النَّصْبُ في أحد معانيه هو مَا يُغْرَسُ مِنْ صِغَارِ الأَشْجَارِ. وحين يقولون فلانٌ ناصبٌ عند فلانة، فإنما يعنون أنه عاشق لها ومهتم بها كما لو أنه زرعَ نصبةً في جوارها أو قُبالتها، وبقي مقيماً هناك يراقبها ويرعاها ويسقيها، وعيناه على المعشوقة. الحبُّ ناصبُ غراسٍ وصانع معجزات. ولكن حين يبالغ الناصب وتتعدّد أهواؤه فإنه يصبح نصَّاباً ولا أمان له. "النصَّاب" صيغة مبالغة من اسم الفاعل "ناصب". هذا يعني أن حكماءنا معهم الكثير من الحق حين قالوا: ما يزيد عن حدّه ينقلب إلى ضدّه.
* * *
النواصب نحوياً عشرة حروف (أن، لن، إذن، كي، لام كي، حتى، لام الجحود، أو، واو المعية والفاء السببية)، وهي تدخل على الفعل المضارع فتنصبه.
أمّا النواصب مذهبياً فيصعب حصر عددهم، ذلك لأن التسمية تشمل كل الجماعات التي تعادي عليّاً بن أبي طالب وأهل بيته. فالنصب قاموسياً هو إقامة الشيء ورَفعِهِ، ومن هنا جاء تعبير "ناصَبَه العداء" بمعنى أقام العداء ورفعه في وجهه كما لو أنه رفع خيمة أمامه وأقام فيها.
في الواقع أغلب فِرق الشيعة يتهمون السُّنَّة بأنهم يناصبون عليّاً وأهل بيته العداء، وكذلك أغلب فِرَق ومذاهب أهل السُّنَّة يتهمون الشيعة بالتهمة ذاتها ولكن تحت وسمهم بالروافض، وما من أحد من الطرفين يستطيع أن يقدِّم لنا شاهداً واحداً مكتوباً في ذلك الزمن، لا شعراً ولا نثراً، ذلك أن عصر التدوين العربي الإسلامي بدأ بعد ذلك بأكثر من مئة عام، ومع ذلك فإنهم جميعاً "جوازم" في ما يلهجون به.
* * *
(أُلفة، خُفيَة، خُلسة). تُجمِع القواميس على أنها كلها بضم الحرف الأول، ولكن معظم الناطقين بالعربية يكسرون أوائلها. لو كان لفظ هذه الكلمات بالكسر يثير اللبس أو يفضي إلى معاني مختلفة لوجب أن نلتزم بضم أوائلها. أمّا وأن المعاني لا تتغير، فما الضير من جوازها بالضم وبالكسر؟
لو أن أحداً من أسلافنا الأعراب لفظها بالكسر أو بالفتح، لقال الفقهاء: يصحّ فيها الوجهان، أو الثلاثة. ألم يجيزوا مثلاً كلمة "تجاه" بكسر التاء وبضمها وبفتحها؟
نقول "جلس فلان تِجاهَ أو تُجاهَ أو تَجاهَ فلان"، أي قبالته أو تلقاءه أو في مواجهته.
* * *
هَوَّلَ الْأَمْرَ: شَنَّعَهُ وَعَظَّمَهُ وَبالَغَ فِيهِ حَتَّى جَعَلَهُ هَائِلاً.
هَوَّنَ الأَمْرَ: سَهَّلَهُ وبسَّطَه وخَفَّفَهُ.
ومن خصائص قليلي الخواص أنهم يهوِّلون اليسير، ويهوِّنون العسير.
أمّا إذا ذهبنا إلى مصدر كلّ منهما، أي التهويل والتهوين، فسنجد أنهما متجانسان في اللفظ إلى درجة كبيرة، ومتنافران في المعنى إلى درجة كبيرة أيضاً.
صحيح أن اللغة العربية ليست إعجازية، إلا أنها شديدة الغنى والثراء بمثل هذه الطرائف والتناظرات والجماليات.
أمّا لماذا نقول "يا للهول" ولا نقول "يا للهون"، فإني أميل إلى الاعتقاد بأن لذلك صلة بخصائص الشخصية العربية التي تميل إلى التهويل والتضخيم والمبالغة.
* * *
العقيدة في اللغة العربية مأخوذة من فعل "عَقَدَ"، أي ربطَ بإحكام، ومنها عَقَدَ القلب أو العقل على شيء ما، أي آمن به على نحو يقينيّ لا شك فيه، وبالتالي هي أقرب ما تكون إلى العقدة، بل مجموعة عُقَد، طويلة الأمد حتى لتبدو أبدية. تتساوى في ذلك عُقَد وعقائد اليمين واليسار والوسط، وليس فقط. الحديث هنا يعتمد على الأصل اللغوي للكلمة، وليس على الاصطلاح الشرعي.
* * *
"أبو العتاهية" شاعر عباسي ممن عاصروا الخليفة المهدي ثم هارون الرشيد والمأمون، وهو شعرياً من طبقة بشار بن برد وأبي نواس وأضرابهما، ويندر أن تجد بين العرب المتعلمين من لم يسمع باسمه. أمّا شعره في الزهد والمديح والغزلٍ والرثاءِ والحكمة، فقليل من الأجيال من يعرفه، وأقل القليل من تساءل عن معنى لقبه "أبو العتاهية"، والأقل الأقل من يعرف أسباب التسمية.
أتذكَّر أني حين سمعت به لأول مرة، أصابني نوع من الاستفزاز والنفور من قراءته، إذ لم أفهم ولم أتفهَّم كيف يمكن لشاعر أن يقبل على نفسه هذا اللقب. فيما بعد تضافر الفضول والشك وانتهائي من قراءة كل ما كان متوفراً من دواوين شعرية في مكتبة المدرسة، فرحت أتصفّح ديوانه على مضض، وما إن قرأت بضع صفحات حتى اعتراني الخجل من نفسي على
إطلاق أحكام متسرِّعة وسطحية وتافهة من دون أن أقرأ للشاعر لو قصيدة واحدة على الأقل.
وقد تأتّى لي لاحقاً أن أتزود بقصص وأخبار أضاءت لي أن "أبو العتاهية" كنية، غلبت عليه أيام عربدة الشباب ومجونه، وقيل إن الخليفة المهدي هو من وصمه بها حين قال له: "أَراك مُتَخلِّطاً مُتَعتِّهاً".
والعتَاهِيَة مصدر الفعل "عُتِهَ"، والمعتوه اسم مفعول بمعنى ناقص عقل، وجمعه معتوهون ومَعاتيهُ.
فتأمَّلوا تأْمُلوا، وأحياناً تألَموا.
* * *
تَشَابَهَ الرجلانِ: كان كُلٌّ مِنْهُمَا يُشْبِهُ الآخَرَ. رَجُلانِ يَشْتَبِهانِ: يُشْبِهُ أَحَدُهُما الآخَرَ. تشابهتِ الأمورُ: اختلطت أو التبست، واشتبهتِ الأشياءُ: تقاربت وتماثلت من وجه ما، واِشْتَبَهَ في أَمْرِهِ : شَكَّ فيهِ. إذن فلتحذروا التشابهَ، لأنه يفضي إلى الاختلاط والتقارب والتماثل والالتباس والشك.
إن عدم التشابه نعمة، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
