«لا أرض أخرى»... العنف الاستعماري بشكله العاري

شفيق طبارة

ناقد من لبنان

من خلال مونتاجه المتصدع، ولقطاته القريبة، ومشاهده الليلية، نرى نمطاً متكرراً: بمجرد أن يتدفق الجيش والحفارات، ينطلق الناشطون من المناطق المحيطة للمقاومة، ونرى حشوداً ومواجهات جسدية، وآباء وأمهات وأطفالاً ينقذون ممتلكاتهم.

للكاتب/ة

لا يكتفي «لا أرض أخرى» بعملية إعادة توثيق الدمار على مدى أربع سنوات، والتي تتكرر بطريقة رتيبة ومخططة، بل يروي أيضاً خطاباً بنبرة هادئة، بينما نرى الأطفال يلعبون ويضحكون في الحقول المفتوحة في اللحظات التي تتركهم فيها الهمجية بمفردهم،

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

10/03/2025

تصوير: اسماء الغول

شفيق طبارة

ناقد من لبنان

شفيق طبارة

ناقد سينمائي، يكتب في عدة صحف ومجلات عربية، يغطي سنويا عدداً من المهرجانات السينمائية العربية والعالمية. عمل كمدير فني لمهرجان "نورينت" في سويسرا. ويعمل مستشاراً فنياً لعدد من شركات الإنتاج العربية والعالمية. أصبح هذا العام مصوت دولي لجوائز الغولدن غلوب.

في الحروب والصراعات، هناك دوماً فروق دقيقة وتعقيدات وظلال اللون الرمادي. وفي السينما أيضاً، إنّ لم يكن الرمادي واضحاً، يجب البحث عنه. لكن في بعض الأفلام السينمائية، خصوصاً الوثائقية، لا مجال للون الرمادي، بسبب قوّة الصورة! وفيلم «لا أرض أخرى»، مثال على ذلك. في مواجهة هذا الكمّ الهائل من المشاهد التي التقطها مخرجو هذا الوثائقي على مدى خمس سنوات، واستكملوها بتسجيلات أخرى تعود إلى عشرين سنة مضت، لا يمكن أن يخطر في بال أحد سوى فكرة واحدة: كم هي فظيعة! لا يمكن إلا لمتعصّب أن يقترب من الواقع المرئي والصوتي لفيلم وثائقي مثل «لا أرض أخرى» ولا يشعر بألم الحقائق، أو الغضب، أو العار! إنّ الفظاظة الشكلية للفيلم، تستجيب لنوع الصور والمشاهد الأكثر نموذجية لصحافة المواطن، وتُجمَع تحت الروح المتمردة للسينما المباشرة، العفوية. وبذلك، تُصبح الصورة غير قابلة للجدل: يُجبر الفلسطينيون في مسافر يطا على مغادرة منازلهم تحت تهديد الهدم والسلاح والقتل.

مسافر يطا المجتمع الريفي الصغير من الرعاة الفلسطينيين، منطقة جبلية في الجليل احتلتها إسرائيل في حرب الأيام الستة، وأعلنتها منطقة تدريب عسكري في مطلع الثمانينيات. بعد قرار من المحكمة العليا الإسرائيلية، سُمح للجيش الإسرائيلي بطرد سكان المنطقة البالغ عددهم 1000 نسمة، لاستخدام الأرض للتدريبات العسكرية بالدبابات (النوايا الحقيقية هي بناء المستوطنات). 

في هذه المنطقة يدمّر الجنود الإسرائيليون منازل الفلسطينيين الذين عاشوا هناك لأجيال، ولكنّ الإسرائيليين لا يهتمون كثيراً بهذا الأمر، ويخشون أي احتمال لـ«تقدم» فلسطيني. تجري عمليات الهدم والطرد ليلاً نهاراً، وتزداد عنفاً، وفي العديد من الحالات تكون العواقب مأساوية. 

من بين مخرجي الفيلم الأربعة باسل عدرا، وحمدان بلال، ويوفال إبراهام وراحيل تسور، يبرز عدرا، الناشط الشاب الفلسطيني، خريج الحقوق، الذي شهد منذ طفولته اعتقال عائلته وهدم منازلهم، يوثق هنا كفاحه ونضال جيرانه. وأبراهام، الصحافي والناشط الإسرائيلي، الملتزم بقضية شعب مسافر يطا إلى حد يجعله يُعتبر خائناً من قبل مواطنيه، هو بدوره يخجل مما يفعله شعبه في ذلك المكان الذي سافر إليه توني بلير ذات يوم، حيث سار «سبع دقائق»، وأدت زيارته إلى «عدم هدم» المدرسة التي درس فيها عدرا.

يوثق الفيلم من سنة 2019 حتى أكتوبر 2023، جرائم قتل يرتكبها الجنود الإسرائيليون ومستوطنون بحق سكان المنطقة. شاحنات إسمنت تسد آبار المياه، جرافات تهدم بيوت، وقن دجاج، ومدرسة متواضعة من طابق واحد مبنية من المرمر. 

لا يكتفي «لا أرض أخرى» بعملية إعادة توثيق الدمار على مدى أربع سنوات، والتي تتكرر بطريقة رتيبة ومخططة، بل يروي أيضاً خطاباً بنبرة هادئة، بينما نرى الأطفال يلعبون ويضحكون في الحقول المفتوحة في اللحظات التي تتركهم فيها الهمجية بمفردهم، عن مستقبل وحاضر المنطقة، عن فلسطين، والحياة اليومية في منطقة الفصل العنصري. يقارن المخرجون بين الأدلة على هذه الأعمال الوحشية ولقطات من نشرات الاخبار الإسرائيلية، حيث يتم سحق أي انتقاد لما يحصل تحت عنوان معاداة السامية.  

من خلال مونتاجه المتصدع، ولقطاته القريبة، ومشاهده الليلية، نرى نمطاً متكرراً: بمجرد أن يتدفق الجيش والحفارات، ينطلق الناشطون من المناطق المحيطة للمقاومة، ونرى حشوداً ومواجهات جسدية، وآباء وأمهات وأطفالاً ينقذون ممتلكاتهم. أول شيء نراه في الفيلم هو باسل الذي يقود السيارة طوال الليل، وأول جملة قيلت: «يا رفاق، الجيش يحاصر القرية». وفي كثير من الأحيان، نرى الأرض أو السماء ونسمع ضجيج الكاميرا مختلطاً بصرخات الألم. يقف الجنون أمام الكاميرا: يحاولون ترهيب عدرا، بينما يطلق المستوطنون كلمات التخوين لأبراهام. طوّر عدرا وابراهام ديناميكية تصويرية غير معلنة تقريباً، بحيث يصوّر أبراهام عندما يصبح الأمر خطيراً للغاية بالنسبة إلى عدرا.

في مشهد من فيلم «موسيقانا» (2004)، لجان لوك غودار، وفي سؤال حول الفرق بين الفيلم الوثائقي والخيالي، يُظهر لنا غودار صورة لليهود الذين وصلوا عبر البحر إلى فلسطين عام 1948، وصورة لفلسطينيين تم إلقاؤهم في البحر في التاريخ نفسه على قاعدة اللقطة/ اللقطة العكسية وعلّق غودار: «اليهود انضموا إلى الخيال، والفلسطينيون انضموا إلى الوثائقي». اليوم وبعد تاريخ طويل من الوثائقيات، وبفضل سهولة حمل الهواتف الذكية، تتمتع صور عدرا والمخرجين بمباشرة وفورية لا جدال فيها. إن هذه المشاهد تجعلنا شهوداً مباشرين على اللاإنسانية. هنا الكاميرا هي الجسد، وعندما تتم مهاجمة الجسد، تتم مهاجمة الكاميراً أيضاًـ وعندما يموت الجسد، تنتهي الصورة. طريقة التفكير في هذه الصورة في هذا الفيلم يمكن إرجاعها إلى بدايات السينما الفلسطينية، مثل فيلم «فلسطين في العين» (1977) لمصطفى أبو علي، الذي هو تكريم لهاني جوهرية ووحدة الفيلم الفلسطيني، التي عملت كذراع سينمائية لمنظمة التحرير الفلسطينية ووثقت عملها. إنها أفلام للمقاومة المسلحة، من المقاومة المسلحة، مع بوليكس (16 ملم) على الكتف فوق قمم الجبال.

في فصل من فصول فيلم «تاريخ السينما» (1988)  لغودار، كان هناك نقاش مشحون بالأخلاق في ما يتعلق بالعلاقة بين الصدمة التاريخية وقدرة الصورة على تمثيل أو تصوير تلك الصدمة. ومن بين الكلمات، يؤكد غودار: «إن السينما فشلت في الوفاء بالتزامها الأخلاقي في تقديم الهمجية التي لا يمكن تصورها في معسكرات الإبادة النازية». لم يتبق من ذلك في السينما سوى بعض الوثائقيات أهمها لآلان رينيه وكلود لانزمان. الفكرة هنا ليست المحرقة، بل الرغبة البسيطة في إخبار الناس عن الظلم. هناك زوايا كثيرة لمناقضة حجة غودار، لكن هذا ليس الهدف. الهدف أن نستنتج من حجة غودار أنّ وثائقي «لا أرض أخرى» قد لا يملك القدرة على تغيير العالم، لكنه يمتلك القدرة على تنفيذ المهمة الأساسية والبسيطة المتمثلة في توثيق ما يحدث ومكافحة التضليل والسردية الصهيونية. 

فاز «لا أرض أخرى» بجائزة أفضل فيلم وثائقي في جوائز الأوسكار، وقبلها أفضل وثائقي في مهرجان برلين السنة الماضية، كما فاز بجائزة الجمهور في العديد من المهرجانات، إضافة إلى جوائز كثيرة في مهرجانات أوروبية كثيرة. أصبح الفيلم وسيبقى إدانة قوية لانتهاكات الجيش الإسرائيلي. لذا، ماذا سنفعل مع فيلم «لا أرض أخرى»؟ ربما يكون أول شيء، وأكثره أساسية، هو الذهاب لمشاهدته، ودعوة الآخرين للقيام بذلك، والبحث عن كل صورة وكل مشهد وكل فيلم وكل قصيدة وكل مقال ورواية، تساعد سرديتنا، وعدم عزلها وعدم منعها، كما يمنعها الآخرون.

 

 

 

الكاتب: شفيق طبارة

هوامش

موضوعات

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع