"أسلحة" والنجاة في زمن أسود: هل تتبدل الحياة مع الإبادة؟

من الفيلم، معدلة.

03/11/2026

تصوير: اسماء الغول

إبراهيم الشريف

كاتب من ليبيا

إبراهيم الشريف

ومترجم وناقد، يهتم بقضايا النقد الأدبي والثقافي وأسئلة علاقات السلطة والهيمنة والتغيير.

"حقًّا، إنني أعيش في زمنٍ أسود!"

برتولت بريخت

 

شعرتُ بالإحباط بعد مشاهدتي فيلم "أسلحة – Weapons". الفيلم ممتعٌ، مُتقن الصنع، لكنني عجزت أن أرى أي شيء وراءه، لا رسالة، لا رمزيّة، لا هدف سياسيّ. عملٌ من أعمال "الفن للفن": كيف تُتقن النوع الفني الذي تتناوله، كيف ترتقي به، كيف تصبغه بشخصيتك. تساءلتُ عن الفيلم وعن جدواه وجدوى مشاهدته؛ فالإبادة الجماعيّة في غزة تولّد هذه الحاجة الضروريّة إلى غاية سياسيّة، حاجة أن يعكس الفن الواقع، أن يقول ما يجب أن يقوله، ما تقتضيه المرحلة. هل المشكلة أنني لستُ خبيرًا في صنف "الرعب" ولا أعرف تاريخه ودقائق أساليبه؟ ولكن على قلة خبرتي بالرعب وتاريخه وفنونه أعلم أنَّ بعض أعماله يحمل رسائل سياسيّة، أو يلمس على الأقل مخاوف سياسيّة عميقة في وعينا أو لا وعينا: الزومبي والانسياق في القطيع الرأسمالي؛ الكائناتُ الفضائيَّةُ الغازيَةُ التي تحوِّل البشر أتباعًا مسرنمين؛ العزلة المقترنة بمواجهتك وحوشًا وأشباحًا لا يراها غيرك، إلخ. فما الخوف الدفين الذي لمسه فيلم "أسلحة"؟ أم هل المشكلة (ولا أراها مشكلة) أنني ما عدتُ أحتمل فنًّا لا يشتبك بالواقع؟ لا أحد ينكر ضرورة وجود مساحات للتعبير (تتنوّع في موضوعاتها وقضاياها وحتّى خلوها من القضايا)، ولكنني صرتُ أنفر من الفن الذي لا يشتبك بالقضايا الكبرى في الواقع، لا سيما ذاك الفن الذي يُحتفى به ويُروّج له، فإذا به يجتنب الواقع ويتدرّع بالفردانيّة، فيقول لنا أصحابه إننا نحتاج إلى المتعة، نحتاج إلى الراحة، الحياة مشاغل ومسؤوليات، نعلم أن ثمّة قضايا كبيرة، قلوبنا تنفطر على غزة، ولكن لا داعي أن يدور كلّ شيء حولها، عِشْ ودع غيرك يعيش، ففي نهاية المطاف لا بد للحياة أن تستمر.

 ولكن ماذا لو كان الرعب الذي يستفزه الفيلم هو نفسه هذا الاستمرار للحياة؟

رعب استمرار الحياة

يبدأ فيلم "أسلحة" (النازل في أغسطس 2025، للكاتب والمخرج زاك كريغر) باختفاء 17 طفلاً  من مدينة صغيرة بالولايات المتحدة. لم يتلاشَ الأطفال. نراهم في المشهد الافتتاحي، يستيقظون، يغادرون غرفهم، يفتحون أبواب بيوتهم، وينطلقون راكضين في عز الليل نحو الظلام الأسود الأزرق. يُفتتح الفيلم بهذا المشهد مصحوباً بأغنية "احذروا الظلام - Beware of Darkness" لجورج هاريسون: "انتبهوا الآن! اهتموا بأنفسكم / احذروا الأفكار التي تتلكأ / تلف وتدور في رؤوسكم / احذروا العجز، الذي يحيط بكم في عمق الليل / احذروا الحزن / قد يصيبكم / قد يؤذيكم / ولعله يتمادى، ويجعلكم مكلومين / وهذا ليس سبب وجودكم هنا".

الأطفال المختفون من صفٍّ مدرسيٍّ واحد. صف كامل اختفى تلاميذه إلا واحد. المدرسة أغلقت أبوابها، حقّقت الشرطة مع معلمة الصف، أحالتها المدرسة إلى إجازة، الأهل متوجسون منها ويريدون أجوبة. حقّقت الشرطة أيضًا مع الطفل "الناجي"، ولما فتحوا المدرسة ثانيةً (بعد إغلاقها شهرًا) وُضِعَ في صفٍّ جديد. الناس عادت إلى وظائفها، تحتاج إلى ما يشغلها: كحول، علاقات، غداء أمام التلفاز. المؤسسات كالمدرسة والشرطة يجري فيها العمل وفق الإجراءات المتعارف عليها. الأطفال مختفون، ولكن لا بد للحياة أن تستمر.

الفيلم مصنّفٌ فيلمَ رعب، لكن أغلبه يسير بهدوء فيلم تشويق بل دراما نفسيَّة. وهو مُقَسَّمٌ فصولًا، كلُّ فصلٍ يروي الأحداث من وجهة نظر شخصية معينة، فقد وَظَّفَ الكاتب/المخرج زاك كريغر أسلوب "الشخصنة المفرطة" أداةً سرديةً وبصريةً أيضًا (كأن تضخِّمُ حركةُ الكاميرا وزواياها في الفصل الخاصِّ بكلِّ شخصيَّةٍ وجهةَ نظرِها). أداة الشخصنة المفرطة وسيلة سينمائيّة فعّالة لعرض ظاهرة استمرار الحياة التي تعاني منها المدينة: شخصيَّاتٌ تتحرّك منعزلة، مدفوعة بمصالحها الشخصيَّةِ؛ ومدينةٌ تكاد تنسى تمامًا الأطفال المختفين، يُصرُّ أهلها على استمرار الحياة. وعدا محاولات أبي طفلٍ منهم أن يتتبع مسار اختفاء الأطفال وارتياب المعلمة في الطفل "الناجي"، لا أحد في الحبكة يتحرّك بجديّة باتجاه الأطفال، المدينة كلها تتحرّك باتجاه النسيان. قطار الحياة لا يتوقّف، وعلى كلّ المسافرين ألا يوقفوه أو يعطّلوه، ولو سحق كلَّ من في طريقه.

معاداة الصهيونية: تاريخ يهودي

عندما تتشظَّى المصالح، ونرى الحياة بمنظور الشخصنة المفرطة، تصير الأولوية لمصالحنا الفردية، تُقدَّم الفردانيَّة على الجمعيَّة، يخوض كلٌّ منَّا معاركه فردًا، وننشغل بنجاتنا الشخصيَّة عن مساعدة غيرنا. هذا التوجّه نميزه في منحنى الشخصيات التي تشوِّشُ استمرار الحياةِ قليلًا بالفيلم: الأب، الذي ينطلق من مصلحة شخصيَّة في العثور على ابنه، لا يقترب من حل اللغز إلا حين يبدأ التواصل والتعاون بينه وبين آخرين؛ المعلمة كذلك تنطلق من مصلحة شخصيَّة، إلهاء نفسها وعلاج مشاعرها، لكنها أيضًا لن تقترب من الحل حتى تتعاون هي والأب. الفردانيّة بهذا المعنى عزلةٌ إجباريَّة، ركنٌ أساسيٌّ من أركان النظام العالمي الذي أرسته النخب المهيمنة ليحكم سير حياتنا، النظام الذي يحتاج إلى إقناعنا أن الواقع غير حقيقته، إيهامنا أن كلًّا منَّا يعيش وحده في هذا الكوكب المزدحم بالمعذبين في الأرض. النخب المهيمنة (رأسماليّة، إمبرياليّة، حكومات، استعمار، شركات دولية، إلخ) تحتاج أن تعزلنا، أن تسجننا في دوائر ضيقة من "الشخصنة المفرطة"، أن تلغي أي دور للسياسة، وتقنعنا أنه ليس بأيدينا شيء للأسف، مهما كانت نياتنا طيّبة (١). عندما تلجأ شخصيات فيلم "أسلحة" إلى المؤسسات، تقابلهم المدرسة ومركز الشرطة بضجرٍ بيروقراطي: تتعاطف معهم، وتدعوهم للعناية بأنفسهم، وتؤكّد لهم أن العمل يسير على قدمٍ وساق وفق اللوائح وعبر القنوات ذات الصلة، وما من شيء يفعلونه غير ذلك. فتعود الشخصيات خائبة، يختلط اليأس في موقفها بشيء من القبول بالوضع القائم والرضا بمحاولاتهم.

تستمر الحياة، وتستمر معها المأساة. هكذا يمكننا أن نقرأ في الفيلم انعكاسًا لحياتنا التي تستمر ولا كأن الجحيم قائمٌ في غزة.

تريد إيقاف الإبادة الجماعيّة في غزة؟ لماذا؟ إنهم أناس مختلفون عنك! لعلهم يكرهونك! أعداؤك! ثم إن كانوا يشبهونك فهم يعيشون في مكانٍ آخر، أبعد من أن تسمع صراخهم، بل لا تستطيع سماع دوي قنابل تزن 2,000 رطل تُلقى عليهم، فما علاقتهم بحياتك؟ ضميرك حي وتتعاطف معهم؟ نحييك على إنسانيتك النابضة، ولكن لا تنسَ أن وراءك عمل وفواتير، يستحسن أن تغلق الأخبار من حينٍ لآخر للحفاظ على صحتك العقلية، اهتم بنفسك أولًا، لا تدع الحزن يُصِبْكَ. أنت مستعدٌ للتضحية براحتك ووقتك في سبيل غزة وأهلها؟ جميل، نحيي فيك نخوتك ونشاطك، إيَّاكَ أن تفعل أي شيء مثير للجدل، العنف مش حلو، التظاهر عادي ما دام بإذننا، التبرع لمن نوافق عليهم، الكلام بصوتٍ منخفض. كل ذلك لا يجدي؟ معك حق، إذن نشجعك أن تلجأ إلى المؤسسات المعنية، القانونيّة والأمنية والإنسانيّة والدوليّة. لجأت إلى المؤسسات، التي بنيناها نحن، وأغلقتْ الأبواب في وجهك؟ متأسفون، هذا كل الموجود. ما البديل؟ انتبهوا، واعتنوا بأنفسكم، واحذروا أن يصيبكم الحزن، فلا بد للحياة أن تستمر.

نقفل من المتاهة خائبين، لم نوقف الإبادة في غزة، لم ننقذ قطرة دمٍ واحدة. ولعلَّ جانبًا منَّا نحن أيضًا يتعزّى بشيء من القبول والرضا لأننا فعلنا كل ما بأيدينا، لأننا رأينا منكرًا فحاولنا تغييره بأضعف الإيمان وأجرنا على الله، ولا بد للحياة أن تستمر.

قراءةٌ مقبولةٌ للفيلم بل قد تكون واضحة، أليس كذلك؟

رسائل الأعمال الفنيّة

على الأرجح لا علاقة بما سبق من تأويلات بالفيلم أو بِنِيَّةِ صانعيه. ولكن ماذا يمنع مشاهدًا مثلي أن يفسره هذا التفسير: أن الفيلم يصوّر ظاهرة استمرار الحياة بأي ثمن، ويعكس صورة عالمنا، القاعد يتفرج على الإبادة في غزة؟ أليس واضحًا أن الفيلم يناقش هذه القضية العالمية من زاوية قضية محلية، انتشار السلاح في الولايات المتحدة وما يؤدي إليه من مذابح بين تلاميذ مدارسها؟ ففي النهاية اسم الفيلم "أسلحة"، وعقدته الأساسيّة اختفاء مجموعة أطفال من تلاميذ المدارس، فرسالة تجاهل الواقع واستمرار الحياة، وإن مُثّلت على مسرحٍ محليٍّ، رسالة عالميّة، وتصلح أن نسقطها على قضايا أخرى مثل الإبادة الجماعيّة في غزّة. 

أحسبه كلامًا معقولًا. لكن صاحب الفيلم يقول إن فيلمه ليس سياسيًّا!

لعلَّ الرسالة السياسيّة إذن تسرَّبت من لا وعي كريغر؟

يُحتمل. فإنه مجتمعه وعالمه في النهاية.

ولكن إن سألنا كريغر نفسه فسيقول: "لم أكن أحاول أن أعلّق على أي مآسٍ اجتماعيّة أو استلهمها. كتبتُ من موقع شخصيٍّ محض."

وصورة بندقية AR-15 التي تظهر في أحد المشاهد؟

أمَّا هذه البندقية، التي استُخدمت في مذابح عديدة بالولايات المتحدة وباتت محط كثير من جدالاتهم السياسة حول انتشار السلاح، فيؤكِّدُ لنا كريغر أنها مجرّد صورة خطرت بذهنه ولا يعرف لماذا استخدمها سوى أنها أعجبته!

هل هذا الموقفُ عجيب؟ كلا. إنه متّسقٌ تمامًا والعزلة التي يحرص النظام العالمي على فرضها علينا. فكما ذكرتُ، تستلزم هذه العزلة نزع السياسة عن واقعنا، عليك أن تحصر وجهة نظرك في مصالحك الشخصية، فما أن تمد بصرك إلى ما وراء مصالحك الفردية فسترى كم تتغلغل السياسة ومصالح النخب المهيمنة في حياتك وحياة غيرك. لا بد من "الشخصنة المفرطة"، لا بد أن تنسى تمامًا السياسة، بل أن تعتبرها تهمةً تدفعها عن نفسك. 

فلسطينيات: قرن من الحركات النسوية الفلسطينية

مهما كان العمل الفني منفتحًا على التأويلات، فلا بد من رسالةٍ ما أوْدَعَها في العمل صانعوه بوعيٍّ أو بلا وعي. في حالة فيلم "أسلحة" يقول لنا صاحبه – الذي يمتلك السلطة الأساسية لتفسير/تأويل فيلمه – إن رسالته شخصيَّةً، متعلِّقةً بتجربةِ فَقْدٍ (حسب حديثه عن ظروف تأليف الفيلم). وكما مرَّ بنا، يتعلّق جزءٌ من رسالة فيلمه بنفي السياسة. لكن الحقيقة أننا نرى في فيلمه ملامح سياسية، ولقد تطرّقتُ إلى موضوع "الشخصنة المفرطة" والظاهرة الاجتماعيّة التي قد تُرى في الفيلم. ولكن لعلّ هذا مما تسرب دون وعي صاحب الفيلم، فما قصده واعيًّا بنفي السياسة والإصرار على الانطلاق من تجربة شخصيّة يتضح لنا إذا حلَّلنا عناصر القصّة: في الفيلم شخصيات تشوّش سير الحياة قليلًاكما ذكرتُ سابقًا (الأب والمعلمة)، والتفاعل بينها وبين بقية الشخصيات والمؤسسات فيه نقدٌ لظاهرة استمرار الحياة، لكن الوحش/الشر الذي يكشفه الفيلم في نهايته ليس سبب هذه الظاهرة (وإن جازت قراءته أنه تمثيلٌ لها، ولو من زاوية ضيقة)؛ فالأفراد، الذين يهزّون قيود استمرار الحياة، يواجهون "الشر" وحدهم وبطولاتهم المنفردة لن تغيّر شيئًا في الواقع؛ فبصرف النظر عن أحداث الفيلم، هذه المعارك السياسيّة/الاجتماعيّة هي في الواقع أكبر من "وحش" واحد تمكن منازلته في مباراة ملاكمة! أما المؤسسات فهي أجهزة خيّرة (في الفيلم)، يلجأ إليها الناس لجوءًا مشروعًا لطلب المساعدة، كلّ ما في الأمر أنّها فاشلة عاجزة، ولا يتطرّق الفيلم إلى أنها مُصمّمة – بفشلها وعجزها – لترسِّخُ وهم "النظام" وتغلق الأبواب أمام أي بدائل. 

الاستيلاء على التأويل

في واقعنا الراهن، في زمن الإبادة الجماعيّة، تصير الرسائل منزوعة السياسة تواطؤًا في الجرائم المسكوت عنها. ولكن من الحتمي أن يتضرّج الفن بوعي أو بلا وعي بالدماء المسفوكة في زمنه. فحتّى إن تفادى عملٌ فنيٌّ السياسة، لا بد أن تظهر فيه آثارها بل ندوبها. وفي مواجهة مثل هذه الأعمال، التي تتفادى الواقع المُلِحَّ ويصرُّ أصحابها على نفي أي تأويل سياسيّ، لا بد من عملية استيلاء على التأويل. 

يمتلك أصحاب الأعمال الفنيّة سلطة تأويليّة/تفسيريّة، ويعدّون المرجعيّة الأولى في فهم أعمالهم. وإن تكرّموا مشكورين بمنح المتلقي حرية التأويل الشخصيّ فإن إثباتهم لسطلتهم السخيّة يقيّد القراءة في نهاية المطاف، فيحيل أي تعليق مخالف إلى هامش الفضفضة الشخصيّة. يقول كريغر مثلًا في المقابلة المذكورة سابقًا إن الفرد عالميٌّ في الفن والقصص، ولذلك فهو لا يُمانع إن "تواصل" أحدٌ ما مع تجربته أو مع ما "يعالجه" الفيلم، ثم يختم كلامه بتكرار أنه لم يكن يفكّر في قضايا كبرى بل في نفسه فقط. يكرّر صاحب العمل "تفسيره"، يرسّخ سلطته، ويصير كل تعليقٍ أو نقدٍ مخالفٍ مجرّد تطفّل – متسامح معه – على أملاكه. الحديث عن الفنان وسلطته على عمله وعلاقة المتلقي بكلّ ذلك أُشبع دراسةً ونقدًا، ولكنني أذكّر هنا بسلطة أصحاب الأعمال الفنيّة في سياق اجتماعي إضافةً إلى النقدي، سياق يفرضه تدخّلهم وممارستهم لسلطتهم بالتعليق، فالوضع هنا لا يسمح بمحاولة بارتيّة لقتل المؤلف (٢)، فالمؤلف موجود ويتدخل لتصحيح تأويلاتنا والتعليق عليها، ولذلك يصير من الضروري تقويض هذه السلطة والاستيلاء على التأويل، سرقة العمل الفني من أصحابه واستخراج رسالة تحترم أولويات العصر وقضاياه المهمّة، رغم أنف صانع العمل ومهما حلف لنا برأس فيلمه أنه ليس سياسيًّا. التأويل هنا (القراءة أو التفسير أو النقد) عمليَّةٌ متعمَّدةٌ مع سبق الإصرار والترصد، وراءها أجندة سياسيّة معلنة، وتهدف إلى زعزعة الوضع القائم، أن تأخذ برأس العالم، الذي يشيح بوجهه عن غزة، فتجبره على مواجهة الإبادة الجارية هناك تحت بصره وسمعه(٣).

فماذا سيقول فيلم كريغر، الرجل الذي كلما عطس أحدٌ بجواره أسرع ينفي أن في فيلمه رسالة سياسيّة، ماذا سيقول لو لم نستولِ على تأويله، ونرغمه أن يقول شيئًا مجديًّا؟ الحال أنه بغير الاستيلاء على التأويل لن يختلف فيلم "أسلحة" عن أي فيلم أو عمل فني آخر غايته الوحيدة إلهاؤنا قليلًا عن حقيقة الوضع القائم (أي الحياة كما يشكِّلُها لنا النظام العالمي، ويضمن لنفسه استمراريتها بلا تغيير). فهل هذا أقصى ما نرجوه من الفن: فنٌّ صامتٌ، متواطئٌ، وظيفته الأولى والأخيرة تشتيت انتباهنا عن الإبادة كي تستمر الحياة؟

الفن والواقع والواقعيّة

يقول تولستوي في كتابه المثير للجدل "ما الفنُّ؟" إنَّ الفنَّ ضرورةٌ بشريَّةٌ، وظيفتُها التواصل بين الناس. الجانب الجدلي في موقف تولستوي أنه ينتقد التركيز على أهداف الجمال والمتعة، ويستنكر إنفاق الأموال وبذل المجهودات على أعمال فنيّة لا تسعى إلى تغيير العالم أو تحسينه(٤). وهو موقف جدلي لأرباب الفن للفن، أولئك المعزولين أصلًا عن واقعهم، لكنه ليس غريبًا على المشتبكين بالواقع حولهم. تعريف تولستوي للفن أنه وسيلة تواصل لا يختلف عن تعريفات غوغي واذيونغو الماركسيّة للأدب ونظرها في العلاقات الاجتماعيّة: المرءُ يكتب عن امرئٍ آخر لامرئٍ ما. تشديد تولستوي على "نقل المشاعر/التجربة" وظيفةً للفن يشابه عند واذيونغو ما يجسّده الأدب: "على المستوى الجمعي يجسّد الأدب بصوَّرٍ كلاميَّةٍ التوترات والنزاعات والتناقضات، الكامنة في قلب حاضر مجتمعٍ ما وتحولاته." وفي مواجهة نظام عالمي يتحكم في حياتنا، ويُصرُّ على أنه لا بديل للوضع القائم ولا يجوز تغييره، من الطبيعي، كما يقول واذيونغو، أن ينطوي هذا "التواصل" على واجبٍ (للكاتب أو الفنَّان) أن يتجاوز إقناع المتلقي بحقيقة واقعيَّة معيَّنة إلى إقناعه بزاوية نظر معيَّنة أيضاً(٥). مع اختلاف الميول السياسيّ، إلا أن تولستوي وواذيونغو ينطلقان من ذات الرؤية الثوريّة التي تسعى إلى تغيير العالم، ولذلك قد نستطيع ربط حديثهما عن وظيفة الفن التواصلية بتعاليم باولو فريري حول العمل الثوري الحواري، الذي يضع الحوار في مركز كل عمل ثوري، أي في وسط كلّ عمل يسعى إلى رفع وعينا ونقلنا من مجرّد مراقبين للواقع إلى مدركين للواقع، وينبذ ممارسات التلقين والتخدير(٦).

"فلسطين، في مواجهة الإبادة الجماعية"

فإن سلمنا بهذه التعريفات(٧)، أن وظيفة الفن الأساسيّة هي تواصلٌ يعبّر عن الواقع الذي نعيشه ونعايش تحدياته ومآسيه، حينئذ ستلح علينا أسئلة مثل ما جدوى ذلك الفن الذي لا يشتبك بالواقع والسياسة؟ من السهل أن نجيب إجابةً نظريَّةً مثاليَّة، فنقول إن لكل مرحلة أولويات، وعلى الفن أن يُذكّرنا بها، لا أن يخدرنا لنسيانها. لكن الكارثة التي علينا إدراكها هي أننا نعيش على كوكبٍ الإلهاء مطلبٌ لكثيرين فيه. هؤلاء لا يرَوْنَ في الوضع القائم أي مشاكل، بل لعلهم يتعصّبون من أدني محاولة لكشف حقيقته وإزعاج سباتهم العميق، وهو تمظهّر لما وصفه فريري بأنه "الخوف من الحرية"، ذلك التردد في مواجهة الحقيقة والخشية من عواقب تحدي النخب المهيمنة المسيطرة. وهنا نجد إجابة أخرى واقعيّة للسؤال السابق وهي أن الفن الذي يتجنّب الواقع والسياسة له بالطبع جدوى أو وظيفة ثقافية لكنها تخدم الوضع القائم وترسّخ استقراره بنشر أوهامه وخرافاته عن العالم وبقمع النقد أو احتوائه، وهذا بطبيعة الحال عمل ثقافي (يُجنّد فيه الفن والنقد) لكنه لا يقوم على الحوار بل على إلغائه، وذلك بالإمتاع الرافض للتفكير أو التلقين الرافض للنقد(٨). نستطيع أن نرى أمثلة ذلك في مقالات نقدية تناولت فيلم "أسلحة": صحيفة الغارديان (ليبراليّة وسطيّة) تعرض علينا التأقلم التام مع الوضع القائم، وتحتفي بالفن الخالي من الرسائل السياسيّة، لأنه لا حاجة بنا إليها أصلًا! مدحت الصحيفة الفيلم منزوع السياسة، متقبّلةً لكلام كريغر ومرحبةً به؛ فهي مستاءة من موضة حشو أفلام الرعب بالرسائل والرموز الكبرى، كل ما نحتاجه هو الهيام في متعة مجرّدة (ولو كانت رعبًا!). ناقد في صحيفة ناشيونال ريفيو (محافظة يمينيّة) عبّر عن موقف المدافعين عن الوضع القائم، فَذَمَّ الفيلمَ لما فيه من قابلية لتأويل سياسي ينتقد الواقع. علينا أن نحذر السياسة، ونهاجم كلّ من يهددنا بفنٍّ سياسي! أمَّا مقالة الناقد السينمائي والتر تشاو (لعلنا نصنِّفُهُ ليبراليًّا له ميولٌ يساريَّة) فمثال للرأي النقيض، فهي تبارك شحن العمل الفنيّ برسالة سياسيّة وتعبّر عن رفض التجاهل للوضع القائم. لقد اعتنق تشاو التأويل السياسي للفيلم، واعتبره يناقش ظاهرة اجتماعيّة سمَّاها "اضطراب التطبيع المفرط"، أي الرضوخ لأوهام مفترضة عن الواقع، تحجبه وتصرُّ على استمرار الحياة معه.9

علاقة الفن بالواقع، وتنوّع المواقف منها، من تمظهرات الصراع بين الحقيقي والزائف، وهو صراعٌ وجوديٌّ للنظام العالمي واستمراريّة وضعه القائم.

لو قلنا إن الواقع هو حقيقة العالم كما نراه ونعايشه في ظل النظام العالمي، والواقعية ليست إلا قناعاً لذلك النظام، كذبة من أكاذيبه علينا، فإن التناقض بين الواقع والواقعية لا مناص منه: الواقع يقول إن الوضع القائم = سبب مشاكلنا، والواقعية تقول إن الوضع القائم = حل مشاكلنا. بعباراتٍ أطول: إن استمرت الحياة دون تغيير فلن نواجه المعاناة ولن تنتهي بمرور الأيام، وإن استمرت الحياة دون تغيير سنتجاوز المعاناة وستنتهي بمرور الأيام. يستحيل أن يكون كلا شقَّي المعادلة صادقاً! حلّ هذا التعارض إذن يقتضي مقاومة الوضع القائم، الاشتباك بكذبته والانتصار للحقيقة. لكنّ ما يرجوه النظام العالمي هو أن نشيح النظر عنه وعن تناقضاته. تعايشنا مع هذا التناقض هو محصلة مجهودات جبّارة ومتداخلة "لتطبيع" الواقعية. فالنخب المهيمنة تحرص على عزلنا، ونزع السياسة من عالمنا، وقفل الأبواب في وجوهنا (وهذا تطبيعٌ من فوق = هيمنة)؛ ونحن، المهيمَنَ علينا، ننشغل بمصالحنا الفرديّة، ونُركّز على أسبابٍ شخصيَّةٍ للمشاكل، ونعود خائبين من عند الأبواب المغلقة، مقتنعين بانعدام البديل (وهذا تطبيعٌ من تحت = تأقلم). الأمر أعقد من هذه التبسيطات طبعًا(١٠)، ولكن مهما تنوّعت عمليات الهيمنة والتأقلم فكلّها تتراكم لتقود إلى النتيجة القصوى: تطبيع الواقعيَّة حتَّى تصير الخيار الوحيد الممكن، المستحيل تخيُّلُ بديلٍ له (شيء يسهل تمامًا مقاربته بالتطبيع مع الكيان الصهيوني، الحكومات تضعنا أمام الأمر الواقع، والعجز يفرض علينا التأقلم، ووجود الكيان يصير الخيار الوحيد الممكن). التطبيع إذن يعني الغلبة والخضوع، فإن هذه الأساليب ضروريّة لتغلّب النخب المهيمنة كما يقول فريري: "الرغبة في التغلّب (أو بالأحرى ضرورة التغلّب) حاضرة على الدوام في العمل المضاد للحواريّة. وفي سبيل ذلك يسعى القامعون إلى تدمير قدرة الإنسان على "التأمل" في العالم. ولكن لأن القامعين لا يستطيعون تحقيق هذا التدمير بالكامل يضطرون إلى تحويل العالم إلى خرافات. في سبيل أن يعرض القامعون على المقموعين والمُخضَعين عالمًا من الخداع، عالمًا مُصمَّمًا لزيادة اغترابهم وسلبيتهم، يطوّر القامعون سلسلةً من الأساليب التي تحول دون عرض العالم بوصفه مشكلة وتقدّمه عوضًا عن ذلك بوصفه شيئًا ثابتًا، شيئًا مسلمًا به، شيئًا يجب على الناس، بوصفهم مجرّد متفرجين، أن يتأقلموا معه."(١١) 

أغلب شخصيات فيلم "أسلحة" يتعايشون مع لغز اختفاء الأطفال، بل يحرصون على تجاهل أي قلق أو حزن أو غرابة في سبيل الاستمرار في الحياة: لغز اختفاء الأطفال = غريب (لا يمكن التعايش معه)، لغز اختفاء الأطفال = عادي (يمكن التعايش معه). مع هذا التناقض يصير النسيان حكمةً عقلانية، والتذكّر مجرّد هيستيريا مزعجة – نسيان الحقيقة ضروري لاستمرار الكذبة، لاستمرار الحياة. وإذا نسينا حقيقة العالم، نسينا الجريمة، الفقد، المسؤولية، ماذا يحصل؟ يمسي كلّ شيء عاديًّا. لا أحداث استثنائيّة في الحياة، كلّ شيء طبيعي. لا ألغاز. عندما نستبدل الواقعيّة بالواقع، يصبح النظام العالمي طبيعيًّا بمعنيين: بمعنى أن الوضع القائم يصير شيئاً طبيعيًّا كالجاذبيّة، ناموسًا كونيًّا، لا رادَّ له، وكل من يقول بغير ذلك مجنون مزعج؛ ثم بمعنى أن كلَّ المشاكل منزوعة السياسة تصير بلا أسباب وبلا حلول، مثلها مثل الكوارث الطبيعيّة كأي زلزال أو بركان. ولا أحد عاقل يسأل مَنِ السبب في تلك الكوارث، مجنونٌ مَنْ يفتش عمن أشعل فتيل بركان، فكذلك مَنْ يحلل مشاكلنا الواقعية إلى أسباب وحلول ليس إلا مجنوناً آخر(١٢). بهذا المعنى تقابلنا أوصاف مثل "أزمة إنسانيّة" بدل إبادة أهلنا في غزة؛ "ظروف إنسانيّة مروّعة" بدل تجويعهم وتهجيرهم. هنا تؤدي كلمة "إنسانيّة" العمل الخبيث لكلمة "طبيعيّة"؛ تحويل غزّة من مسرح جريمة إلى موقع كارثة طبيعيّة. هكذا يُحجب مرتكبو الجريمة، تُحجب الجريمة، وتستمر الحياة. 

"إسرائيل على حافة الانهيار"

بمقدورنا كذلك أن نقرأ في نهاية الفيلم نقدًا لوهم التجاوز، خرافة "اليوم التالي"(١٣). فلا نرى في نهاية الفيلم تغييرًا في واقع المدينة. يُخبرنا صوتٌ أن بعض الناجين لا شفاء في مستقبلهم مما جرى، والبعض الآخر يعيش معلّقًا على أمل التعافي. فكأن هذه زفرة الفيلم الأخيرة التي تقول لنا إننا إن لم نغيّر العالم، حتى إن انتهى "الحدث المرعب"، فلن يكون اليوم التالي تجاوزًا بل تغافلًا؛ فلا أحد سيلتئم بعد كلّ ذاك التمزّق، لن يأتي أحدٌ ليجبر الحاجات المكسورة ما لم نقرّ بأن النظام القائم يجب أن يتغيّر كلّه، في سبيل أن نعالج الناجين ونحمي غيرهم من مثل هذه "النجاة". لن يعود شهداء غزّة إلى ذويهم في "اليوم التالي"، لن تنمو أطراف الأطفال التي بترتها القنابل الصهيونيّة، لن تقوم البيوت المهدّمة بين ليلةٍ وضحاها. لكن حتّى إن أعاد أهل غزّة بناءها، إن عاد الأطفال للضحك في شوارعها، إن أزهرت حقولها مرّةً أخرى وغُسل عنها لون الدمار الرمادي، فإن لم يُنهَ الاستعمار، إن استمر الوضع القائم، إن "عاد" إلى ما كان عليه قبل حملة الإبادة الفاضحة هذه، سيبقى الجميع مهدّدين بفقدٍ يليه فقد يليه فقد.

كل هذا الحديث عن الوضع القائم والتطبيع والإبادة في غزّة، عند الحديث عن مجرّد فيلم رعب، أمبالغة هو؟ أعني، هل بالغتُ في الاستيلاء على التأويل؟ نعم، بالطبع! مع سبق الإصرار والترصّد كما أعلنتُ سابقًا، هذه محاولةٌ لاستيلاءٍ كامل وخطف رسالة الفيلم لغايات سياسيّة (إرهابٌ نقديٌّ، كما قد يحلو للمدافعين عن الوضع القائم أن يروه)، أستهدف فيلمًا نال نصيبًا ضخمًا من المدح (تقييمه من النُقّاد على Rotten Tomatoes 93% بناءً على 300 مراجعة ونيف، ومن المشاهدين 85% بناءً على 10,000 تقييم ونيف)(١٤). فإذا كان الفن وسيلة للتواصل، فما الشيء المهم الذي قاله عن واقعنا هذا الفيلم الرائع؟ ما فائدة كل ذلك الاحتفاء بعملٍ فنيٍّ لم يقُلْ حرفًا عن أكبر جريمة تجري في الكوكب الآن؟ وما فائدتنا نحن إن لم نرغم هذه الأعمال الفنيّة أن تقول ما كان يجدر بها أن تقوله في هذا العصر؟ ما فائدة كل انفعالاتنا بالفن اليوم إن لم تكن أولويتنا غزة؟

ولكن هل يجب أن يدور كلّ شيءٍ حول غزة والإبادة؟ أم تراني أرغب في حصص اهتمامٍ حسب كل قضية: حصة للإبادة في غزة؛ وحصة للإبادة في السودان؛ وحصة للغزو الصيهوني للبنان؛ وحصة لحرب الولايات المتحدة والصهاينة على إيران؛ وهلم جرًّا لغيرها من القضايا التي تهمني؟ هل نوقف الفن أو الجمال أو المتعة وقفاً باتًّا في زمن الإبادة؟ ممنوعٌ أن نستمتع قليلًا؟ أن نرتاح قليلًا؟ حرامٌ أن تستمر حياتنا قليلًا؟

ثمن استمرار الحياة

مثل هذه الأسئلة في جوهرها مشكلة يعبّر عنها الفيلم في فصله الأخير (أجل، لن أكف عن استيلائي على التأويل)، وهو الفصل المخصص لشخصيَّةٍ تعلم سر ما يحدث في الفيلم. حياة هذه الشخصية كذلك مستمرة ولكن بالإكراه. مأسورة، خاضعة للتهديد الدائم، إيَّاها أن تنطق بشيء، أن تُذَكِّرَ أحدًا، أن تحاول أي شيء يغير الوضع القائم. عليها أن تعيش سجينةً مع الرعب في ذات البيت. كلّ صباح تخرج من بيتها، تستمر في حياتها، ثم في آخر اليوم تعود إلى سجنها.

"إذا لم تستطع أن تقول إبادة جماعية"

إن فصل هذه الشخصية أصدق ما ينطبق عليه وصف "الرعب" بالفيلم(١٥)، الأجزاء الأولى "تشويق" وتحقيق وعمق درامي: أناس يتحرّكون في دوائر شخصيّة ضيقة، يرزحون تحت وهم الواقعية "الطبيعية" ومفارقة أن كلّ شيء على ما يُرام؛ بعضٌ منهم ينسى، ولا تتأثر حياته البتة. لكنَّ بعضاً آخر لا يستطيع النسيان؛ فيعيش في حيرة، يعكِّر صفو الحياة واستمراريتها، لكنه مثل غيره يرغب بشدّة في عودة الحياة إلى استمرارها. أما الفصل الأخير فهو حقًّا المرعب، يروي قصة الشخصية الأسيرة فيكشف الحقيقة: كلكم أسرى، كلكم مقيّدون، كلكم مهددون، وهذه هي حقيقة الرعب الذي تسمونه "استمرار الحياة".

من هذه الزاوية التأويليّة يتجلى لنا نقدٌّ أعمق للعزلة الفردانية "والشخصنة المفرطة": تعيش الشخصية الأسيرة في بيتها مع الرعب فعلًا، ذلك الرعب، الذي يخيّم بظلامه على المدينة، موجود في البيت المحظور الاقتراب منه. لا بديل عن الرعب لتلك الشخصية الأسيرة. لا مفر لها منه. تأقلمها عذاب تحت التهديد، استمرار الحياة لها هو الجحيم (ليس في حياتها متسعٌ لراحة ولا متعة ولا فن ولا جمال). تمثل هذه الشخصية طفرةً في تشريح الفيلم لظاهرة استمرار الحياة وفضح حقيقتها الصادمة. وفي ضوء هذا التأويل، بل ظلاله وظلماته، ينقلب معنى أغنية جورج هاريسون التي افتُتح بها الفيلم. حذر الظلام ليس تحذيرًا لحمايتنا، بل تهديدٌ مُبطّن، خدعةٌ أخرى من خدع النظام العالمي بهدف أن تستمر الحياة.

انتبهوا الآن! اهتموا بأنفسكم!

احذروا الأفكار التي تتلكأ،

تلف وتدور في رؤوسكم.

احذروا العجز، 

الذي يحيط بكم في عمق الليل.

احذروا الحزن!

 قد يصيبكم،

قد يؤذيكم!

لعله يتمادى، ويجعلكم مكلومين،

وهذا ليس سبب وجودكم هنا...

تتحوّل الأغنية دعوةً خبيثةً إلى العزلة الفردانية. تهددنا: إن لم نهتم بأنفسنا، لو سمحنا لأفكار ضارة أن تغزو رؤوسنا، لو أزعجنا هدوء العالم، لو أقلقنا الوضع القائم، لو كشفنا الحقيقة، وقلنا للناس ها هو ذا الذي يخشونه، هنا وحش علينا أن نحاربه، هنا منكر علينا أن نغيّره، فسوف يهاجمنا "الحزن"، سيؤذينا، ويصيبنا بجراح لا شفاء منها. علينا بالحذر، وأن نهتم بأنفسنا. تصير حكمة العصر محاربة التفكير، مقاومة الرؤية. حكمة العصر العناية بالذات ونسيان الرغبات والآمال والأحلام والقضايا. حكمة العصر ليست تغيير المنكر، ليست تغيير العالم ولا تفسيره، بل قبوله دون تفكير، الخضوع للوضع القائم، وعيش عمرنا القصير على الكوكب. الحكيم من ينسى، والحكمة اليوم هي استمرار الحياة، شئنا أم أبينا. 

والثمن؟ 

عندما تستمر حياتنا، تنتهي حياة أهلنا في غزة. نحلم بمستقبلنا ومستقبل أهلنا، ويُمحى ماضي غزة وحاضرها ومستقبلها، آباء وأمهات وأبناء وبنات، كله يُمحى. وهكذا تستمر الإبادة لأن حياتنا تستمر.

 ولذلك فإن مثل تلك الأسئلة المنزعجة، عن الاختيار بين تمحور كل شيء حول غزة أو السماح لنا براحة أو متعة، هي أسئلة عبثيّة واقعيًّا؛ فهي تُطرح وكأن لدينا خيار، وكأننا لسنا أسرى لاستمرار الحياة (مجبرون على العيش مع الرعب والتظاهر بأننا لا نرى القضبان)، وكأن أغلب المؤسسات الفنية والثقافية والاقتصادية والسياسية لا تتجاهل الإبادة أصلًا، بل إنها تساهم فيها! نحن أنفسنا متورطون في الإبادة بصمتنا وتقاعسنا، بما نشتريه وما ندفعه من ضرائب، وما نُطَبِّعُهُ من واقعية(١٦).

بل إنها أسئلةٌ عبثيَّةٌ أخلاقيًّا كعبثيتها الواقعية: أفلا تعتقدون أنه على الكوكب كله أن يتوقف عن الحركة حتى تُوقف الإبادة ويُعاقب مرتكبوها؟ أبمقدورنا أن نستمتع ونرتاح، ووراء ظهورنا طوفانٌ من الدم؟ أراحتنا أهم من الموت؟ ألا نكسر صمتنا إلا لنطالب الآخرين بالصمت؟ ألهذه الدرجة يزعجنا تشويش حياتنا حتّى نطرح هذه الأسئلة؟! ولكن حياتنا مستمرة رغمًا عن أنوفنا، والثمن استمرار الإبادة.

 في هذا الواقع البائس، ونحن مقيدون بكذبات نظامٍ عالميّ يحاول إقناعنا أننا تعبنا، وأننا بحاجة إلى الراحة، وأنه على الحياة أن تستمر، وأنه لا داعي أن يدور كلّ شيء حول غزّة، ما المشكلة لو نخطف تأويل فيلم أو أغنية؟ ما المشكلة لو استغللنا ما نختلسه من أوقات شخصيّة في تذكّر الإبادة؟ ألا تتسع مساحاتنا الشخصيّة للحرية والعدالة واحترام الدماء الغزيّة؟ بل أليس واجبنا اليوم أن نتذكَّرَ، فنعيش ونشوِّشَ على الآخرين عيشَهم؟ ما المشكلة لو نهضنا بواجب رفض استمرار الحياة في زمنٍ أسود؟

 

"يقولون لي: كل واشرب! افرح بما لديك!

ولكن، كيف آكل وأشرب

ولقمتي أخطفها من أفواه الجوعى

وكأسي التي أشربها يُحرم منها العطشى؟

ولكنني آكل وأشرب.

 

أود لو صرتُ حكيمًا.

تعلّمنا كتب القدامى أن الحكمة:

أن تعتزل العالم وصراعاته،

أن تعيش العمر القصير الذي كُتب لك

بلا خوف،

أن تنبذ العنف في مسيرتك،

أن تقابل الشرَّ بالخير...

الحكيم من لا يُشبع رغباته، بل ينساها.

ولكنني لا أستطيع قبول كلّ ذلك.

حقًّا، إنني أعيش في زمنٍ أسود!

برتولت بريخت

 

 

الهوامش

  1. لنا أن نقرأ نماذج لهذا "العزل" في القيود المباشرة التي يفرضها النظام العالمي على التضامن مع غزة: قيود سياديّة (الحدود الجغرافيّة)، قيود عسكرية (منع العمل العسكري وأي تضامن فيه تسخير للعنف)، قيود قمعيّة (الأمثلة تفوق الحصر، منها قمع المظاهرات والإعلام والحديث في المناسبات وسد كل طرق التضامن). إضافةً إلى قيود رأسماليّة أخرى غير مباشرة (أغلب أسس النظام العالمي المفزع الذي يأسرنا رأسماليّة في نهاية المطاف) منها: تهديدك بفقدان مصدر دخلك ومعاشك إذا عارضت الإبادة، تغلغل الشركات العالمية في كل نواحي حياتنا إلى أن تضيق علينا خيارات المقاطعة، الثقافة الاستهلاكيّة التي تروّج لنا دائمًا سلعًا تبدد المجهودات وترسخ العزلة (مثل الانتشار الواسع لثقافة "العناية بالذات" النابعة مباشرةً من الليبراليّة الرأسماليّة التي تنزع السياسة عن سياقاتها، وتوهمنا أن مشاكلنا شخصيّة محضّة، لا تحتاج إلى تغيير العالم بل إلى علاجات كيميائية وتركيزنا على العناية بذواتنا).
  2. انظر/ي نظرية رولان بارت عن موت المؤلف وأشباهها من النظريات النقدية التي ترى أن القراءة يجب أن تنحصر في النصّ نفسه بعيدًا عن مؤلّفه أو مؤلّفته.
  3. من المفيد هنا تذكّر نظرية ستوارت هال عن التلقي وفكرة "القراءة المعارضة" التي يطرحها في سياق تشفير وفك تشفير الأعمال الفنية والخطابات السياسيّة. تفهم "القراءة المعارضة" الرسالة المرجوّة من العمل/الخطاب، ولكن تعارضها وتعيد إنتاجها أو تسخيرها لمواجهة الجهة المسؤولة عن الرسالة (انظر/ي مقالته الشهيرة Encoding/Decoding). من هذه الناحية لعلنا نفهم الاستيلاء على تأويل فيلم "أسلحة" وإجباره أن تكون له رسالة سياسية أنه قراءة معارضة لرسالة نزع السياسة التي يروج لها صانع الفيلم، فنعيد إنتاج الفيلم برسالة سياسية تسخّر الفيلم لخدمتها. 
  4. Leo Tolstoy. What is Art?  Translated by Richard Peaver and Larissa Volokhonsky. 1995. Penguin Books. London. pp30-41.
  5. Nugugi Wa Thiong’o. Writers in Politics. James Curey/EAEP/Heinmann. 1997. p4.
تعريفات واذيونغو، التي توجب على الفن أن يقول لنا ما الواقع ويقنعنا بموقف معيّن يجب اتخاذه في مواجهة الواقع، تستحضر للذهن أيضًا بعض كتابات صنع الله إبراهيم عن الفن، وهو كاتبٌ ماركسيّ آخر ركّز في أعماله على السياسة، أو كما قال عن نفسه إنه "شيوعي أولًا ثم كاتبٌ بعد ذلك". كتب صنع الله إن وظيفة الفن ليست التسجيل فقط "ولكن المساهمة أيضًا في استكشاف الطريق في تعبئة المجتمع في اتجاه تقدّمه، بحث مشاكله وإلقاء الضوء عليها"، وأن دور الفنان "لا أن يكتب أي شيء يحلو له لقيمةٍ جمالية بحتة. لا أن يتوه في بحث مشاكل فكريّة وفلسفيّة فقط، لا أن يعيش أسير تجربته الفردية التي قد تسلّمه للانعزال والإحساس بالضياع والعدم، لا أن يكتفي بتسجيل ما يحدث في المجتمع تسجيلًا انطباعيًّا حياديًّا سطحيًّا." وهذا الكلام فيه لفتة مهمّة تكاد تكون تعريفًا للعزلة التي قد يفرضها الفنان على نفسه ويعكسها في أعماله (أو في إصراره على تفسير أعماله تفسيرًا منزوع السياسة). (صنع الله إبراهيم. يوميات الواحات. مؤسسة هنداوي. المملكة المتحدة. 2022. ص48، 50.)
  1. انظر/ي كتابه الشهير .Pedagogy of the Oppressed
  2. هذا الإدراك لدور الفن التواصلي لا يتوقف عند التعبير عن الواقع وإقناع المتلقي بوجهة نظرٍ ما، بل يقود إلى انخراط الفن في معركة التغيير، فكما يقول واذيونغو الحرب التي يشنها النظام العالمي علينا حرب شاملة (سياسيّة، اقتصاديّة، ثقافيّة، فنيّة)، ولذلك لا يجوز أن يُعفى الأديب والفنان من ساحة المعركة (واذيونغو، مرجع سابق، ص68). وهذا الكلام، الذي يستلهم فيه واذيونغو أميركال كابرال وحديثه عن دور الثقافة في مقاومة الاستعمار، يستحضر إلى الذهن حديث الشهيد غسان كنفاني عن الأدب المقاوم، وأهمية عناصر التواصل (وما تعنيه من تعبير وإقناع). فإن كان المعنى الواسع للمقاومة هو "المقاومة على صعيد الرفض، وعلى صعيد التمسّك الصلب بالجذور والمواقف"، فالعمل السياسي والعمل الثقافي يمثلان "الأرض الخصبة التي تستولد المقاومة المسلحة وتحتضنها وتضمن استمرار مسيرتها … ومن هنا فإن الشكل الثقافي في المقاومة يطرح أهمية قصوى ليست أبدًا أقل قيمة من المقاومة المسلحة ذاتها، وبالتالي فإن رصدها واستقصاءها وكشف أعماقها تظل ضرورة لا غنى عنها لفهم الأرض التي ترتكز عليها بنادق الكفاح المسلح". (غسان كنفاني. الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال 1948-1968 دار منشورات الرمال. قبرص. 2015. ص9-10). 
  3. انظر/ي مناقشة فريري لدور العمل الثقافي المضاد للحواريّة والعمل الثوري وما وصفه بأنه "غزو ثقافي":
Paulo Friere. Pedagogy of the Oppressed. Penguin Classics. UK. 2017. pp125-140.
  1. مصطلح "التطبيع المفرط" تاريخ مرتبط بنظريات لغوية ورمزية وسياسيّة خلاصتها أن ثمّة سرديات تزيّف الواقع يُفرض علينا قبولها أو تطبيعها. من هذه الناحية يتقاطع المصطلح وكثير من الدراسات الماركسية التي نظرت في تفاعلات وجودنا في هذا العالم: أفكار ماركس عن اغتراب الإنسان عن نفسه وعن عالمه، مجتمع الفرجة والافتراق عند غاي ديبور، الهيمنة في أعمال غرامتشي، تحليلات دولوز وغوتاري النفسيّة، منطق الرأسمالية المتأخرة عند فريدريك جيمسون، الدراسات الثقافية عند ستوارت هال، وغيرهم كثير. مفهوم "التطبيع المفرط" من ناحية ماركسيّة يتشابه كثيرًا مع مفهوم "الواقعية الماركسيّة" الذي طرحه مارك فيشر في كتابه "الواقعية الرأسمالية: أليس ثمّة بديل؟".
  2. إن نظرنا مثلًا في أوضاع بلادنا في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، قد نرى أن الهيمنة أكثر صراحةً في أساليبها، العزلة المفروضة علينا تقوم على تحريم السياسة وإحكام أبواب السجون علينا، والتأقلم فيها أقرب إلى الانكسار من الانخداع، والانشغال بالنجاة الشخصيّة يتجاوز مخاوف الوظيفة والعناية بالصحة العقليّة إلى الإكراه على التأييد والتطبيل والرقابة على الذات والآخرين، الرعاية بالذات عندنا تُركّز على تحسس الرقاب والمشي بجوار الحائط. 
  3. Pedagogy of the Oppressed. p112.
وهو ما أسماه مارك فيشر "الواقعية الرأسماليّة": "الإحساس المنتشر على نطاقٍ واسع أن الرأسماليّة هي النظام السياسيّ والاقتصادي الوحيد الممكن، وأنه من المستحيل الآن ولو تخيّل بديل منطقي لها." وعندما ينتفي البديل، أي تنتفي إمكانيات الجدال في قيمة هذا النظام أم ذاك وعدالته ومنطقيته، لا يبقى لنا إلا النظام العالمي القائم، فتكتسب واقعيته حتمية كحتمية الطبيعة: "من نافلة القول إن ما يُعد "واقعيًّا"، ما يبدو ممكنًا في أي نقطة من المجال الاجتماعي، تُحدّده سلسلة من القرارات السياسيّة. ليس لأي موقف أيديولوجي أن ينجح إلا إذا طُبِّعَ، ولن يُطبّع إن بقي يمثل قيمةً [معنويَّةً] لا واقعًا ملموسًا." انظر/ي:
Mark Fisher. Capitalist Realism: Is there no alternative? Zero Books. London. 2022. p2, 16-17.
  1. تفصيلة الوحش/الشر وخفائه في الفيلم وطبيعته المحيّرة، يجوز لنا أن نقرأ فيها اتساقاً تامًّا مع ممارسة مثل فرض النظام العالمي حجاب الواقعيّة على الواقع: ما من شرور ولا وحوش، كلّ شيء طبيعي، وكل ما عليك هو أن تحذر الظلام وتهتم بنفسك. هذا الخفاء كما يساهم في تأقلم شخصيات الفيلم التي تنسى كل شيء وتستمر حياتها، يزيد من حيرة الشخصيات القلقة، التي حُرِمَتْ فضيلة النسيان، فتعلق في متاهة العجز (عن الفهم ومن ثَمَّ التغيير) وهي تحلم لو تستمر حياتها مثل غيرها.
  2. مرّت تقريبًا سنة على بدء "عملية السلام" الترمبيّة، والإبادة في غزّة مستمرة، أكثر من أربعة آلاف بين شهيدٍ ومصاب حصيلة "عملية السلام"، وهذا دون تعداد كلّ من استشهدوا بسبب نقص الأدوية والطعام ومقومات الحياة. فكأن هذه المرحلة تنبئ بما سيأتي به ذاك "اليوم التالي" الموعود.
  3. ولا ننسى أن الفيلم كسب أرباحًا عالميّة بما يقارب 270 مليون دولار، بناءً على ميزانية 38 مليون دولار، فإن افترضنا أن ميزانيّة التسويق والتوزيع ضاعفت ميزانية إنتاجه، جاعلةً إياها 76 مليون دولار، فهذا يعني أن الفيلم حقّق أرباحًا بنسبة 255% تقريبًا!
  4. للتوضيح ثمّة مشاهد دمويّة عنيفة في الثلث الأخير من الفيلم، فهو يجمع بين الرعب النفسيّ إلى حدٍّ ما والرعب الدموي.
  5. وهذا نقدٌ تكاد إمكانيته للأسف أن تنحصر في واقع العالم "الغربي" (ويالحسرة أن تضيق حدود النقد!). في "الغرب"، الذي تسود فيه "واقعية" الوضع القائم، تُنشر الكتب وتُنتج الأفلام والمسلسلات التي تناقش القضيّة الفلسطينيّة والإبادة، ويتسابق هناك الفنانون على لبس الكوفيّة وإدانة الإبادة (وإن تأخّر جلّهم، حتّى صارت مساندة غزة رائجة تكاد تخلو من العواقب). فماذا نقول في شأن عالمنا "الشرقي" الذي يفترض به أنه الأقرب إلى القضية والأولى بالتصدر لمساندة أهلنا في غزة؟ كيف نقارن استمرار حياتهم باستمرار حياتنا؟ نقارن الفعاليات الغربية التي تُرفع فيها أعلام فلسطين وينادى فيها بالموت لجيش الاحتلال الإسرائيلي بحفلاتنا ومهرجاناتنا الصاخبة التي يُمنع فيها الهمس باسم غزة؟ أنأتي إلى كلّ الفنانين الغربيين (لا سيما الذين نشطوا دعمًا لغزّة مبكرًا فقوطعوا وطردوا وحُوربوا)، ونقول لهم شكر الله سعيكم، محمد سلام رفض تجاهل الإبادة في الشهر الأوّل منها وهوجم وقوطع مثلكم، فصار لدينا مثال مشرّف واحد، وكفى الله المؤمنين القتال! ولكن لعل المقارنة لا تستقيم أصلًا بين عالم يقيد الحريات لأنه يزعم أنه "عالم الحريات"، فيفرض عليه تناقضه السماح ببعض الحريات ليضمن استمرار الكذبة، وعالم يقيدها لأنه عديم الحريات وكفى، فلا تناقض فيه. وعلى كلِّ، عندما نحتجَّ بتلك الأسئلة، فَسيَّانِ هنا أو هناك، عالمٍ يتوهّم أنه حر وعالمٍ يدرك أنه أسير.

هوامش

موضوعات

للكاتب/ة

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع