من نجيب إلى الفلسطيني: التشييء ونزع الإنسانية

The Goat Life, modified.

سليم أبو ظاهر

كاتب من فلسطين

وإذا ما أُجبر الفلسطينيون على الرحيل وترك غزة أو الضفة الغربية، فلن يكون مصيرهم مختلفاً كثيراً عن مصير نجيب، وسيواجهون عزلة سياسية، واستغلالاً اقتصادياً، وتهديداً دائماً لكرامتهم وإنسانيتهم.

للكاتب/ة

من هنا، تتجاوز أهمية الفيلم العمل الدرامي المجرد ليصبح بمثابة وثيقة تُعيد فتح النقاش حول معنى الوطن وضمان ألا يتحول الفلسطيني إلى عبدٍ في المنفى، وشهادة بصرية عن هشاشة الإنسان حين يُنتزع من بيئته ويُلقى في فضاء غير مضياف، ولتجسد "حياة الماعز" نداءً تحذيريًا إلى المجتمع الدولي،

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

25/06/2025

تصوير: اسماء الغول

سليم أبو ظاهر

كاتب من فلسطين

سليم أبو ظاهر

وأكاديمي.

في زمن تتقاطع فيه المأساة الفردية مع التراجيديا الجماعية، يبرز فيلم حياة الماعز "The Goat Life" كعمل سينمائي هادف يتجاوز حدود الحكاية المحلية، ليغدو مرآةً للواقع الإنساني الهش في سياقات الاستغلال والتهجير. الفيلم، وهو دراما هندية مستوحاة من قصة حقيقية، لا يقدّم سرداً عابراً لمعاناة عامل وافد فحسب، بل يغوص عميقاً في قضايا ترتبط بالبُنى السياسية والاقتصادية التي تُكرّس التهميش والتشييء ونزع الإنسانية، خاصة في ظل نظام الكفالة في دول الخليج. يبدأ الفيلم بسرد تجربة "نجيب"، الشاب الكادح المنحدر من ولاية كيرلا الهندية، الذي يغادر بلاده مدفوعاً بحلم حياة أفضل، ليجد نفسه محتجزاً في صحراء قاحلة، حيث يعمل راعياً للماعز في ظروف غير مواتية. من خلال أداء تمثيلي متقن وتحول جسدي ونفسي مذهل، يتجسد نجيب ككائن هشّ، يتحلل تدريجياً من ذاته، فيفقد لغته وذاكرته وقدرته على التواصل، ويذوب وجوده الإنساني في عزلة مدمّرة. هذا التلاشي الرمزي يجعله يندمج –بل يتماهى– مع القطيع الذي يرعاه، ليُجسد بأبلغ صورة كيف يمكن للإنسان أن يتحول من ذات فاعلة إلى كائن شبه حيواني، مجرد من أي قيمة، حين يُسلب من حريته وكرامته وحقوقه الأساسية.

لقد نجح الفيلم في تقديم هذه التحولات المأساوية ضمن قالب بصري مؤثر، مزج فيه بين اللقطات القاسية للصحراء، والموسيقى التي تجمع بين الروح العربية والهندية، لتُعبّر عن عبور نجيب بين عالمين، ليس فقط جغرافيين، بل وجوديين؛ من الأمل إلى اليأس، ومن الحلم إلى التلاشي، ومن الذات الحرة إلى الكائن المسلوب. هذه الثنائية تعززها الصورة السينمائية التي التقطت جفاف الصحراء كتجسيد بصري للخراب الداخلي، وكأن نجيب لا يُدفن في الرمال فحسب، بل في غربته عن اللغة والذاكرة والكرامة. لكن الأهم من ذلك أن هذه القصة الفردية ليست استثناء، بل انعكاسٌ لحالة معمّمة يعيشها الملايين من العمال المهاجرين في الخليج وفي غيره من المناطق التي تسود فيها منظومات قانونية تقيّد حرية الأفراد، وتحصرهم في علاقات استغلالية غير متكافئة. وبذلك، فإن فيلم "حياة الماعز" يقدّم نفسه ليس فقط كعمل درامي أو شهادة توثيقية عن تجربة معزولة، بل كتحذير سياسي واستباقي لما يمكن أن يُصبح مصيراً جماعياً لفئات واسعة من البشر، إذا ما استمر العالم في التغاضي عن هذه البُنى الظالمة.

وعلى الرغم من أن الفيلم ينطلق من سياق هندي-خليجي ليجسد دراما إنسانية كثيفة، إلا أنه يكتسب اليوم أبعاداً جديدة تضفي عليه مزيداً من الأهمية، خصوصاً إذا ما تمت قراءته في ضوء تقاطعه المؤلم مع التحولات السياسية والإنسانية التي يعيشها الشعب الفلسطيني، لا سيما في قطاع غزة الذي يشهد تهديدات ديموغرافية متكررة، حيث تتصاعد الدعوات والمخططات التي تنذر بإمكانية حدوث تهجير جماعي قسري تحت مسميات "الإخلاء الإنساني" أو "النقل المؤقت"، في سيناريو يعيد إلى الأذهان فصول النكبة الأولى، ولكن بثوب معاصر وأكثر التواء. من هنا، تصبح "مشاهدة" أو "قراءة" فيلم "حياة الماعز" ضرورة سياسية وثقافية، إذ يقدّم عبر حكاية نجيب تجسيدًا لما قد يواجهه الفلسطيني إذا ما تم تهجيره ونقله إلى بيئات عمل مشابهة، خالية من الحماية القانونية أو الانتماء الوطني، ومفتوحة على كل احتمالات وإمكانيات العزلة والاستغلال وفقدان الهوية في ظروف غير إنسانية.

في ظل الاعتداءات المتكررة على غزة، ووسط الطروحات المتعددة والرؤى المستقبلية المختلفة، تزداد المخاوف من أن تكون هذه الخطابات بمثابة غطاء لتهجير قسري للفلسطينيين. بل إن بعض الخطط السياسية، مثل ما ورد في خطة ترمب المعروفة بريفيرا غزة، والتي اقترحت إنشاء منطقة سياحية على شاطئها، توحي بإمكانية تحويل القطاع من مكان للسكن الفلسطيني إلى وجهة استثمارية، في تجاهل كامل لوجود شعب وأرض وتاريخ. ومع هذه المخططات، برزت دعوات أكثر تطرفًا من قبل وزراء في الحكومة الإسرائيلية مثل بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، اللذين طالبا علناً بتهجير الفلسطينيين إلى دول الجوار مثل مصر والأردن، أو حتى إلى دول بعيدة كإندونيسيا، مع استخدام عبارات مثل "تسهيل الهجرة" كإطار ناعم لوصف مشاريع الترحيل الجماعي. وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى مصير نجيب، في فيلم "حياة الماعز"، كنموذج دلالي لما يمكن أن يتعرض له الفلسطيني المُهجَّر. فكما تم تحويل نجيب إلى مجرد أداة للإنتاج، محاصرة في عزلة تامة ومنزوعة من إنسانيتها، يخشى أن يتعرض الفلسطيني المُهجَّر، إذا ما تم دفعه إلى أماكن اللجوء الجديدة، لنمط مماثل من التشييء. ذلك أن ما شهده الفلسطينيون من تجارب في المنافي، يشي بأنّ احتمالات فقدان الكرامة ليست بعيدة، بل إن فقدان الصفة القانونية، أو عدم الاعتراف بوضع اللاجئ، يمكن أن يجعل الفلسطيني إذا ما تم تهجيره فريسة سهلة للتمييز والاستغلال، في ظل غياب سبل الحماية الدولية. 

وكما يكشف فيلم "حياة الماعز" هشاشة أوضاع العمالة في بيئات تطبق نظام الكفالة، فإنّ المهجّرين الفلسطينيين في حال إخضاعهم لنفس النظام، قد يجدون أنفسهم في أوضاع أكثر هشاشة. إذ يعتمد هذا النظام على علاقة غير متكافئة بين الكفيل والعامل، ويمنح الكفيل سلطة تكاد تكون مطلقة، بما يشبه العبودية الحديثة. وإذا ما تم تهجير الفلسطينيين إلى دول الخليج –كما لمح بعض السياسيين الإسرائيليين– فإنهم لن يتمتعوا بأي إطار قانوني أو سياسي يحميهم، لا كلاجئين ولا كمواطنين، وسيواجهون خطر الاستغلال في سوق العمل من دون تمثيل أو صوت. فالتهجير لا يُختزل فقط في نقل الأفراد من مكان إلى آخر، بل يتجاوز ذلك ليصبح أداة لنزع الذاكرة الجماعية ومحو الهوية، وقد أظهر الفيلم ببلاغة كيف أن نجيب بدأ يفقد لغته وقدرته على التفكير والتعبير نتيجة العزلة القسرية. وهذا ما يُخشى أن يحدث للفلسطيني المُهجَّر؛ فمع الزمن، وفي ظل حياة تفتقر إلى الاستقرار، قد يفقد ارتباطه بروايته الوطنية، وقد تنقطع صلته بماضيه، كما تنقطع علاقته بموطنه الأصلي. هذه الديناميكية ليست افتراضية، بل تؤكدها تجارب أجيال من اللاجئين الفلسطينيين الذين نشأوا في منافي لا تُوفر لهم بيئة تعليمية أو ثقافية داعمة لهويتهم الوطنية.

إن التهجير القسري ليس فقط جريمة قانونية وإنسانية، بل هو جريمة ضد الوجود. ولعل أحد أبرز أدوار السينما في عصرنا الحديث هو أنها تُشكل مرآة للواقع وتُنذر بما يمكن أن يحدث إذا لم يتم تدارك الأخطاء. في هذا السياق، لا يمكن النظر إلى "حياة الماعز" باعتباره فيلمًا إنسانيًا فقط، بل يجب قراءته كوثيقة سياسية بامتياز، تحذر من أن العزلة، والتشييء، والاستغلال، ليست مجرد حالات فردية، بل أنماط ممنهجة قد تتكرر في سياقات سياسية مشابهة. وفي ظل مشاريع تهجير الفلسطينيين، يقدم الفيلم سردية بصرية عميقة عن هشاشة الإنسان حين يُنتزع من جذوره، ويجسد تحذيراً مبكراً من تكرار النكبة الفلسطينية، ولكن في طبعة جديدة أكثر تعقيداً وتهميشاً. ذلك أن ما يُطرح اليوم حول غزة لا يقتصر فقط على البعد الديموغرافي، بل يتعداه إلى الطموحات الاقتصادية والاستثمارية التي ترى في غزة شاطئاً واعداً. فخطة ترمب لريفيرا غزة، التي تتعامل مع القطاع كموقع جذب سياحي، وغيرها من الطروحات والمقاربات التي تتضمن في جوهرها رؤية ترى الأرض دون سكان، أو على الأقل لا ترى سكانها كأصحاب حق، تعيد إنتاج منطق الاستعمار الاستيطاني القائم على الإزاحة، لا فقط من الأرض بل من التاريخ والسرد والرمزية. 

وإذا ما أُجبر الفلسطينيون على الرحيل وترك غزة أو الضفة الغربية، فلن يكون مصيرهم مختلفاً كثيراً عن مصير نجيب، وسيواجهون عزلة سياسية، واستغلالاً اقتصادياً، وتهديداً دائماً لكرامتهم وإنسانيتهم. من هنا، تتجاوز أهمية الفيلم العمل الدرامي المجرد ليصبح بمثابة وثيقة تُعيد فتح النقاش حول معنى الوطن وضمان ألا يتحول الفلسطيني إلى عبدٍ في المنفى، وشهادة بصرية عن هشاشة الإنسان حين يُنتزع من بيئته ويُلقى في فضاء غير مضياف، ولتجسد "حياة الماعز" نداءً تحذيريًا إلى المجتمع الدولي، وإلى الفاعلين السياسيين، بأن التهجير القسري لا ينهي الصراعات، بل يُعيد إنتاجها في صور أكثر فداحة. وإذا لم يتم التصدي بجدية لهذه المشاريع، فإن السيناريو الذي عاشه نجيب قد يصبح واقعًا جماعياً لمئات الآلاف من الفلسطينيين، الذين بتهجيرهم لن يفقدوا فقط وطنهم، بل إنسانيتهم أيضا.

الكاتب: سليم أبو ظاهر

هوامش

موضوعات

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع