الأبوة بوصفها ملفا أمنيا: قراءة في فيلم "أبو ميلاد"

سناء سلامة زوجة الأسير الشهيد وليد دقة مع طفلتهما ميلاد. الجزيرة. معدلة.

مهيب الرفاعي

كاتب من سوريا

في واقع الامر، ليس فيلم “أبو ميلاد" فقط توثيقًا لسيرة أسير شهيد؛ إنه تمرين على كيفية صناعة ذاكرة تليق بصاحبها؛ فوليد دقّة لم يكن وحيدًا حتى في العزل، لأن ما كتبه وما زرعه في الناس جعل القضبان أقل قدرة على احتكار المعنى.

للكاتب/ة

هكذا يتخلّد أبو ميلاد؛ الرجل الذي صنع من التضامن  (برفقة سناء سلامة) طريقة حياة، ومن الكتابة ممرًا، ومن ميلاد ابنته إعلانًا بأن المستقبل يمكن أن يولد حتى تحت أقسى شروط الحصار.

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

01/02/2026

تصوير: اسماء الغول

مهيب الرفاعي

كاتب من سوريا

مهيب الرفاعي

كاتب وباحث في مجال الإعلام والدراسات الثقافية، مدرس سابق في جامعة دمشق، ومترجم في مجلة جامعة دمشق. حاص على ماجستير الإعلام والدراسات الثقافية؛ بالإضافة إلى ماجستير الترجمة التحريرية. يركز على دراسات الإعلام العربي المعاصر وقضاياه السياسية. تُنشر مقالاته في عدة مواقع أبرزها موقع و صحيفة العربي الجديد و ألتراصوت والمدن.

يختار فيلم "أبو ميلاد" ، الذي عرض على هامش  المنتدى السنوي  لفلسطين  في الدوحة، قطر؛ ومن إنتاج ميتافورا للإنتاج الفني ضمن الأعمال الأصلية للتلفزيون العربي، أن يفتتح حكايته من حيّز جغرافي حرّ فيه صباح عادي في باقة الغربية، في بيت بسيط، فيه أمّ وابنة، وحركة يومية تشبه حياة الناس جميعًا. هذا الافتتاح ليس تفصيلًا تقنيًا؛ بقدر ما هو إعلان رؤية فيها وليد دقّة يُستعاد بوصفه ابن مكان، وصاحب حياة ممتدة خارج القضبان، ورجلًا ترك فراغًا ملموسًا في تفاصيل المنزل قبل أن يتركه في الخطاب الوطني الجمعي. فعندما تنحاز الكاميرا نحو روتين أسرة أبي ميلاد، فإنها تتعامل مع البطولة بوصفها حياة، ومع الذاكرة بوصفها ممارسة يومية؛ من ترتيب البيت، وحضور الأم، وتعلّق الطفلة، وقراءة قصص ما قبل النوم ؛ ثم تلك المسافة الدائمة التي تفرضها الزيارة والسجن والحرمان والنشاطات اليومية للطفة ميلاد. ليضع الفيلم المتلقي أمام معادلة قاسية فيها الغياب في هذه الحكاية ليس غياب شخص، لكن الغياب نظامٌ كامل لإعادة تعريف العائلة والزمن والحق في المستقبل.

الأسير الشهيد 

وُلد وليد نمر أسعد دقّة في باقة الغربية في الأوّل من كانون الثاني/يناير 1961، ونشأ في عائلة كبيرة فقدت الأب وهو في الأسر عام 1998، ثم واصل حياته بين الدراسة والعمل في محطات المحروقات وورش البناء والمطاعم والفنادق قبل أن يعتقله الاحتلال في 25 آذار/مارس 1986 ويحكم عليه بالمؤبد بتهمة خطف جندي إسرائيلي، ليبدأ مسارًا طويلًا لم يعرّفه بوصفه أسيرًا فقط، لكن بوصفه مثقفًا ومنظّرًا داخل السجن وقائدًا في نضالات الحركة الأسيرة؛ حيث مسارٌ صاغ فيه فلسفته الأخلاقية والفكرية حول معنى السجن ومعنى النجاة منه، إذ كان يقول إن "  السجن مكان حقير، وهو فعلًا أسوأ اختراع صنعه الإنسان، ولكن الأسر هو الأخطر من السجن كمكان، أي السجن كعقلية أو ثقافة، فهذا الذي بين أكتافنا يمكن بسهولة أن يتحول إلى زنزانة يسجن صاحبها، رغم أن جسده حر طليق… وللتغلب على السجنين، سجن المكان والعقل، لا بد من الوعي والتثقيف، وهذا ما كانت تبذل الحركة الأسيرة فيه جهدًا… فهناك فرق كبير بين التحرر والحرية: الأولى هي النضال ضد الخارج، والثانية هي النضال الداخلي الأصعب، لبناء المجتمع والدولة."

ومن داخل هذا التصور رآكم خبرة سياسية ومعرفية مكّنته من مواصلة تحصيله الأكاديمي خلف القضبان، فنال بكالوريوس العلوم السياسية عام 2000 من الجامعة المفتوحة، ثم ماجستيرًا في الديمقراطية وحقوق الإنسان عام 2008، وماجستيرًا ثانيًا في الدراسات الإسرائيلية عام 2014، وانتُخب غيابيًا عضوًا في اللجنة المركزية للتجمع الوطني الديمقراطي سنة 2000، وترك أثرًا فكريًا وأدبيًا بارزًا عبر كتب وأعمال مثل "صهر الوعي" و"حكاية سرّ الزيت" التي نالت جائزة اتصالات الإماراتية لأدب اليافعين. 

كما وصف لحظة اعتقاله بوصفها صدمة للعقل والجسد تراقب فيها الروح جسدًا صار تحت سيطرة الآسر، وواصل دفاعه القانوني عن حقه وحريته رغم تثبيت المؤبد ثم تحديده لاحقًا إلى 37 عامًا وإضافة سنتين عام 2018، بحجة تهريب التلفونات واستخدامها.  ومع تشديد العزل والإجراءات ظلّ يكتب كي يحفظ صلته بالحياة، معتبرًا الكتابة "عملية تسلّل خارج السجن" و "نفقًا يحفره تحت الأسوار" ، وبقيت سيرته الشخصية جزءًا من مقاومته حين تزوّج سناء سلامة في السجن عام 1999 بعد تعارف بدأ عام 1996، ثم خاضا صراعًا طويلًا على حق الإنجاب انتهى بولادة ابنته ميلاد في 3 شباط/فبراير 2020 عبر نطفة محرّرة، وهو الذي كتب قبل ذلك "لطفل لم يولد بعد" مخاطبًا حلمًا  يرهب السجّانين قبل تحققه، إلى أن استشهد في 7 نيسان/أبريل 2024 نتيجة الإهمال الطبي، تاركًا وصيته الأكثر بساطة وعمقًا كتب فيها " سأبقى أحبكم، فالحب هو نصري الوحيد والمتواضع على سجّاني".

الحب بوصفه بنية مقاومة

قلب الفيلم النابض يأتي عبر شهادة سناء سلامة، زوجة وليد، فال حبّ يتكون عبر الزيارة، ويتحوّل إلى مسار حياة بلا سقف زمني واضح، ثم يصير مشروعًا أخلاقيًا كاملًا. تفاصيل الرسائل الممتدة من 1996 إلى 2024 تمنح القصة ما يشبه أرشيفًا عاطفيًا يقاوم التبسيط؛ إذ تخرج العلاقة من قالب السيرة الرومانسية إلى معنى أكثر تركيبًا؛ فيها إصرار، ووفاء، وأدب، وأخلاق عالية،  وتربية سياسية مبكرة، ثم اختبار دائم لفكرة أن السجن ينتج أشكالًا غير مألوفة من القرب.  يلتقط الفيلم هذا التحول عبر مفردات صغيرة لكنها حاسمة؛ مثل سيارة مزينة في يوم عقد القران داخل سجن عسقلان، ساعات معدودة فيها لقاء عاطفي مكثف ، موسيقى وأكل وتزيين حيطان، تسعة أسرى يشاركون الفرح. هنا يصبح الفرح فعلًا من أفعال الاشتباك؛ عبر تنظيمه داخل بنية قمعية، وحمايته من أن يتحوّل إلى استثناء مُهين ، وتحويله إلى دليل أن الحياة قادرة على ابتكار شروطها داخل أكثر الأماكن ضيقًا.

 

مخرج فيلم "أبو ميلاد" صهيب أبو دولة في الدوحة، 23 يناير 2026 (حسين بيضون)

 

طفولة تولد من ثقب في الجدار

تظهر ميلاد في الفيلم كأنها فكرة تحولت إلى جسد؛ فيها طفلة لا تُقدَّم بوصفها حدثًا عائليًا أو بيولوجيًا كلاسيكيًا؛ بقدر ما تُقدَّم بوصفها فكرة نجت من نظامٍ أُقيم لتجفيف المستقبل؛ فتعلّقها بأمها يبدو بحثًا حسيًّا عن رائحة الأب عبر أقرب جسدٍ إليها، جسد سناء، وكأن الأم تتحول إلى وسيطٍ بين عالم البيت الذي يواصل حياته بعناد، وعالم الزنزانة الذي يحاول تحويل الحياة إلى ملفّ. 

ضمن هذا البناء، تظهر ميلاد نتيجة معركة على المعنى والسيادة؛ ومعركة على النسب، وعلى الاعتراف، وعلى حق الطفل في أن يكون حقيقة قانونية واجتماعية كاملة، لا خطأ إجرائيًا في دفاتر سلطةٍ استعمارية تريد أن تقرّر حتى شكل العائلة وحدودها. هنا تتكثّف الفكرة الأمنية في قلب السرد؛ إذ إن الاحتلال رفض منح وليد وسناء فرصة التواصل الطبيعي لإنجاب طفل، ورفض جمعهما بحجة "الخطر على أمن الدولة"، ثم كرّر الرفض منذ عام 2004 بذريعة التصنيف الأمني، معتبرًا أن لقاء الزوجة عن قرب بنفس الحجة.  وحين حاول وليد كسر هذا القيد عبر المسار القانوني تقدّم في 2008 بالتماسٍ إلى محكمة الناصرة للسماح بالإنجاب فرفضت المحكمة المركزية التماسه في 21 أيلول/سبتمبر 2009، ثم ذهب إلى المحكمة العليا في القدس من دون أن يأتيه ردّ؛ وفي هذه الفجوة بين الحقّ الطبيعي والقرار الأمني تتشكّل "ميلاد" بوصفها تحديًا صريحًا لمنطق الدولة التي تخاف من طفلٍ لم يأتِ بعد. بعد هذا الرفض المتكرر تحت عنوان الأمن، لجأ وليد إلى تهريب نطفة إلى الخارج، وأعلنت سناء على الملأ في باقة الغربية حملها بعد أن تمكنت من تهريب النطفة خلال زيارة السجن، ليولد بعد انتظارٍ دام واحدًا وعشرين عامًا طفلة صارت عنوانًا بحد ذاتها في الثالث من شباط/فبراير 2020، في لحظة التقت فيها البيولوجيا بالسياسة، والعائلة بالسيادة، والرحم بخطوط الرقابة.

يلتقط  الفيلم صخب تلك الولادة بوصفه صخبًا يتجاوز الخبر الصحفي الذي كان وسيلة لإيصال الخبر الى السجن  بسبب عزل وليد قبل أيام من الولادة، لأن اسم ميلاد نفسه يحيل إلى رواية أصدرها وليد وكتب فيها حلم الأبوة الذي صودر من عمره، ثم تعود سناء فتُحوّل الولادة إلى بيانٍ سينمائي بلغة الأم؛ وأعلنت أنها وضعت مولودتها في مستشفى الناصرة؛  وكتبت حينها  أن "ميلاد حطمت جدران السجن وحررت والدها من قيده… ميلاد الحرية، ميلاد التحدي… جاءت إلى الدنيا في مدينة البشارة -الناصرة لتكون ميلادًا للبشارة، حاملة نور المحبة والسلم" . وبذلك لا تبقى الطفلة في الفيلم مجرد حضور بريء،  وتتحول إلى أداة سردية تنقل الحكاية من ألم الأسر إلى مستقبل الأسر؛  من سيرة رجل إلى سيرة جيل، ومن سؤال الحرمان إلى سؤال الزمن نفسه، حيث تكشف السلطة أنها تخشى استمرار الحياة أكثر مما تخشى الجسد.

صداقة تتحدى الجغرافيا السياسية

ما يمنح الفيلم توازنًا فكريًا عميقًا هو حضور الدكتور عزمي بشارة في الحكاية، ليس بوصفه ضيفًا تقليديًا يعلّق من الخارج، بل بوصفه جزءًا من شبكة حياة وليد خارج القضبان، لا سيما وأن وليد أصر على لقاء بشارة وكان يقرأ له نتاجه الفكري ومقالاته.  تشرح العبارة التي يتردد معناها في شهادة الدكتور بشارة " أقرب صديق خارج القضبان" وظيفة هذا الحضور من خلال تحويل وليد من أيقونة أحادية إلى شخصية متعددة الطبقات، مثقفًا لامعًا يتبادل الأفكار، يستعيد السياسة بوصفها لغة، ويحافظ على حسّ فكاهي مع جدّيةٍ صارمة. حين يتحدث بشارة عن زيارات تمتد يومًا كاملًا، وعن علاقة تكبرت بالتدريج على مدى 12 عامًا، يقدّم الفيلم تعريفًا مختلفًا للصداقة؛ أي صداقة تحفر نفقًا داخل الوقت، وتخلق لحظات ينسى فيها الزائر والأسير وجود السجّان. هذه النقطة مهمة لأنها تُظهر أن السجن يُحارب بالعقل والعاطفة معًا، وأن التضامن لا يعني فقط الدعم، ويعني إعادة إنتاج حياة طبيعية داخل وضع غير طبيعي.

والأهم أن شهادة بشارة تمنح وليد موقعه الطبيعي داخل الحركة الوطنية بوصفه منتِجًا للفكرة، لا مجرد حاملٍ للألم؛ لتتبدى هنا نبرة وليد المتفائل الواقعي والاستراتيجي على القدرة على التشخيص دون الوقوع في خطاب الشكوى، والقدرة على الحلم دون التخلي عن الحسابات. هذا النوع من الشخصيات يربك أي عمل وثائقي؛ لأنه يطلب من الفيلم أن يكون ذكيًا بقدر بطله؛ وفيلم "أبو ميلاد" ينجح غالبًا في هذا الامتحان حين يترك لأصدقاء الأسير الشهيد ، وبالتحديد الأقرب منه،  مساحة لتفسير لماذا كانت رسائل وليد تمسك بالسياسة كحياة يومية، ولماذا ظل جزءًا من الحركة الوطنية حتى وهو معزول.

 

 

الأسير المواطن 

يمرّ الفيلم عبر واحدة من أعقد القضايا وهي أسرى فلسطينيي الداخل، حيث تتحول المواطنة إلى أداة تشديد عقابي؛ لتتجلى هنا مفارقة سياسية ثقيلة فيها مواطن يُعاقَب أكثر لأنه مواطن، وتُرفع عليه معايير ردع أشد لأن “المفترض” منه الطاعة ولأنه مواطن لا يجب عليه ان يفعل ما فعله مع الجندي اليهودي.  يتجاوز الوثائقي حدود السيرة الفردية ليضع وليد داخل بنية قانونية-سياسية تفهم الأسر كتصنيف، وتفهم الهوية كملف أمني؛ لتبدو هنا النقطة شديدة الأهمية لأن وليد دقّة، في هذه الزاوية، يصبح مرآة لمسألة أكبر هي كيف تُدار الفوارق داخل المجتمع الفلسطيني نفسه، وكيف تنتج اتفاقيات السياسة  ( اتفاقية أوسلو واتفاقيات تبادل الأسرى) خطوطًا فاصلة بين الأسرى، وحول من يشمله التبادل ومن يُستبعد. طرح هذه المسألة يمنح الفيلم عمقًا إضافيًا؛ لأنه يربط مصير الرجل بتقسيمات الزمن السياسي وما خلّفته من هرميات استحقاق غير عادلة داخل قضية واحدة.

السجن والهندسة البشرية

يقدّم الفيلم، عبر إشارات إلى "صهر الوعي" وإلى حوارات رفاق الأسر مثل وائل جاغوب ونائل البرغوثي وزكريا الزبيدي، تصورًا للسجن بوصفه منظومة تهدف إلى العقل. فكرة "اللايقين" كأداة ضبط، وفكرة أن الجسد ليس الهدف الوحيد، تصنع طبقة تحليلية قوية؛ فإدارة السجن تعمل على تشكيل الإدراك، تكسير القدرة على التوقع، إنتاج الخوف بوصفه بيئة، ثم دفع الأسير إلى الانكماش داخل خزنة مراقبة. هذه المفاهيم حين تُروى عبر سيرة وليد تكتسب شرعيتها من التجربة، وحين تُدعّم عبر شهادات رفاقه تتحول إلى قراءة بنيوية تتجاوز الشخص.

تشرح هذه الطبقة لماذا كانت الكتابة عند وليد "عملية تسلل خارج السجن؛ على اعتبار ان الكتابة هنا ليست مجرد هواية، وليست تزجية وقت؛ إنها تمرين يومي على استعادة المعنى من بين كتل الإسمنت، ومحاولة لبناء فضاء داخلي قادر على مقاومة القيد الخارجي. في هذا المستوى، يصبح وليد كاتبًا بالمعنى الوجودي للكلمة؛ فيكتب كي يحافظ على اتصال بالحياة، وبهموم الناس، وبالزمن الذي يحاول السجن عزله عنه.

جماليات الصورة والصوت

يستند الفيلم إلى اقتصاد بصري محسوب؛ حيث حرية المكان في البداية، ثم عودة متكررة إلى محيط وأسوار وأثر السجن دون أن يغرق في استعراضه؛ لتظهر قوة الفيلم في طريقة إدخال الرسائل الصوتية والرسائل المكتوبة بوصفها طبقة سمعية تُكمل الصورة. تعمل الرسال المكتوبة هنا ككاميرا ثانية؛  تُفتح داخل الشخصية من دون أن تُسقطها في خطاب مباشر، وتسمح للمونتاج أن يقفز بين زمن البيت وزمن الحارة والجيران والعلاقات الاجتماعية المتبادلة والتضامن العالمي وزمن السجن من غير فواصل فجة. كذلك، يمنح حضور الرسائل الصوتية وليد فرصة أن يكون حاضرًا وهو غائب، وأن يظل صاحب السرد حتى حين تنتقل الكاميرا إلى من بقوا خارجه.

من تحرير الأسير إلى تحرير الشهيد

تصل الحكاية إلى ذروتها المؤلمة حين يضع الفيلم المتلقي أمام انتقال المعنى من تحرير الأسير إلى تحرير الجثمان؛ هنا تلخّص الاحداث منطقًا سياسيًا مرعبًا مفاده ان السيطرة لا تتوقف عند حدود الحياة، تمتد إلى ما بعدها، وتحوّل الجسد إلى ملف تفاوضي يحتاج إلى محامين وقضاء وسلاسل دعم لإنقاذه من المستعمرين. حين يمر الفيلم على مشهد باقة الغربية وما يرافقه من شعور بالقسوة المتعمدة، يضيء معنى الاحتجاز بوصفه احتجازًا للزمن أيضًا؛ من قبيل زمن الحداد، زمن الوداع، زمن الذاكرة. هنا تتشكل قيمة الفيلم الأخلاقية عبر التذكير بأن القضية ليست حكاية إنسان واحد فقط، إنها معركة على الحق في وداع الإنسان، وعلى حق العائلة في إغلاق الدائرة الإنسانية الطبيعية.

ما ينجزه الفيلم 

يشتغل فيلم "أبو ميلاد" بوعيٍ واضح على معادلة حسّاسة أن يكتب سيرة وليد دقّة من دون أن يجمّده في تمثال رمزي، وأن يفتح نافذة على تجربته الفكرية من دون أن يثقل الصورة بخطابٍ تعليمي، لذلك تأتي إنجازاته الثلاثة كأعمدةٍ تحمي السيرة من الاختزال. أول هذه الإنجازات أنه يستعيد وليد بوصفه إنسانًا يوميًا قبل أن يكون أيقونة، عبر افتتاحٍ من باقة الغربية وتفاصيل البيت وحضور الزوجة والابنة وتراكم زمن الرسائل والزيارات، حيث تصبح هذه العناصر استراتيجية ضد تجميد القضية في لقطة بطولية واحدة، ويتحوّل السؤال من سجنٍ كقدر إلى حياةٍ حاول السجن محوها. تكمن في هذا الخيار دقّة أخلاقية تمنع التشييء العاطفي وتُظهر وليد أثرًا في البيت كما هو أثر في السياسة.

 ثانيًا،  أن الفيلم يمنح سناء وميلاد دورهما بوصفهما صانعتين للمعنى لا ملحقًا بسيرة رجل؛ فتظهر سناء كمشروع حياةٍ يتأسس على الصمود وعلى قرار حبٍ طويل النفس من دون ضمانات زمنية وعلى نقل العلاقة من الخاص إلى العام من غير استعراض؛  بينما   تُقدَّم ميلاد كامتداد سردي يعيد تعريف الزمن ذاته، إذ يتحول الحق في الإنجاب إلى ساحة سيادة على الجسد والنسب والاعتراف، فيغدو استمرار الحياة جزءًا من المعركة لا هامشًا لها.

أما الإنجاز الثالث فيتجلى في تقديم وليد كمفكر وطني من داخل شبكة علاقاته، وفي مقدمتها حضور الدكتور عزمي بشارة بوصفه جسر عقل يتيح رؤية وليد عبر محادثة فكرية وصداقة تتنامى وتقاوم شروط السجن، فتظهر شخصيته اللامعة بذكائها وروحها المرحة وجديتها معًا. يُثبت الفيلم أن قيمة وليد تتصل بما فكّر وكتب وأنتج من معنى داخل المكان الذي صُمّم للإلغاء، ومع كل ذلك يظل هناك أفق كان يمكن أن يغامر فيه الفيلم أكثر داخل لغة السينما نفسها؛ فيها إدخال نتاج وليد الأدبي بوصفه مادة بصرية ممتدة لا إشارة عابرة، عبر استعارات تصويرية أطول لأفكاره عن "اللايقين" و"معركة العقل و الوعي "، واشتغال زمني أشد وضوحًا بين زمن البيت وزمن السجن بإيقاع المونتاج وصور الدائرية والرتابة والانتظار، واستثمار نصوصه كصوت داخلي يتقدّم ليصير ضمير الفيلم؛  ثم تحويل فكرة  تحرير الجثمان  إلى ذروة محسوبة تقوم على صمتٍ أطول ومساحة تنفّس تسمح للمعنى أن يسقط بثقله الكامل.

 فيلم كذكرى تليق بأبي ميلاد

في واقع الامر، ليس فيلم “أبو ميلاد" فقط توثيقًا لسيرة أسير شهيد؛ إنه تمرين على كيفية صناعة ذاكرة تليق بصاحبها؛ فوليد دقّة لم يكن وحيدًا حتى في العزل، لأن ما كتبه وما زرعه في الناس جعل القضبان أقل قدرة على احتكار المعنى. هكذا يتخلّد أبو ميلاد؛ الرجل الذي صنع من التضامن  (برفقة سناء سلامة) طريقة حياة، ومن الكتابة ممرًا، ومن ميلاد ابنته إعلانًا بأن المستقبل يمكن أن يولد حتى تحت أقسى شروط الحصار.

 

الكاتب: مهيب الرفاعي

هوامش

موضوعات

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع