كنت قد استعرت كتاب "معذبو الأرض" من مكتبة الجامعة في أول أيام أكتوبر، قبل بداية الحرب بأقل من أسبوع. أغلقت الجامعة أبوابها وانغمس الشعب كله بقراءة وكتابة الأخبار ولا شيء آخر، وبقي الكتاب غير مقروء على رف مغبرّ. بعد سنة ونصف، صادف أننا ندخل عام الذكرى المئوية لميلاد الكاتب والثوري المسلح فرانز – أو إبراهيم عمر – فانون، ووصلني بريد من مؤسسة القطّان بفكرة لبرنامج قراءات المكتبة يضع كتاباته في سياق جديد آخر في ظل ما يعيشه شعبنا من إبادة يومية يضيع في تكراراتها أي منطق أو فهم للحياة.
اجتمعنا واتفقنا حول الإطار العام، وفي خلال أسبوع علينا تقديم مقترح. وجدت في غرفتي حين عدت كتابين، أحدهما فوق الآخر مصادفة؛ كتاب فانون الذي أنزلته عن الرف، ورواية "الحرية أو الموت" لنيكوس كازانتزاكيس. منذ مدة طويلة لا أقرأ، فالدراسة الجامعية أولا ليست مرحلة للقراءة، والحرب ثانيا لا تتيح للمرء وقتا أو مزاجا لها، ولكنني اشتريت هذه الرواية قبل أسبوعين لهذا السبب بالذات، لأنها تحكي حكاية ثورة قديمة تحاكي التي نعيشها اليوم بتشابهات مريبة، تلخصت في جملتين على الغلاف الخلفي: "حقبة تاريخية ازداد فيها الصراع بين الدول الكبرى، وكيف تم التوافق على المصالح وبالتالي التخلي عن هذا الشعب الصغير، لكن إصراره على مواصلة الكفاح. . ."
ثاني أكبر أعمال فانون، "بشرة سوداء، أقنعة بيضاء"، تستقصي عقدة الدونية عند الشعوب المستعمَرة والسعي لإرضاء مستعمريها وتحقيق القبول في ثقافتهم، في سبيل التبسيط. وهي آفة كان من المفترض أن يسأم منها الجنوب العالمي منذ عقود، منذ أن واجهه فانون بالحقيقة اللاذعة في كتاباته، على الأقل، ولكن محور الثقافة العالمية ما زال الغرب، والطموح ما زالت ليبرالية. هذا ما حاول تجاوزه الطيب صالح في "موسم الهجرة إلى الشمال"، رواية اقترحَتها زميلة، منذ الستينات حين نشر الكتاب لأول مرة، بشخصيات عاشت حقبة الاستعمار البريطاني في العشرينات وقبل.
هكذا تم اختيار الكتب الأربعة لبرنامج القراءات، منها عن طريق الصدف وأخرى بحكم جوهريتها، ولكن الربط بين أربعتها كان رمية نرد، فلم أكن قد قرأت أي منها. المهمة كانت إلقاء نظرة شاملة على حالات استعمارية مختلفة، في ثقافات وجغرافيات متنوعة، من الجزائر وسائر شعوب إفريقيا والمغرب العربي، إلى اليونان وجزيرتها "كريت" التي تخلى عنها اليونانيون بعد نيل استقلالهم، إلى جزر الأنتيل في البحر الكاريبي حيث ولد وترعرع فانون وتعلم على يد مرشده المارتنيكي "إيميه سيزير"، عودة إلى أساس كل البلاء: أوروبا. وفي كل لقاء نحاول إسقاط ما قرأناه من نظريات وتعليمات من فانون، وتطبيقاتها الأدبية في الروايات المتناولة، على فلسطين بكل تاريخها وحاضرها ومراحل ثورتها والإبادة التي تواجهها، ومحاولة استقصاء مستقبلها – أو على الأقل، فهم الموقف الذي علينا أن نتخذه إزاء هذا المستقبل الذي بدا، دون قراءة هذه الأعمال، مجهولا بالكامل.
معذّبو الأرض
كتاب غير قابل للتلخيص، كل جملة فيه تستوقف القارئ ليدركها حقا، ولكن الهدف هنا هو الربط. إذا كانت الحقائق الأساسية، أبسط الحقائق في الحديث عن الاستعمار، قد فُقدت مع اعتيادنا لكل ما هو غير عادي على مر قرون من الاستعمارات المختلفة، فإن فانون يجرّعنا قرصا من الواقع المكشوف. إذا كنا نسينا أن المستعمر أتى بالمدافع والذبح، ثم ساد وبقي بالطيران الحربي والجنود المدججين، وفرض التعايش العنصري باستعراض القوة وتطبيقها عند أخفتِ همسة، فإن هذا النص حاول تذكيرنا قبل ستة عقود بالذي رأيناه في آخر سنتين وتفاجئنا من مداه. لربما وقع جزء كبير منا في وهم الإنسانية المدّعاة التي عمل الغرب على بنائها منذ مئات السنين، إلى أن سقطت في غزة؛ ولكن فانون ضرب لنا مثالا غزاويا في كل دولة إفريقية قاومت الاستعمار، من مدغشقر وكينيا وجنوب إفريقيا إلى المغرب العربي شمالا، ومن جزر الأنتيل في الكاريبي غرب العالم إلى فيتنام والصين شرقه. إذا كنا نسينا أن الفرنسيين وصفوا الجزائريين بالحشرات التي يجب إبادتها بالD.D.T.، فإن الصهاينة قد أنعشوا ذاكرتنا مؤخرا في برامجهم الحوارية ومقابلاتهم التلفزيونية.
أقمنا اللقاء الأول لبرنامج القراءات، وحضر مشاركون من مختلف المناطق والخلفيات؛ مختصون من مجال الصحافة إلى اللغة العربية وتكنلوجيا المعلومات والتصميم البصري والعلاج بالفن وعلم الاجتماع والبحث الأكاديمي والدراسات الما-بعد-استعمارية. حضروا من الوسط والشمال والجنوب والأراضي المحتلة خلف الجدار، ومن غزة والغربة عن طريق الاجتماع الالكتروني. قدّمنا المشروع وخطته، تعارفنا، وبدأنا بقراءة اقتباسات مختارة من النص، تبع كل منها نقاش معمق وفي مرات عديدة مناظرات وجدالات واختلافات وجهات نظر تعاملنا معها باحترام متبادل، وتخلل كل اقتباس جديد إدراك جديد وتخيّله أو مقاربته مع الحالة الفلسطينية، ومقارنة الحالات الاستعمارية المختلفة – بتناسخاتها واختلافاتها.
لم ننه حتى نصف الاقتباسات المطبوعة في لقاء دام أكثر من ثلاث ساعات بسبب اتساع النقاشات، وتمحور اللقاء حول عقلية المستعمِر التاريخية والتي تعود لتطفو على السطح كلما تم تحدي سيادتها، لكن المواضيع التي تفرعت في اللقاء كانت أكثر من أن يتم تلخيصها في بضع كلمات.
واجهنا في هذا النص تحديا كبيرا في الترجمة، وهي الوحيدة له، خلال الغالبية منه. ذلك بعد مقارنته بالترجمة الإنجليزية، وبالأصلية الفرنسية من قِبل بعض المشاركين من دارسي تلك اللغة وأدبها، فقمنا بتوضيح بعض القصود معا، واضطررت حتى إلى ترجمة فقرة محذوفة في الترجمة بسبب نقدها لاقتصادات الأنظمة العربية لانقسام توجهاتها. وقد واجهنا هذه المشكلة بشكل أكبر في كتاب فانون الثاني (اللقاء الثالث)، فتم اللجوء إلى الترجمة الإنجليزية أيضا.
الحرية أو الموت
يحتار الإنسان إذا ما تساءل كيف أمكن كازانتزاكيس إنجاز أضخم المشاريع الأدبية في القرن العشرين إلى جانب عمله الصحافي وترجماته العملاقة (دانتي، نيشته، داروين، وترجم الإلياذة والأوديسة وكتب للأخيرة تكملة من 33,333 بيت أمضى فيها 14 عام) ومناصبه السياسية وترحاله لسنوات مديدة عبر مختلف الثقافات، من أوروبا إلى مصر وفلسطين فإلى روسيا ثم الصين واليابان، وكيف استمرت طاقته الإبداعية حتى آخر سنواته التي أنجز ونشر فيها أكبر رواياته.
ما هي رواية "الحرية أو الموت" إلا جزءا يسيرا من مشوار كازانتزاكيس، نُشرت قبل رقوده بسبع سنوات (أنجز خلالها بعد ذلك أكبر أعماله، "الإغواء الأخير للمسيح") ومع ذلك فهي تحنّط عالما كاملا للقارئ المعاصر ليسافر في الزمن. إنه عالم جزيرة كريت، المفصولة عن شعبها الشقيق في اليونان وسط البحر المتوسط، في منتصف المسافة بينها وبين ليبيا، في سنوات الاحتلال العثماني. في حالة مشابهة لفلسطين، وبالتحديد خلال حرب الإبادة الجارية، كانت كريت قد بقيت تحت الحكم التركي المباشر بعد نجاح الثورة اليونانية بنيل الاستقلال والتحرير – تحرر البرّ وبقي البحر وحده. وفي كل عقد أو اثنين من الزمن، كانت تقوم ثورة شعبية تخلّد أسماء أبطالها وشهدائها فيما بين الأجيال اللاحقة، وتنتهي كل ثورة على تقديم تنازلات لشعب الجزيرة المكافح – حتى الجولة التالية.
تحكي الرواية حكاية جولة من الجولات، ثورة عام 1889، وهي الثورة الفاشلة التي سبقت حرب تحرير كريت بأقل من عقد. بعد عشرين عام من العيش إلى جانب المستعمِر التركي، يكبر حجم المقت والعاطفة الوطنية في قلوب الكابتن ميخاليس (عنوان الرواية الأصلي على اسم بطل الرواية)، قائد الثوريين المسلحين في الثورة السابقة التي نالت بشهدائها شبه-استقلال متمثل بالحكم الذاتي والحذر في التعامل مع السكّان الأصليين؛ فإن ثورتهم تعني تهديدا خطيرا لاقتصاد الحكومة الاستعمارية، هذا وأن الاقتصاد هو الغاية الأولى لأي استعمار، كما قال لنا فانون في كتابه السابق. ولكن الدولة الاستعمارية التي شعرت بالإهانة وخطر زوال النفوذ كان عليها أن تظهر قوتها وتفرض السيطرة على من تجرأ بمواجهتها. أما المجتمع اليوناني، الذي يضخ فيه كازانزاكيس الحياة بواقعية بعيدة كل البعد عن مثالية المجتمع المقاوم الوطني (التي نعلم كفلسطينيين بأنها وهم)، ينقسم ما بين الذي لا يرى جدوى في حمّامات الدم دون مقابل، وبين من بات يشعر بأن هويته تزول أكثر في كل يوم يبقى فيه مواطنا صالحا تحت الحكم الوحشي المتقنع باسم دين (وكل استعمار، كما قال فانون أيضا، يلبس قناع دينٍ ما).
إن هذه مقدمة وافية لدعوة القارئ لخوض تجربة هذه الرواية، فليس من المنطق توضيح كيف أن كل جملة وحدث وشخصية في الكتاب تنطبق أولا على ما علّمنا إياه فانون في معذّبو الأرض، وثانيا في سياق الكفاح الفلسطيني وثورته الحالية، كما في حال كل ثورات محو الاستعمار في التاريخ. من الشيخ التركي المتعطش للدماء الذي أسميناه بن-غفير، إلى مالك الأراضي اليوناني الذي بنى ثروته بتجارة الدم في الثورات السابقة، إلى النساء اللاتي تمقت الثوّار لأنهن حديثات الزواج أو لم يتزوجن بعد – إلى زوجة الكابتن ميخاليس التي تحملت إعدام أبيها أمامها وهي طفلة وتتحمل الأزمة العاطفية-الوطنية التي يمر بها زوجها القائد وتدعمه حتى النهاية رغم برود العلاقة البطريركية بينهما . . . إن هذه الرواية آلة للسفر عبر الزمن.
بشرة سوداء، أقنعة بيضاء
إن محور العالم هو أوروبا، وهذه حقيقة مستمرة. على اعتبار الولايات المتحدة، أيضا، امتدادا للاستعمار الأوروبي، فالنزاعات الداخلية للهيمنة الغربية ليست من شأننا. طالما استمرت زوارق المهرّبين تغرق في المتوسط ومعها جثث اللاجئين من الجنوب، وطالما بقيت وجهة كل خرّيج جامعة بيضاء، وحلم كل عامل بطاقة خضراء، وكل تمثيل بصري للعالم تصنعه سينما الشمال العالمي، فإن الجنوب ثانوي. يسعى المستعمَر لنيل عالم مستعمرِه، تطبيقا في وطنه إن أمكن، أو هجرةً إلى "الدولة الأم" كما أسماها فانون.
أول شرط لهذا النيل هو إتقان لغة المستعمِر، ففرص الحياة تتفتح بقدر إتقاني للإنجليزية أو الفرنسية أو الألمانية. وعليّ إظهار هذا الإتقان عند أول فرصة أمام الأجنبي الأبيض (فقط الأبيض) الذي أرى فيه كل آمالي؛ حتى تلك الآمال بتحرير بلادي وبالسلام العالمي الأبدي (فالماضي أصبح الماضي والمستعمر لم يعد يحمل بندقية – إلا في فلسطين). لكني سرعان ما أكتشف أنني أنا نفسي لست أبيضا، حين أواجه المستعمِر ولغته بلهجتها الحقيقية في بلده، وبنيتها الاجتماعية العنصرية التي لا تسمح لي بأن أعود مستعمَرا ولا أن أصبح أصليّا في بلدي الجديدة، ويكون هذا الاكتشاف، رغم هزليته، صادما. بهذه النبرة الساخرة التي تُفكّك عقلية الدونية من الداخل كتب فانون كتابه، وأعطى الأهمية لقضية اللغة فكانت هي عنوان أول فصل، كأول مرحلة في طريق الاغتراب ثم الاضطراب والمرض النفسي والعصبي.
رُفض نص هذا الكتاب حين قدمه فانون كرسالة دكتوراه في جامعة ليون الفرنسية، بعنوان "مقال في إزالة اغتراب الأسوَد"، فقدّم غيره ونشر الأول بعد سنة بهدف "تدمير العقدة النفسية-الوجودية التي نتجت عن وضع الرجل الأسود جنبا إلى جنب مع الأبيض، عن طريق التحليل"، ولكن مضمون هذا المشروع ينطبق على "كل شعب تم استعماره – أي كل شعب خُلقت في روحه عقدة الدونية نتيجة موت ودفن أصالة ثقافته المحلية".
فالعقدة في كل الحالات نتيجة الاستعمار وعقليته، وهي تتمثل في أزمة اللغة، وفي هوس المرأة بزواج رجل أبيض بأي تكلفة (الفصل 2) وهوس الرجل الجنسي بالمرأة البيضاء (3)، وفي زعم الاستعمار بعقدة التبعية في نفس المستعمَرين بينما يتجاهل الإبادات العرقية التي ارتكبها في مدغشقر والهندسة الاقتصادية العنصرية التي أقامها في جنوب إفريقيا (4)، ويتجاهل حتى في مساعيه الأكاديمية أي دور للاستعمار في دراسة الأمراض النفسية في المجتمعات المستعمَرة، معوّلا في دراسته على فهمه الإغريقي-اللاتيني للحياة (5 و6)، وكل ذلك أدى في النهاية إلى حاجة نفسية ملحّة عند المستعمَر لإثبات ثقافته لدى المستعمِر ونيل أقل اعتراف منه، ولكن عبثا (7). فهل الهدف إذن إقناع هذا المستعمِر بأن الثقافة الكنعانية هي بجمال الثقافة الإغريقية وأعتق منها بآلاف السنين؟ هذا المستعمِر الذي لم يحرّك ساكنا ليوقف إبادة الأطفال والنساء والشيوخ لسنتين، ويراقب مجاعة مليوني فلسطيني وأقصى أفعاله تنظيم مظاهرات صبيانية وحملات شكلية؟ إن الهدف، يقول فانون ختاما، هو أن أعتبر نفسي إنسانا وجزءا من تاريخ الإنسانية بكلّ عروقها، لا أقل ولا أكثر من أي عرق آخر. وأن أبني مستقبلي على ما هو أمامي، لا أن أعود للتقوقع في أزمنة خيالية ساحقة كما تفعل خيرتنا.
وكما ذكرنا، فإن كل جملة في كتب فانون تستدعي نقاشا يمكن أن يطول، وهذا المقال ليس إلا لمحة عامة عن المشروع والكتب التي تناولها. وكما ذكرنا أيضا، واجهنا عائقا مع الترجمة في هذا الكتاب كما في سابقه، فاضطررتُ لترجمة الاقتباسات المختارة لنقرأها سوية في اللقاء الثالث (وقد تمت أرشفة مواد القراءات والترجمات لجميع اللقاءات). شاركَت فيه وجوه جديدة ذات حضور رائع وأصوات حيوية، اختلفت آراؤها أحيانا ولكن اتفقت عموما في النقاش التحليلي-التطبيقي. ومن جهة أخرى تبدّلت وجوه سابقة، فكان الالتزام في هذا المشروع أيضا عائقا بسبب ظروف وخطورة الطرق، فأخص بالشكر هنا كل الذين التزموا وحضروا اللقاءات حتى آخر لقاء:
موسم الهجرة إلى الشمال
كونها حكاية هجرة عكسية ورواية عربية كان دعوة كافية لاختيار هذه الرواية ضمن البرنامج، في سياق كتاب فانون السابق. كان الاختيار مقامرة أخرى، ولكني اكتشفت لاحقا بأنه عادة ما تتم مقارنة هذين الكتابين، وقمنا في اللقاء الأخير بنبش كل التشابهات بين تحليلات واستنتاجات فانون وبين الشخصيتين الرئيسيتين في الرواية. تصدّرت قضية الاغتراب بداية اللقاء وجدالاته، حول أنواعه ودرجاته، والفرق بينه وبين الغربة، بصفته مرض نفسي ناتج عن الاستعمار وكل تبعاته بالدرجة الأولى.
فكما ذكرنا، كان عنوان كتاب فانون الأصلي حول الاغتراب، وهذه رواية اغتراب خاطف – خُطف فيها طفل سوداني من بلده إلى مصر ثم اجتُث من ثقافته قبل تكوين وعيه. استُدرج إلى التعليم من قِبل عسكري تابع للاحتلال البريطاني، وقد كان التعليم ينتشر بالسيف أيامها، ثم لقّنوه عبادة الثقافة الإنجليزية وتبني لغتها. زرعوا فيه عقدة الفوقية بسبب تفوقه الأكاديمي واجترّوه إلى "البلد الأم"، حيث اكتشف بأنه أشبه بحيوان نادر في حديقة حيوان، يعيش بـ"روح الأسود التي نكتشف أنها من خليقة الرجل الأبيض"، كما قال فانون (ومن الجدير بالذكر أننا في كل اللقاءات استخرجنا جُملا تكاد تكون نسخا حرفيا بين الأعمال الأربعة المختارة). أخذوه من الريف، إلى العاصمة، إلى العاصمة الأم (في الدولة الاستعمارية)، على النمط الفوقيّ الذي اكتشفه فانون. تستقصي الرواية النتيجة، وهي الاضطراب النفسي، إلى جانب رغبة الانتقام الغير مباشر من الاستعمار الغير مباشر، والديناميكيات الجنسية في العلاقات الإنسانية (الاستشراقية) بين المستعمِر وضحيته، المتمثلة في حبكة الرواية الرئيسية وهي الهوس بالانتقام من العرق الأبيض عن طريق الجنس.
كان اللقاء جدليا بسبب طبيعة الرواية وأيضا حضور مشاركين من جيل الآباء لأول مرة، فاختلفت وجهات النظر الشبابية والأكبر منها، وأحيانا فيما بين كل جيل. أثار الجدليةَ أيضا المحتوى الإباحي للرواية، فالقضية ليست إن كان من المصرّح أو المقبول وجود الإباحة التصويرية واللغوية في الرواية، بل إن كان وجودها ذا فائدة أو ضرورة لخدمة أي هدف فيها أم لا. إلى جانب ذلك، إن حجم الانتشار للرواية وشهرتها، على اعتبارها من الروائع، قد أثار الجدل حتى على منصات التواصل الاجتماعي حول هذا اللقاء؛ فإن فانون نفسه اختار الروايات التي ستكون في موضع النقد في كتابه السابق بناءً على شهرتها الفائقة، مما أثار الشك. ثم إن الغياب البصري للاستعمار نفسه وممارستاه في الرواية قد دعا بعض القراء للتساؤل حول دوافع شخصيات الرواية وأسلوبها الانتقامي؛ هل تعالج الرواية قضية بحجم الاستعمار بالأسلوب المناسب، أم هي مجرد سيرة ذاتية؟ كان هذا أحد الأسئلة التي طُرحت.
أما مما هو أكيد هو العلاقة الوطيدة بين هذه الرواية ونص فانون السابق، وبين الأعمال المختارة كلها، مما أثمر في النهاية وأنجح المشروع بشكل كبير. ولكن الهدف لم يكن إنجاز مشروع أو تحقيق أي نجاح، بل كان استغلال هذه الفرصة الصغيرة لمحاولة السعي وراء فهم حقيقي لحرب الإبادة على شعبنا في غزة، ولم يغب هذا عن اللقاء الأخير أيضا رغم غيابه في هذا التلخيص السريع. لقد أعدنا فهم ما كنا نفهمه سابقا عن كامل تاريخ الكفاح الفلسطيني، وفَهمنا ما لم يُفهمه إيانا جيل آبائنا أو مؤسساتنا التعليمية؛ لقد ذهبنا في البحث عن الفهم إلى مَن سلكوا هذا الطريق الدموي الشائك قبلنا، ويسّر لنا البحثَ كتّابُنا المختارون والذين أيضا يستأهلون الشكر على الجهود العملاقة والأثر والإرث الكبير الذي تركوه لنا وللإنسانية . . . إنني على الصعيد الشخصي قد أدركت ما كنت أريد إدراكه.
فماذا قال المشاركون؟
- "تركت اللقاءات أثرا كبيرا على الصعيد الشخصي، إذ ضمّت مجموعة متنوعة من المشاركين من فئات مختلفة، وما أسعدني أكثر كان مشاركة الشباب من قطاع غزة رغم الحصار والحرب المستمرة. هذه التجربة الفكرية وسّعت فهمي للواقع الفلسطيني وزادت إدراكي حول قضايا الهوية والنضال التي تتجاوز حدود فلسطين لتشمل العالم كله. من خلال التفاعل مع المشاركين من خلفيات متنوعة، اكتسبت القدرة على استيعاب وجهات نظر مختلفة، وهو ما عزز شعوري بالأمل والإيجابية تجاه المستقبل، وتبني رؤية إنسانية وشمولية تجاه القضايا المختلفة تتجاوز الانقسامات الضيقة وتتمسك بقيم الحرية والوحدة. كانت اللقاءات محفزا لمواصلة القراءة والبحث، كما أكدت لي ضرورة الحوار المفتوح كوسيلة أساسية لفهم واقعنا ومواجهة تحدياته، وفرصة حقيقية للحوار البناء في المجتمع الفلسطيني، فتركت أثرا مستداما في تفكيري ونظرتي الشخصية."
-"في فيلم ’ البيضة والحجر ‘ سأل أحد الطلاب معلمه مصطفى "ماذا تفعل عندما تَفسد البيئة؟" وكانت الإجابة بأن تحتمي بعقلك. من هنا لجأت إلى فرانز فانون وكتبه، خوفا من ضياع إنسانيتي. فانون لم يواسِني تجاه ما أشعر، ولم يعدني بالحريّة، بل وجهّني إلى الحريّة، وأقتبس منه: ’ الاستعمار لا يُقنعك أنك عبد، بل يُقنعك أنك لست أهلاً لأن تكون إنساناً ‘، وهذه أسوأ مخاوفي التي واجهتها بقراءاته، كيف ننتزع الحريّة؟ وكيف نفهم دورة حياة الاستعمار، وكيف نفهم مُمارسات الشعب المستعمَر في سياق الحياة الاجتماعيّة والاقتصاديّة، لا لكي نتقبلّها، بل لنرفضها عن وعي جملةً وتفصيلاً. بهذه القراءات اكتشفت إنسانيتي وإنسانية الشعوب المضطهدة، التي يحاول العالم أن يحيوِنها، ويختزلها في أجسادٍ تُقصف وتُحبس وتُجوّع ويراد لها أن تصمت أيضاً."
-"فكرة أن هنالك مجال للأسئلة التي يظن المرء بأنه وحده من يسألها، وتُسمع هذه الأسئلة في مجموعة وبين شباب من مناطق أوسع في فلسطين، يجتمعون ويتكلمون ونشعر رغم كل هذا التشويش بأن الأسئلة التي نطرحها تؤخذ على محمل الجد – لا أن هذه الأسئلة هي تشويش من العقل بسبب الضغط. هذا هو أهم شيء، في أن نجتمع لنتكلم." – بسمة الهور، من غزة.
