خوف الطغاة من الحكايات: قراءة في التجربتين السورية والفلسطينية مع حمزة العقرباوي

من صفحة الفرقة القومية الفلسطينية. معدلة

مهيب الرفاعي

كاتب من سوريا

 في المقابل، واجهت الحكاية الفلسطينية وضعًا أشدّ قسوة؛ إذ لم تُحاصَر داخل إطار وظيفي محدود فحسب، بل وُضعت في مواجهة مباشرة مع مشروع يسعى إلى نفي الذاكرة من أساسها. فالاستعمار، في قراءة العقرباوي، لا ينازع الفلسطيني على الحاضر فقط، بل على حقّه في امتلاك رواية للمكان.

للكاتب/ة

من هنا، تصبح الحكاية فعل إثبات وجود، لا مجرد ممارسة ثقافية. لهذا السبب، لم يفصل العقرباوي بين الحكاية والسياسة، ولا بين السرد والمكان؛ بل عمل على تحويل الحكاية إلى أداة معرفة ومقاومة في آن،

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

19/01/2026

تصوير: اسماء الغول

مهيب الرفاعي

كاتب من سوريا

مهيب الرفاعي

كاتب وباحث في مجال الإعلام والدراسات الثقافية، مدرس سابق في جامعة دمشق، ومترجم في مجلة جامعة دمشق. حاص على ماجستير الإعلام والدراسات الثقافية؛ بالإضافة إلى ماجستير الترجمة التحريرية. يركز على دراسات الإعلام العربي المعاصر وقضاياه السياسية. تُنشر مقالاته في عدة مواقع أبرزها موقع و صحيفة العربي الجديد و ألتراصوت والمدن.

لا يمكن مقاربة فنّ الحكواتي وثقافة الحكاية والعبرة في المشرق العربي بوصفه مجرّد ممارسة تراثية أو نشاطًا فولكلوريًا منزوع السياق، يُستدعى للتزيين الثقافي أو للاحتفاء بالماضي، بل ينبغي التعامل معه بوصفه إحدى آليات إنتاج المعنى الجماعي في مجتمعات صاغتها علاقات قهر مركّبة، وتاريخ طويل من العنف السياسي، سواء في ظل الدولة السلطوية الحديثة أو تحت أنظمة الاستعمار الاستيطاني. فالحكاية، في هذا المعنى، لا تؤدي وظيفة تذكارية محايدة، ولا تعمل كمخزن للنوستالجيا، بل تقوم بدور بنيوي في تنظيم الزمن الاجتماعي، وإعادة ترتيب الخبرة التاريخية، وربط الحدث الفردي بسياقه الجمعي، بما يسمح للمجتمع بفهم ذاته داخل مسار متصل، لا كسلسلة من الصدمات المعزولة.

يمثل السرد الشفهي، كما يتجسّد في فعل الحكواتي، مقاومة صامتة لمحاولات السلطة تفكيك الزمن والذاكرة؛ إذ تسعى السلطة، في حالات القهر المختلفة، إلى تحويل التاريخ إلى وقائع مبتورة، وإلى عزل الحدث عن أسبابه ونتائجه، بما يفرغ التجربة الجَمعية من معناها السياسي والأخلاقي. في مواجهة ذلك، تعمل الحكاية على إعادة وصل ما جرى قطعه عمدًا؛ فهي تعيد ربط الماضي بالحاضر، والظلم الفردي بالبنية العامة للقهر، والحدث العابر بسياقه التاريخي، منتجة بذلك وعيًا سرديًا مضادًا للسرد الرسمي.

في هذا الإطار، لا يظهر الحكواتي في فلسطين وسوريا على وجده التحديد، بوصفه راوٍ محايد أو ناقلًا أمينًا لتراث جامد، بل كفاعل ثقافي وسيط، يتحرّك داخل فضاء سياسي مشحون بالصراعات وأنماط الرقابة والتناقضات؛ إذ يشتغل على تخوم المسموح والمحرَّم، ويعيد صياغة التجربة الجمعية بلغة الرمز والمجاز، حيث تتحوّل الحكاية إلى أداة لفهم الظلم دون تسميته المباشرة، وتفسير العنف دون الوقوع في خطاب شعاري، وإنتاج معنى جماعي قادر على الصمود في وجه محاولات الإفراغ الرمزي. بذلك، يغدو الحكواتي أحد أشكال السلطة الرمزية المضادة، بحيث لا ينازع السلطة على أدوات القهر، بل على تعريف الواقع نفسه، وعلى حق المجتمع في أن يروي تاريخه بلسانه، وأن يحفظ ذاكرته بوصفها شرطًا لإدراك الحاضر وتخيّل مستقبل مغاير.

المجتمع الفلسطيني بوصفه مجتمعًا حكّاءً

في الحالة الفلسطينية، تتداخل الحكاية مع الحياة اليومية تداخلًا بنيويًا يجعل من السرد جزءًا لا ينفصل عن التجربة المعيشة، لا نشاطًا ثقافيًا اختياريًا يُمارَس على الهامش؛ إذ أن الحكواتي الفلسطيني، بفعل كثافة الحدث التاريخي، وتراكم الصدمات الجماعية، وتعدّد الجغرافيات داخل مساحة ممزّقة بين قرية ومدينة ومخيّم ولجوء وداخلٍ مُحتل وقرىً مهجرة، يعيش داخل فيض سردي دائم، تُصبح فيه الحكاية صيغة طبيعية لفهم العالم من حوله. عمومًا، كل فرد يحمل قصته الخاصة، وكل عائلة تحتفظ بأرشيفها الشفهي، وكل مكان يختزن روايته، بحيث يتشكّل المجتمع الفلسطيني، في جوهره، بوصفه مجتمعًا حكّاءً يعيد إنتاج ذاته عبر السرد.

هذا الفيض السردي لا يصدر عن ميل ثقافي مجرّد أو اختيار جمالي واعٍ، بل يتولّد مباشرة من واقع سياسي قسري، يعمل فيه الاستعمار على تفكيك الزمن الفلسطيني، وكسر استمراريته، وتحويله إلى لحظات منفصلة بلا تاريخ جامع. أمام هذا التفكيك المتعمّد، تؤدي الحكاية ووراءها الحكواتي، وظيفة إعادة الوصل، عبر وصل الماضي بالحاضر، وربط التجربة الفردية بسياقها الجمعي، وإعادة إدخال الحدث اليومي في مسار تاريخي أوسع يمنحه معنى ودلالة.

في هذا السياق، تتحوّل مرويات الحكواتي الفلسطيني الراحل، حمزة العقرباوي (1984-2025)، الذي كان يعرف نفسه أنه فلاح من قرية عقربا، قضاء نابلس، أداة أساسية لفهم ما يجري، وإنتاج معنى في واقع تُصادَر فيه الأرض، وتُمحى الأسماء، وتُعاد كتابة الجغرافيا بلغة المستعمِر. كانت مرويات العقرباوي ممارسة معرفية وسياسية في آن، تُقاوم محاولات المحو عبر تثبيت الذاكرة، وحفظ أسماء القرى، واستعادة المواسم والطرق والعلاقات الاجتماعية التي يسعى الاحتلال إلى اقتلاعها؛ ليكون السرد هنا ليس ترفًا ثقافيًا ولا تعويضًا رمزيًا عن الخسارة، بل شرطًا من شروط البقاء، وأحد أشكال الدفاع العميق عن الوجود في مواجهة مشروع يقوم جوهريًا على نفي الحكاية الفلسطينية ذاتها.

من التدجين إلى المنع

على الضفة الأخرى من التجربة الفلسطينية، وفي سوريا الخاضعة لعقود طويلة من السلطوية، لم يكن الحكواتي مجرّد ناقل بريء للتراث أو حارس لذكريات بعيدة، بل فاعلًا ثقافيًا يتحرّك داخل فضاء عام شديد الضبط والرقابة. فالذاكرة الشفوية نفسها خضعت لمعادلات الأمن والسيطرة، لأن الحكاية، بما تختزنه من رموز بطولية، وصور عن العدالة والظلم، وسرديات عن القوة والخيانة، تمتلك قدرة كامنة على إعادة إنتاج المعنى خارج النصّ الرسمي، وعلى فتح شقوق في السردية التي تسعى الدولة إلى احتكارها؛ وفي أفضل أحوالها، يسمح بسرد روايات الماضي والسير الغابرة من أنماط "عنترة بن شداد" و " الزير سالم أبو ليلى المهلهل" بما لا يفسح المجال امام الصور والاستعارات العميقة.

لهذا، لم تتعامل السلطة مع الحكواتي بوصفه خطرًا يستوجب الإلغاء التام، بل كطاقة رمزية ينبغي تدجينها؛ وجرى تحييد الحكاية عبر تفريغها من أي حمولة معاصرة أو إسقاط سياسي، والسماح بها فقط بوصفها فولكلورًا منزوع الدسم من قبيل بطولات تاريخية بعيدة، وأخلاق عامة، ونهايات مغلقة تُعيد إنتاج قيم الطاعة والاستقرار والنظام. أمّا أي محاولة لربط الظلم في الحكاية بالواقع المعيش، أو لإحياء رموز التمرّد الأخلاقي، فكانت تُقرأ بوصفها انزلاقًا خارج المسموح، وتهديدًا محتملًا للأمن الرمزي الذي تسعى الدولة إلى إحكامه.

بحسب رؤية الحكواتي الراحل حمزة العقرباوي، لم يكن تضييق الفضاء على الحكواتي في سوريا مسألة لوجستية أو تنظيمية تتعلّق بتراخيص أو أماكن عرض فحسب، بل شكّل جزءًا من منظومة ضبط سياسي شاملة تستهدف السرد نفسه بوصفه حقلًا حساسًا لإنتاج المعنى. كان العقرباوي يرى أن المقاهي التراثية في دمشق القديمة، وعلى رأسها مقهى النوفرة، لم تُترك للحكواتي (شأنها شأن مقاهي فلسطين في يافا والقدس وحيفا) باعتبارها فضاءات ثقافية حيّة، بل جرى تحويلها إلى جزر سردية معزولة داخل فضاء عام مُحكم السيطرة، يُسمح فيها بإعادة تمثيل الماضي بشرط صارم؛ هو ألّا يلامس الحاضر، وألّا يفتح أي شقّ بين الحكاية والواقع المعيش.

من منظور العقرباوي، لم يكن اختيار المكان بريئًا ولا عفويًا؛ فالمقهى، بحدوده المعمارية وجمهوره المعروف ونصوصه المتوقعة، كان جزءًا من آلية احتواء السرد. يُعاد إنتاج الحكاية داخل إطار زمني متوقّف، ونصوص مألوفة، وسقف غير مكتوب لكن واضح المعالم، لا يجوز تجاوزه دون تعريض الحكواتي للمساءلة. بهذا المعنى، لم يكن المكان خلفية محايدة لفعل السرد، بل أداة فاعلة في التحكم به، حيث يُحاصر الحكواتي مكانيًا عبر حصره في نقاط محددة، وزمنيًا عبر دفعه إلى الماضي وحده، ورمزيًا عبر نزع قدرته على الربط بين الحكاية وأسئلة العدالة والظلم في الحاضر. يمكن القول إن هذا الشكل من الضبط أخطر من المنع المباشر، لأنه يُبقي الحكواتي ظاهرًا في المشهد، لكنه يفرغه من قدرته على إنتاج معنى يتجاوز حدود المسموح.

في هذا السياق، شكّل أبو شادي الحكواتي (رشيد الحلاق 1944-2014) حالة دالّة على هذا التوازن القلق بين الاستمرار والقيد. فقد حافظ على تقليد آيل للاندثار، وأدّى دور حارس الذاكرة الشعبية، لكنه في الوقت ذاته اضطر إلى التكيّف مع شروط الرقابة الصارمة. انحيازه إلى السير الشعبية والبطولات التاريخية البعيدة لم يكن خيارًا جماليًا خالصًا، بل تعبيرًا عن إدراك عميق لحدود المسموح والممنوع. هكذا استمرّ الحكواتي في سوريا لا بوصفه معارضًا أو ناقدًا للحاضر، بل كشاهدٍ على التراث، وكمؤشّر صامت على ما جرى نزعُه من هذا التراث من قدرة على مساءلة الواقع.

إذا كانت سلطوية نظام الأسد في سوريا قد اختارت تدجين الحكواتي وتفريغه من خطورته السياسية، فإن التجربة الفلسطينية، منذ الاستعمار البريطاني وصولًا إلى الاحتلال الإسرائيلي، تكشف مسارًا أكثر جذرية وقسوة في التعامل مع الحكاية والتراث اللامادي. ففي ظل الانتداب البريطاني، جرى التعامل مع السرد الشعبي الفلسطيني بريبة واضحة، بوصفه حاملًا محتملًا للوعي الوطني الناشئ. لم يكن المنع دائمًا مباشرًا، لكنه تجلّى في مراقبة التجمعات، وتقييد الفضاءات العامة (مضافات ومقاهٍ وبيادر حصيدة)، والتضييق على أي ممارسة ثقافية يمكن أن تتحوّل إلى منصة لتداول رواية فلسطينية جامعة عن الأرض والاقتلاع والحق.

مع عام 1948، انتقل التعامل مع الحكواتي والتراث اللامادي الفلسطيني من منطق الضبط إلى منطق المحو؛ فالاحتلال لا يكتفي بإدارة السرد أو تدجينه، بل يسعى إلى نفيه من الأساس، عبر إنكار الوجود التاريخي الفلسطيني، ومصادرة الفضاءات التي تحتضن الحكاية، وتجريم التجمعات، وتضييق الخناق على كل أشكال التعبير عن الذاكرة الشفوية. في هذا السياق، لا يُمنع الحكواتي لأنه ينتقد الحاضر فقط، بل لأنه يثبت أن لهذا المكان رواية أخرى، وزمنًا سابقًا، وسكانًا أُقصوا قسرًا.

 تشكل وعي حمزة العقرباوي المبكر في حضن السرد العائلي، حيث تلقّى الحكاية عبر جدّه الحاج خضر، الذي لم يكن مجرّد راوٍ للقصص، بل حاملًا لذاكرة فلاحية كثيفة اختزنت تاريخ الناس وأرضهم. كانت حكاياته تمتد من تفاصيل الحياة اليومية والعلاقات الاجتماعية، إلى إيقاع المواسم الزراعية، مرورًا بصراعات الملكية والنزاعات على الأرض، وصولًا إلى أشكال القمع والعنف التي خبرها الفلسطينيون عبر تجربتهم الجمعية. في هذا السياق، لم تكن الحكاية تُورَّث بوصفها نصًا يُحكى، بل كمنظور شامل لفهم العالم؛ منظور تُقرأ فيه الأرض ككائن حيّ له ذاكرة وحق، ويُستوعَب فيه الظلم كتجربة ملموسة تُعاش في الجسد والذاكرة، لا كمفهوم نظري مجرّد.

من الجد إلى الحفيد، تابعت هذه السياسة التضييق على المهرجانات الشعبية، وملاحقة الفعاليات الثقافية، وتجفيف مصادر التراث اللامادي، وصولًا إلى إعادة تقديم عناصر منه، كالدبكة أو الأزياء أو الأطعمة، بعد نزعها من سياقها التاريخي والسياسي، وتحويلها إلى فولكلور منزوع الهوية. هنا، تصبح الحكاية الفلسطينية خطرًا وجوديًا، لأنها لا تروي الماضي فقط، بل تُفشل ادّعاء الاحتلال بأن المكان بلا ذاكرة أصلية.

تكشف المقارنة بين سوريا السلطوية وفلسطين تحت الاستعمار والاحتلال عن منطق مشترك واختلاف حاسم في الأدوات؛ إذ أنه في الحالتين، تُدرك السلطة أن الحكاية ليست ترفًا ثقافيًا، بل أداة لإنتاج الوعي والهوية والمعنى. غير أن الدولة السلطوية تسعى إلى احتوائها وتدجينها، بينما يسعى الاستعمار الاستيطاني إلى اقتلاعها ومحوها. في سوريا، يُسمح للحكواتي أن يعيش بلا أن يكون خطرًا؛ وفي فلسطين، يُلاحَق لأنه يثبت أن الذاكرة ما زالت حيّة.

بهذا المعنى، يغدو الحكواتي في الحالتين مؤشرًا حساسًا على علاقة السلطة بالسرد؛ فكلما ضاق الهامش، ازداد الخوف من الحكاية؛ وفي الحالتين أيضًا، يظلّ السرد قابلًا للعودة، لأن الحكاية ليست ملكًا للمكان الرسمي، بل تُودَع في الناس، وتنتقل عبر الذاكرة، وتستعصي، في النهاية، على السيطرة الكاملة.

إعادة تشكّل الفضاء السردي الفلسطيني

يقرأ العقرباوي الحكاية الفلسطينية بوصفها ممارسة متجذّرة في البنية الاجتماعية والاقتصادية للحياة، لا بوصفها فنًا طافيًا فوق الواقع. فالسرد، تاريخيًا، لم ينتشر في فضاءات عشوائية، بل في أماكن محدّدة الوظيفة والدلالة؛ على اعتبار أن البيادر في مواسم الحصاد حيث كانت الحكاية امتدادًا للعمل الزراعي، تُعيد تثبيت العلاقة بين الإنسان والأرض، وتحوّل الجهد الجسدي إلى معنى أخلاقي مرتبط بالكرامة والانتماء؛ والمضافات ومجالس المخاتير التي أدّت فيها الحكاية دورًا تنظيميًا عميقًا، تُدار عبره العلاقات الاجتماعية، وتُفضّ النزاعات رمزيًا، وتُعاد صياغة المعايير الجمعية؛ ثم المقاهي في المدن التي تحوّلت إلى فضاء عام بديل، تُتداول فيه القضايا الكبرى بلغة السرد والرمز، بعيدًا عن خطاب السياسة المباشر. مع تتابع الأحداث الأمنية والعسكرية في البلاد، انهارت هذه البنية بفعل القسر لا التحوّل الطبيعي؛ حيث تفكّكت الفضاءات التي احتضنت السرد، وتحوّل الاجتماع نفسه إلى فعل محفوف بالمخاطر، وانشغل الناس بضرورات البقاء المادي. غير أن الحكاية لم تنقطع، بل غيّرت مواضعها وأشكالها، وانتقلت إلى المخيمات والبيوت والساحات المؤقتة، لتصبح فضاءً سرديًا متحرّكًا، غير مركزي، يتكيّف مع واقع الاقتلاع واللجوء. في هذا التحوّل، يرى العقرباوي أن السرد حافظ على وظيفته الجوهرية المتمثلة بإعادة وصل الاسم بالمكان، والذاكرة بالجغرافيا، في مواجهة مشروع يسعى إلى تفكيك الزمن الفلسطيني وتحويله إلى شظايا بلا سياق جامع.

رؤية خاصة 

من خلال تجربته ومعايشته وتنقلاته في عدة محافل دولية ترعى الحكاية واسرد؛ قدّم حمزة العقرباوي قراءة مقارنة دقيقة لموقع الحكواتي في سوريا تحت نظام الأسد وفي فلسطين تحت الاستعمار والاحتلال. في الحالة السورية، رأى أن الحكاية أُبقيت داخل حدود صارمة من حيث المكان والوظيفة، بوصفها ممارسة يُراد لها أن تشير إلى الماضي دون أن تفتح أسئلة الحاضر او المستقبل؛ فالذاكرة الشفوية هناك كانت محكومة بسقف غير مكتوب، يُحدِّد ما يمكن قوله وكيف ومتى، بحيث يصبح الحكواتي شاهدًا على التراث أكثر مما هو فاعل في مساءلة الواقع. لم يكن المنع هو القاعدة، بل الإبقاء على السرد في حالة تعليق، حيث يُعاد إنتاج الحكاية كصورة عن زمن منتهٍ، لا كأداة لفهم الزمن الجاري.

 في المقابل، واجهت الحكاية الفلسطينية وضعًا أشدّ قسوة؛ إذ لم تُحاصَر داخل إطار وظيفي محدود فحسب، بل وُضعت في مواجهة مباشرة مع مشروع يسعى إلى نفي الذاكرة من أساسها. فالاستعمار، في قراءة العقرباوي، لا ينازع الفلسطيني على الحاضر فقط، بل على حقّه في امتلاك رواية للمكان. من هنا، تصبح الحكاية فعل إثبات وجود، لا مجرد ممارسة ثقافية. لهذا السبب، لم يفصل العقرباوي بين الحكاية والسياسة، ولا بين السرد والمكان؛ بل عمل على تحويل الحكاية إلى أداة معرفة ومقاومة في آن، تربط الجغرافيا بتاريخها الشفهي، وتعيد إدخال التجربة الفردية في سردية جمعية أوسع. في هذه المقارنة، لا تظهر الحكاية كضحية صامتة للسلطة أو الاحتلال، بل كحقل صراع مفتوح حول المعنى. وبين ذاكرة مُقيَّدة في الفضاء السوري وذاكرة مُهدَّدة بالمحو في فلسطين، تتكشّف رؤية العقرباوي للحكواتي بوصفه حاملًا لمسؤولية تتجاوز السرد ذاته؛ وهي مسؤولية الحفاظ على استمرارية الذاكرة، وإبقائها قادرة على إنتاج معنى، حتى في أكثر السياقات قسوة واختناقًا.

الكاتب: مهيب الرفاعي

هوامش

موضوعات

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع