الفلسطيني الذي قاد كتائب ومسرحا وعملية هروب من السجن (ترجمة)

تصوير سمر حزبون لصحيفة نيويورك تايمز

رمان الثقافية

مجلة ثقافية فلسطينية

قال الزبيدي إن هدفه النهائي كان لا يزال إنهاء الاحتلال الإسرائيلي. لكن انخراطه في المسرح عكس نهجاً متطوراً لتحقيق هذا الهدف. لم يكن الهدف استبدال النشاط المسلح أو التخلي عنه، بل تزويده بدعامة فكرية وثقافية.

للكاتب/ة

قال الزبيدي: "الإعلام قال إن زكريا انتقل من النضال المسلح إلى النضال الثقافي. لكن الأمر ليس أن تكون شيئاً أو شيئاً آخر". وأضاف: "كيف فتحت باب المسرح؟ كسرته ببندقيتي".

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

12/08/2025

تصوير: اسماء الغول

رمان الثقافية

مجلة ثقافية فلسطينية

رمان الثقافية

تقرير لباتريك كينغسلي وفاطمة عبد الكريم. نشر في "نيويورك تايمز" في 12 أغسطس 2025.

 

عندما أُطلق سراح زكريا الزبيدي فجأة من سجن إسرائيلي في فبراير، كان ذلك لحظة نادرة وعابرة من الفرح بالنسبة للفلسطينيين.

احتشد المئات في رام الله، مدينة فلسطينية في الضفة الغربية المحتلة من قبل إسرائيل، للاحتفال بوصول الزبيدي من السجن، مهللين له كبطل عائد. هتفوا باسمه بينما يخطو خطواته الأولى نحو الحرية، وحمله بعضهم على أكتافهم. طفل كان يمسك بعلبة جل للشعر كان الزبيدي قد أهداها له قبل ست سنوات، قبل أن يُسجن. قال وطن أبو الرب، 11 عاماً: "أريد أن أري العم زكريا أنني احتفظت بها، ولن أستعملها إلا الآن بعد أن أصبح حراً".

الزبيدي، 49 عاماً، هو أشهر الأسرى الفلسطينيين الذين أُفرج عنهم مقابل رهائن إسرائيليين خلال هدنة قصيرة في غزة في وقت سابق من هذا العام. في أوائل الألفينيات، ألهم الفلسطينيين، وأرعب الإسرائيليين، من خلال قيادته مجموعة مسلحة تابعة لحركة فتح، المنافسة العلمانية لحماس.

لفت الانتباه الدولي حين توقف بعد سنوات عن القتال وساعد في تأسيس مسرح. وبعد أن سُجن بعد عقد من الزمن، رسّخ أسطورته عندما فرّ لفترة وجيزة من السجن عبر نفق قبل أن يُعاد اعتقاله بعد أيام قليلة.

الآن، وبعد أشهر من الإفراج عنه، أصبح الزبيدي رمزاً لشيء آخر: الإحساس باليأس الذي يغلّف الحياة الفلسطينية. في حديث حديث مع صحيفة نيويورك تايمز، أول مقابلة طويلة له كرجل حر، قال الزبيدي إنه شعر أن حياته كمسلّح، وقائد مسرح، وسجين، قد أثبتت في النهاية أنها بلا جدوى. وأضاف أن أياً من ذلك لم يساعد في إقامة دولة فلسطينية، وربما لن يفعل أبداً.

قال الزبيدي في مقابلة في رام الله: "علينا أن نعيد النظر في أدواتنا". وأضاف: "أسسنا مسرحاً، وجربنا المقاومة الثقافية، ماذا فعل ذلك؟ جربنا البندقية، جربنا إطلاق النار. لا يوجد حل".

وكأنه يوضح وجهة نظره، أزال الزبيدي عدة أطقم أسنان من فمه، كاشفاً عن فم بلا أسنان تماماً. وقال إن أسنانه وفكه قد تحطمت خلال فترة سجنه الأخيرة. وأوضح أنه كان بالفعل في الحجز خلال هجوم حماس على إسرائيل في أكتوبر 2023؛ وفي الأسابيع التي تلت ذلك، ضربه حراس السجن مراراً، كما قال. تتشابه أوصافه مع شهادات ما لا يقل عن عشرة أسرى آخرين في إسرائيل منذ بداية الحرب، الذين أجرت الصحيفة مقابلات معهم.

 

 

وفي بيان، قالت مصلحة السجون الإسرائيلية إنها "ليست على علم بالمزاعم التي وصفتها، وحسب علمنا، لم تحدث مثل هذه الأحداث".

منقطعاً عن وسائل الإعلام في السجن، خرج الزبيدي بعد 16 شهراً من الحرب ليكتشف أن غزة قد دُمّرت بفعل الهجوم المضاد الإسرائيلي. وجد أجزاء كبيرة من جنين، مسقط رأسه في شمال الضفة الغربية، مدمرة ومهجّرة بفعل الغارات الإسرائيلية. كان منزله، الواقع في منطقة مغلقة من قبل الجيش الإسرائيلي، بعيد المنال. ابنه البالغ من العمر 21 عاماً، وهو أيضاً مسلح، قُتل في غارة إسرائيلية. وعلى كل الجبهات، بدا أن الاستراتيجيات الفلسطينية تفشل.

"لكن ما هو الحل؟" تساءل الزبيدي. "أنا أسأل نفسي هذا السؤال".

كمسلح شاب، كان لدى الزبيدي إحساس أوضح بالمهمة.

في أوائل الألفينيات، وبعد انهيار محادثات السلام، انضم إلى كتائب في جنين اعتقاداً منه أنها أفضل طريقة لتحقيق السيادة الفلسطينية. كان الدافع المباشر زيارة استفزازية لزعيم إسرائيلي، برفقة مئات من ضباط الشرطة، إلى "ساحة المسجد الأقصى". اندلعت الاحتجاجات والاضطرابات في المناطق العربية داخل إسرائيل، ما أدى إلى حملة قمع إسرائيلية دامية صدمت الزبيدي.

مع تصاعد الاحتجاجات إلى انتفاضة مسلحة، عُرفت بالانتفاضة الثانية، انضم الزبيدي إلى كتائب شهداء الأقصى، وهي مجموعة مسلحة كبرى تابعة لفتح في جنين، وسرعان ما ارتقى في صفوفها ليصبح قائدها.

بالنسبة للإسرائيليين، كان الزبيدي إرهابياً. قتل الفلسطينيون نحو 1000 إسرائيلي خلال الانتفاضة التي استمرت خمس سنوات، حيث تحولت الانتفاضة من احتجاجات إلى هجمات بالقنابل وإطلاق النار على الحافلات والملاهي والفنادق والمقاهي الإسرائيلية. ينفي الزبيدي ضلوعه في أي جريمة قتل، لكنه اتهم بإصدار أوامر بعدة هجمات، منها إطلاق نار على مكاتب حزب سياسي أسفر عن مقتل عدة أشخاص. وُجّهت له في النهاية 24 تهمة، معظمها متعلقة بالعنف، لكن لم يُصدر أي حكم قبل الإفراج عنه.

قالت بيلا أفرهام، زوجة أحد ضحايا ذلك الهجوم، لوسائل الإعلام الإسرائيلية بعد الإفراج عن الزبيدي في فبراير: "إطلاق سراحه أمر خطير. أتوقع من الدولة أن تطارده حتى آخر يوم في حياته".

أما بالنسبة للفلسطينيين، فقد كان الزبيدي مقاتلاً من أجل الحرية قاد الدفاع عن الأرض الفلسطينية ضد جيش الاحتلال. قتل الإسرائيليون حوالي 3000 فلسطيني خلال الانتفاضة الثانية. وعندما داهم الجيش الإسرائيلي جنين عام 2002، مدمراً الكثير من حي الزبيدي، قاد مجموعة من المسلحين حاولت صد الهجوم. لفت الانتباه الدولي بعد ظهوره في فيلم وثائقي بعنوان "أطفال أرنا" الذي وثّق بعض نشاطه المسلح.

 

 

في أحد المشاهد البارزة، وثّق صناع الفيلم جدالاً حول تكتيكات حرب العصابات بين الزبيدي ومقاتل آخر هو علاء صباغ. نجا الزبيدي من المداهمة الإسرائيلية بالاختباء بين الأنقاض، وانتقد قرار صباغ بالاستسلام للجنود.

قال الزبيدي لصديقه: "لن أستسلم أبداً". وأضاف لاحقاً: "أفضل أن أموت".

بمرور الوقت، تبنى الزبيدي نهجاً أكثر مرونة في مواجهة إسرائيل. ومع محاولة القيادات الإسرائيلية والفلسطينية إعادة الهدوء، عرضت إسرائيل عفواً في 2007 على مئات المسلحين، بمن فيهم الزبيدي، بشرط التخلي عن السلاح.

قبل الزبيدي، وقال في مقابلات حينها إن الانتفاضة فشلت. حوّل تركيزه إلى مسرح كان قد أسسه مع ممثل إسرائيلي يساري وناشط سويدي. نظم "مسرح الحرية" في جنين ورش عمل درامية للشباب في المدينة، وهو برنامج مستمر حتى اليوم، وعرض مسرحيات مثل "في انتظار غودو" و"مزرعة الحيوانات".

لم يُخرج الزبيدي أي مسرحية، لكن مشاركته في إدارة المسرح ساعدت على حمايته من معارضة سكان جنين المحافظين.

قال الزبيدي إن هدفه النهائي كان لا يزال إنهاء الاحتلال الإسرائيلي. لكن انخراطه في المسرح عكس نهجاً متطوراً لتحقيق هذا الهدف. لم يكن الهدف استبدال النشاط المسلح أو التخلي عنه، بل تزويده بدعامة فكرية وثقافية.

قال الزبيدي: "الإعلام قال إن زكريا انتقل من النضال المسلح إلى النضال الثقافي. لكن الأمر ليس أن تكون شيئاً أو شيئاً آخر". وأضاف: "كيف فتحت باب المسرح؟ كسرته ببندقيتي".

اتهمته إسرائيل بخرق شروط العفو، وأعادته للاعتقال في 2019، مما مهد الطريق لأبرز مغامراته. وأثناء انتظاره المحاكمة في 2021، فرّ من زنزانته عبر نفق طوله 32 ياردة حفره عدد من رفاقه الأسرى من حمام الزنزانة.

 

 

رغم أن الفارين الستة أُعيد اعتقالهم جميعاً خلال أيام، وأدين الزبيدي بالهروب، فإن سعيهم للحرية أسر خيال الفلسطينيين وعزز مكانة الزبيدي كرمز. حتى قبل أن تدمر إسرائيل غزة، كانت الجداريات التي تخلد الهروب موجودة على جدران في أماكن بعيدة مثل مدينة غزة.

ومع ذلك، ينظر الزبيدي إلى الهروب بقدر من التردد، إذ يراه ضرورياً وفي الوقت نفسه غير مثمر. قال: "كان من المستحيل أن أكون في السجن ولا أسعى للحرية. السجين الذي لا يفكر في الهرب من السجن لا يستحق الحرية".

علق في النفق لعشر دقائق واضطر أحد الفارين إلى إخراجه. وعندما شعر أخيراً بنسيم الليل الدافئ على جلده، قال إنه كان مثل "الحرية التي تتدفق في عروقي".

ومع ذلك، قال إن الهروب لم يحقق شيئاً يُذكر.

كان يعلم دائماً أن الأمر سينتهي بالموت أو إعادة الاعتقال، وبالفعل، عثرت عليه الشرطة الإسرائيلية بعد أيام، مختبئاً في شاحنة.

أدى ذلك إلى فرض مصلحة السجون الإسرائيلية شروطاً أشد قسوة على الأسرى الفلسطينيين، ووضع الزبيدي نفسه في الحبس الانفرادي.

بالنسبة له، هذا مثال على المأزق الذي يواجهه جميع الفلسطينيين، سواء عارضوا إسرائيل بوسائل سلمية أو عنيفة.

فشلت الانتفاضة في زعزعة إسرائيل. لكن السلطة الفلسطينية، وهي هيئة شبه مستقلة تتعاون مع إسرائيل في إدارة المدن الفلسطينية في الضفة الغربية، فشلت في تحقيق الدولة عبر النهج السلمي.

 

 

بالنسبة لكثير من الإسرائيليين، السبب هو أن السلطة غير مخلصة، وغير كفؤة، وضعيفة جداً بحيث لا يمكن الوثوق بها كدولة.

لكن الزبيدي يقول إن إسرائيل هي العقبة، فهي قوية جداً بحيث لا تُهزم بالعنف، وأنانية جداً بحيث لا تكافئ الشراكة الفلسطينية الحقيقية بإقامة دولة.

قال: "لا يوجد حل سلمي ولا حل عسكري. لماذا؟ لأن الإسرائيليين لا يريدون إعطاءنا أي شيء". وأضاف: "من المستحيل اقتلاعنا من هنا، وليس لدينا أي أدوات لاقتلاعهم".

ومع ذلك، لم يتوقف الزبيدي عن البحث عن جواب. منذ إطلاق سراحه، قال إنه بدأ دراسة الدكتوراه في جامعة بيرزيت، وهي من أبرز الجامعات الفلسطينية، آملاً أن تساعده على فهم تعقيدات الصراع بشكل أفضل.

الموضوع؟

"الدراسات الإسرائيلية".

 

هامش

قمنا بترجمة التقرير لأهميته ولا نتفق مع بعض تعابيره، لكننا حافظنا على الترجمة الأمينة له، وقمنا فقط بترجمة "ميليشيا" إلى "كتائب"، وبتغيير واحد في الصياغة وهو استخدام العبارة "ساحة المسجد الأقصى" بدل الترجمة الحرفية في الجريدة الأمريكية وكانت: "مجمع مسجد رئيسي في القدس بُني على موقع معبد يهودي قديم".

 

هوامش

موضوعات

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع