يبدأ فيلم " بعض الورد الأبيض" من حيث لا يبدأ عادةً أي سرد؛ من العدم، ومن الفراغ الذي خلّفه انهيار المعنى بعد الخراب. غير أنّ الكاميرا لا تتعامل مع هذا العدم كما تفعل نشرات الأخبار أو تقارير المنظمات، بل كما تنظر الروح إلى بيتٍ مهدّم، تسأل حجارته لا عن سبب سقوطها، بل عمّا تبقّى فيها من أثر الحنين. في اللقطة الأولى يسود الصمت، وتتحرّك العدسة ببطء في أزقة مخيم اليرموك، لا بوصفها مكانًا، بل كذاكرة تخشى أن توقظ ألمها الخاص. ثم يعلو الصوت، صوت وصية الشهيد يزن عريشة: "ادفنوني بهدوء، وضعوا بعض الورد الأبيض… هنا يُسجّى من كان يحلم بالتحليق". يزن الذي ورد اسمه على لائحة الإعدام شنقًا حتى الموت بقرار صادر عن فرع القضاء و الانضباط العسكري في تاريخ 2/12/2025 بعد قرار محكمة الميدان العسكرية، بجرم "القيام بأعمال إرهابية"؛ لم يكن مواطنًا فلسطينيًا-سويرًا عاديًا، بل كان ثائرًا مناضلاً في سبيل حرية شركائه في البلاد.
منذ هذه اللحظة، تؤسس المخرجة صوفي عليان لما يمكن تسميته بـ "اللغة الشاهدة"؛ لغة لا تُعنى بالتوثيق كإثباتٍ زمنيّ، بل كفعلٍ وجدانيّ يقاوم المحو. الصورة هنا ليست انعكاسًا للواقع، بل موقفًا أخلاقيًا منه؛ تُكتب من داخل الذاكرة لا من خارجها. بذلك يعيد الفيلم تعريف الوثائقي نفسه والسينمائي نفسه، لا كأرشيف للأحداث، بل كفنّ يستنطق ما تبقّى بعد الكارثة؛ فإن الفيلم يوثّق ما بقي في العيون بعد أن حدث، ليصبح التوثيق ممارسة أخلاقية لا مادة معلوماتية.
المكان بوصفه سيرةً جماعية
ينطلق الفيلم الذي عرض في الأكاديمية العربية الدولية في لوسيل، في دولة قطر، من ذاكرة المكان، من تأسيس مخيم اليرموك كفكرة قبل أن يكون جغرافيا، فضاء لآلاف الفلسطينيين الذين هُجّروا بعد نكبة 1948، وحملوا فلسطين بوصفها ذاكرة لا وطنًا مكتملًا. يتدرّج السرد البصري عبر محطات التاريخ الفلسطيني والسوري المتشابك، من حرب تشرين 1973، إلى قتال الفصائل الفلسطينية في لبنان في ثمانينيات القرن الماضي، وصولًا إلى "ربيع دمشق" مع تسلّم بشار الأسد الحكم، حيث تشكّلت ذاكرة الجيل الثالث من أبناء المخيم، المرتبطة بأسماء نخب ثقافية وسياسية مشتبكة مثل رياض سيف وعلي شهابي، الذي غيّبته الملاحقة الأمنية في بدايات الثورة.
لم يكن المخيم يومًا خارج عين السلطة. كان مطمعًا لها ومصدر قلق دائم، لأن أبناءه، على اختلاف توجهاتهم، كانوا يدًا واحدة. ورغم التهديد بالقتل أو النفي، ورغم الرحلات القسرية من مخيم إلى مخيم ومن بلد إلى بلد، حافظ اليرموك على تماسكه ككيان اجتماعي-سياسي.
مع اندلاع الثورة السورية، انخرط الفلسطينيون في اليرموك في الحراك الشعبي، وأسّسوا تنسيقيات إعلامية، وانضمّوا إلى فصائل مسلّحة متعدّدة بلغ عددها نحو اثني عشر فصيلاً. لكن المشهد سرعان ما دخل مرحلة أكثر قتامة مع دخول تنظيم "داعش" إلى المخيم، في سياق معقّد يكشف الفيلم علاقته بأجهزة النظام الأمنية، ولا سيما فرع الأمن العسكري.
من خلال شهادة نوار السقال، المقاتلة السابقة في الجيش الحر، يفتح الفيلم نافذة على عذابات الحياة اليومية تحت القصف، وعلى ديناميات العمليات العسكرية، وعلى كيفية تعامل النظام مع الفصائل داخل المخيم. يبدأ القصف المكثّف عام 2012، ويستمر بشكل ممنهج حتى 2018، لينتهي بتدمير نحو 80% من اليرموك. لم يكن الهدف عسكريًا فحسب، بل رمزيًا؛ ردم المكان بوصفه ذاكرة، وردم القضية الفلسطينية ذاتها، وحق العودة، عبر محو فضائها الأكثر كثافة رمزية في سوريا.
حين يصبح اللون زمنًا
بصريًا، يعتمد الفيلم على مقابلة شاعرية بين الضوء والغياب؛ الألوان الدافئة تظهر في مشاهد الذاكرة، حتى في طقس الشتاء البارد، خصوصًا في استدعاءات الثورة الأولى. في المقابل، يغمر الحاضر لونٌ طبيعي ، في حياة استعادت نفسها بعد سقوط نظام الأسد، الجاثوم فوق صدور اليرموكيين. بهذا التباين، يتحوّل اللون إلى حامل للزمن النفسي، وإلى أداة سردية تفصل بين ما كان وما بعد الفقد.
الكاميرا تتحرّك ببطءٍ تأمليّ، تقترب ثم تتراجع، كأنها تفاوض المكان قبل الدخول إليه. أحيانًا تُصوَّر الشخصيات من مستوى الأرض، لتُلغى سلطة الكاميرا لصالح مساواة أخلاقية بين الراوي والمروي عنه. الجدران المهدّمة تتحوّل إلى وجوه، والفراغات إلى كيانات ناطقة، وكأنّ المكان نفسه صار الشخصية الرئيسية في الفيلم.
الزمن في الفيلم غير خطي؛ فالماضي والحاضر يتجاوران بلا فواصل واضحة. لقطة من الحصار تليها شهادة شفوية، يعقبه أرشيف قديم للمخيم و ذاكرة ناسه. هذه البنية تحاكي فعل التذكّر ذاته، حيث لا تُستعاد الذاكرة بترتيب منطقي، بل بتداعٍ وجداني.
تستخدم عليان ذوبان الصوت بين المشاهد، لا سيما صوت بكاء العم أبو رأفت، فيبدأ صوت المشهد التالي قبل انتهاء السابق، ليصبح الصوت جسرًا بين الأزمنة. هكذا يتحوّل الحنين من إحساس عاطفي إلى إيقاع بصري، ومن شعور فردي إلى بنية سردية.
الصوت هنا بعد درامي مستقل. الصمت يُعامل كعنصر ناطق، لا كفراغ. في مشاهد كثيرة، تكتفي الصورة بأصوات الريح أو طلق بعيد، لتذكّر بأن الحرب لم تنتهِ في الوعي. الموسيقى هادئة، أقرب إلى تنفّس خافت، تتسلّل دون أن تفرض معنى. وفي لحظة مفصلية، تتوقّف الموسيقى تمامًا، ولا يبقى سوى صوت امرأة تقول هنا فقدت أغلي ما لدي ... عندها يصبح الصمت ذروة التعبير.

من الفرد إلى الطيف ما بعد الصدمة
لا يقدّم الفيلم أبطاله كشخصيات درامية مكتملة، بل كأطياف ذاكرة. لا أسماء كاملة، ولا حكايات مغلقة. إنهم شظايا من سيرة جماعية، من "اليرموك الجمعي". في المقاطع التمثيلية، لا يُستخدم الأداء لإعادة التمثيل، بل كطقس استحضار؛ مثل اجتماع أسرة يزن عريشة و هم يبكون و يكشفون عن مقتنياته الشخصية في بيت شبه مهدّم ليست مشهدًا تمثيليًا بقدر ما هي فعل مقاومة للغياب، واستعادة للحق في الحياة. الورد المجازي على قبر يزن هنا لا يرمز إلى الرثاء، بل إلى الاستمرارية، إلى الزرع في وجه الموت. إنه وعد بأن الذاكرة قادرة على الإزهار حتى في المقابر، وأن الرهافة يمكن أن تكون شكلًا من أشكال المقاومة.
يمكن النظر إلى فيلم "بعض الورد الأبيض" من خلال منظور ثقافة الصدمة (Trauma Culture) كما صاغتها الباحثة الأميركية إي. آن كابلان، التي لا تتعامل مع السينما بوصفها وسيلة لتمثيل الألم فحسب، بل باعتبارها فضاءً لإعادة بناء الوعي الجمعي بعد الكارثة. ففي المجتمعات التي تعرّضت للدمار أو التهجير أو الإبادة الرمزية، لا تصبح الصورة أداة نقل للحدث، بل تتحوّل إلى شكل من أشكال "الشهادة الأخلاقية في محاولة للحديث باسْم من صمتوا قسرًا، دون الادعاء بالحديث بدلًا عنهم.
ضمن هذا الإطار، يقدّم فيلم صوفي عليان نموذجًا ناضجًا للسينما الشاهدة (Cinema of Testimony)؛ فالفيلم لا يكتفي بتوثيق مأساة مخيم اليرموك، ولا يعيد إنتاجها بصريًا من أجل إثارة التعاطف، بل ينقلها إلى فضاء الاعتراف الهادئ، حيث تتحوّل العدسة إلى عين تتذكّر لا إلى عين تراقب. الكاميرا هنا ليست سلطة معرفية، بل وسيط أخلاقي بين الذاكرة والمحو.
ترى كابلان أن الفن بعد الكارثة يُقاس أخلاقيًا بقدرته على تجنّب ما تسميه استعراض الصدمة(the spectacle of trauma)، أي تحويل الألم إلى مادة بصرية قابلة للاستهلاك. وهذا ما يتجاوزه فيلم " بعض الورد الأبيض" بوعي واضح؛ إذ يرفض تحويل الدمار إلى مشهدية جمالية، أو إعادة إنتاج العنف بوصفه لحظة ذروة درامية. بدلًا من ذلك، يبني الفيلم لغة للذاكرة، لا لغة للحدث.
بهذا المعنى، تندرج رؤية صوفي عليان ضمن ما تصفه كابلان بـ ما بعد تمثيل الكارثة (Post-representation of catastrophe). فالفيلم لا يسعى إلى إعادة تصوير الصدمة كما وقعت، بل إلى مساءلة شروط تذكّرها؛ كيف يمكن للذاكرة أن تستعيد نفسها دون أن تعيد إنتاج الرعب؟ وكيف يمكن للصورة أن تكون مساحة للتصالح مع الفقد، لا لإعادة فتح جراحه بشكل فجّ؟
إن العلاقة التي يقيمها الفيلم بين السينما والذاكرة الجماعية ليست علاقة أرشفة، بل علاقة تعافٍ رمزي. فالذاكرة هنا لا تُحفظ بوصفها سجلًا زمنيًا، بل تُعاد صياغتها كخبرة إنسانية قابلة للفهم والمشاركة.
حين يعود الألم بوصفه وعيًا
تستحضر كابلان مفهوم الزمن المؤجّل للصدمة (Deferred Temporality of Trauma)، وهو الزمن الذي لا تُعاش فيه الصدمة لحظة وقوعها، بل بعد مرورها، حين يحاول الوعي استيعاب ما حدث. هذا المفهوم يشكّل أحد المفاتيح الأساسية لقراءة "بعض الورد الأبيض".
فالفيلم لا يعرض الحصار أو القصف أو الجوع في لحظة حدوثها، بل يعود إليها بعد أن هدأت الكارثة ظاهريًا، حين يصبح التذكّر ذاته فعلًا مؤلمًا ومحرّرًا في آن واحد. الكاميرا تتجوّل في أزقة اليرموك المدمّرة، لا بحثًا عن آثار الانفجار، بل عن أثر الإنسان الذي مرّ من هنا. الألم لا يعود بوصفه صدمة حسّية، بل بوصفه وعيًا متأخرًا يعيد تأويل الفقد من موقع إنساني، لا من موقع الرعب.
في هذا السياق، تتحوّل الشهادة الفردية إلى ذاكرة جمعية، وتغدو الكارثة الخاصة لغة بصرية عامة تتحدث باسم الإنسان، لا باسم المكان وحده. اليرموك لا يظهر كحيّ مدمّر، بل كذاكرة تحاول أن تستعيد صوتها.
إن تمثيل الكارثة يحمل مسؤولية أخلاقية مضاعفة، لأن الصورة قادرة إما على إعادة إيذاء الضحية، أو على إعادة تأويل تجربتها بكرامة. ويختار الفيلم الطريق الثاني بوضوح؛ فالصورة كشهادة لا كاستعراض.
لا نجد في الفيلم مشاهد صادمة أو لقطات دمار تُستخدم لجذب الانتباه بالمعنى الاستعطافي، لأن الألم لا يُجمّل. في كثير من الأحيان، تكتفي الكاميرا بلقطة ثابتة لوجه يتحدث، أو لباب مهدّم، أو لفراغ صامت. وكأن الفيلم يقول للمشاهد؛ لستُ هنا لأريك الألم، بل لأمنحك فرصة الإصغاء إليه.
في أحد المقاطع، يتحدّث رجل من اليرموك عن خوفه من نسيان ملامح الوجوه التي فقدها لا سيما بعد خروجه من فرع فلسطين ، ثم يصمت. لا تقطع المخرجة هذا الصمت، بل تتركه يملأ الكادر. هنا يتحوّل الصمت نفسه إلى شهادة، وإلى فعل مقاومة ضد تلاشي الذاكرة.
من خلال هذا المنظور، يمكن فهم "بعض الورد الأبيض" بوصفه أرشيفًا للحنين لا للأحداث. الفيلم لا يعيد بناء الحصار كما جرى، بل كما يُتذكَّر؛ مشظّى، متقطّع، وغير مكتمل. الحنين هنا ليس نوستالجيا رومانسية، بل آلية للنجاة من النسيان.
تحافظ المخرجة على إيقاع بصري هادئ يوازن بين اللقطات الواسعة للأحياء الخالية واللقطات القريبة لوجوه الناجين، وكأنها تقيس المسافة بين الخراب المادي والذاكرة العاطفية. ويتجلّى هذا التوتر بصريًا عبر استخدام الضوء الرمادي المائل إلى الأبيض، ما يمنح الفيلم طابعًا شبه حلمي، يذكّر بما تصفه كابلان بـ فضاء الحلم ما بعد الصدمة (post-traumatic dream space)، حيث تختلط الصور بين الوعي واللاوعي، بين ما كان وما يُتمنّى.
الأنوثة والذاكرة
جانب أساسي آخر يربط رؤية صوفي عليان بالفيلم هو البعد النسوي للذاكرة. ففي مقابل الخطاب السياسي الذي ينشغل عادة بالمقاتلين والفصائل، يعيد الفيلم تركيز الصورة على النساء؛ المرأة المقاتلة، الأم الممرضة، أم الشهيد، الأخت ، زوجة الناشط الإعلامي و السياسي والناجية التي تروي قصتها وهي تنظر إلى الفراغ.
تمثّل هذه الوجوه ما تصفه كابلان بـ "الأنوثة كشكل من المقاومة الأخلاقية"، حيث تصبح المرأة حاملة الذاكرة لا بوصفها ضحية، بل كقوة تعيد سرد الحكاية من موقعها الخاص. الورد الأبيض المجازي في يد ام يزن يحمل دلالة مزدوجة حيث استعادة للحياة، واعتراف بأن الحنين نفسه فعل سياسي. الأنوثة هنا ليست هوية بيولوجية، بل ذاكرة في مواجهة السلطة والمحو.
لا ينتمي "بعض الورد الأبيض" إلى السينما التقريرية أو الدعائية، بل إلى ما يمكن تسميته سينما الشهادة الجماعية . إنها سينما لا تتحدث باسم فرد، بل باسم مجتمع، ولا تعيد تعريف اليرموك كحيّ مدمّر، بل كذاكرة مشتركة بين السوريين والفلسطينيين، بين المنفى والمخيم، بين الغياب والحنين.
وبينما تحذّر كابلان من تحوّل الصدمة إلى سلعة إعلامية، ينجح الفيلم في عكس هذا المنطق تمامًا؛ فهو يرفض تقديم الألم كمشهد للاستهلاك، ويصرّ على تقديمه كحكاية للإنصات. بذلك، يتحقق ما يمكن تسميته السينما الأخلاقية سينما لا تطلب من المشاهد التعاطف فحسب، بل تحمّله مسؤولية التذكّر.
ينتهي الفيلم بلقطة ثابتة لشجرة لبلاب طويلة و فارعة تتسلق جدار بيت متصدّع... لا موسيقى، لا تعليق. فقط صمت الصورة وقد تحوّل إلى صلاة. هذه النهاية تختصر جوهر العمل؛ إذ إن الورد هو ما يبقى من الإنسان حين يمحوه التاريخ.
"بعض الورد الأبيض" ليس فيلمًا عن اليرموك فقط، بل عن الذاكرة حين تصرّ على الحياة، وعن العدسة التي تحوّل الألم إلى معنى قابل للبقاء. إنه وثيقة فنية للحنين المقاوم، ودليل على أن السينما، حين تُصغي بدل أن تستعرض، ما تزال قادرة على استعادة ما تحاول السياسة محوه.
