدوي، لنتفرّغ للمتعة.
وهذه هي النقطة الثانية: وايلد مهووس بالمتعة، ويعتقد أنّ البشر خُلقوا من أجلها. المتعة، بكل أشكالها، المتعدّدة، بحسب مقدّرات كل فرد، ورغباته الخاصّة. لا يوجد شكل واحد للمتعة، أو معنى واحد؛ بل هي كثيرة جدّاً، ومتغيّرة جدّاً، وكبيرة جدّاً. السعي إلى المتعة ليس أنانية، الأنانية هي أن تفرض رغباتك على الآخرين. أمّا أن تحقّق رغباتك الخاصّة، وتجهد من أجلها، وتجعلها أولويّة، فهذا ما يريده كل البشر، وهذا ما ستحقّقه البشريّة في الاشتراكيّة.
وبما أنّ وايلد ناقدٌ فنّي، فأكثر من نصف كتيّبه هذا مخصّص للفوائد التي ستعود على الفنّانين في الاشتراكيّة، والتحذير من مخاطر الطغيان التي تحاصرهم بغيابها.
ربّما، لا يوجد دفاع فنّي أكثر حرارة عن الفوضويّة من هذا الكتيّب، بقلم فنّان غمره الفنّ، والهوس بالشكل الفنّي، والرغبة بتغيير عالم الفنّ، وبالتالي كامل عالم البشر، إلى عالم يكون فيه كل فرد حرّاً تماماً، من أشكال الطغيان والسُّلطات كافّة.
...
أضفتُ ثلاثة نصوص، بعد أن فرغتُ من ترجمة الكتيّب: نص قصير لوايلد، ومراجعة جورج أورويل للكتيّب، ونص قصير كتبه خورخي لويس بورخيس عن أوسكار وايلد.
نص وايلد، "حِكمٌ وفلسفات لمنفعة الشباب"، شهيرٌ جدّاً، وفيه يقدّم مجموعة نصائح للشباب، بأسلوبه الممتع، على شكل شذرات، تحمل معنيَيْن تقريباً، كأنّها أحجية.
مراجعة أورويل الفوضوي، لكتيّب وايلد، نموذجيّة ومباشرة، وجزءٌ من عمل أورويل الصحفي الطويل، إذ كان يراجع عشرات الكتب سنويّاً، ويعلّق عليها. هنا نراه يحلّل الكتيّب، وينقده، ويتّفق مع رسالته الجوهريّة.
نص بورخيس مختلفٌ تماماً، وفيه يراجع الأرجنتيني مجملَ أعمال وايلد وحياته، في سياقها التاريخي الأدبي. كان بورخيس معجباً بشدّة بوايلد، وبأسلوبه، وبثورته الأدبيّة. تحوّل بورخيس إلى يميني مع تقدّمه في السنّ، وأصبح نخبويّاً بوضوح، على العكس من وايلد وأورويل.
يتّفق الكاتبان، المتناقضان كليّاً، على تقديرهما لعمل الإيرلندي، وعلى الإعجاب بقدراته الفذّة، الأدبيّة، والأسلوبيّة، والفكريّة.
....
يبدو عالمنا اليوم بعيداً جدّاً عن أحلام وايلد ورؤاه. ولكن، الطغيان الذي تمارسه وسائل التواصل الاجتماعي، وصعود التعصّب القومي والديني، وتراجع دور الفنّ، وتحوّله إلى مجرّد دعاية لأهداف سياسيّة، أو تلاعب شكلي فارغ، يجعل لعمل وايلد أهميّة استثنائيّة، ويغدو الدفاع عن الفنّ دفاعاً عن الحياة، وعمّا هو الأكثر قيمة وأهميّة في الحياة: المتعة، ولذّة الفنّ.
كما شرح أورويل، يذكّرنا وايلد بأهميّة الأحلام الكبرى. وكما أكّد بورخيس، المتعة التي نستمدّها من وايلد غير محدودة. وكما جادل وايلد، في خاتمة كتيّبه هذا، تحقيق الأحلام الكبرى سيجعل كل حياتنا ممتعة:
"سعى الإنسان إلى أن يحيا بامتلاء، وقوّة، وكمال. وعندما يستطيع فعل ذلك من دون أن يُجبر الآخرين على شيء، أو أن يعاني من الإجبار، وعندما تكون كل نشاطاته ممتعة له، سيصبح أكثر عقلانيةً، وصحّةً، وحضارةً، سيصبح أكثر قرباً من نفسه".
