"الخروج إلى البئر": صيدنايا مرآة للدولة، والإسلاميون والعسكر والاقتصاد والخيانة 

جمال سليمان، في الخروج إلى البئر.

مهيب الرفاعي

كاتب من سوريا

ينتهي العمل بطرح فكرة وجودية مكثّفة فيما إذا كان الخروج من البئر يتخذ معنى يتجاوز الحركة المادية، ويتحوّل إلى اختبار لإمكانية التحرر من منظومة تعيد إنتاج نفسها داخل الإنسان، حيث يصبح الخلاص فعلًا داخليًا يرتبط بإعادة تعريف العلاقة مع السلطة، أكثر من كونه انتقالًا مكانيًا خارجها،

للكاتب/ة

وتغدو النجاة احتمالًا معلقًا بين الإدراك والهروب، بين السقوط والصعود، في مساحة رمزية مفتوحة تعكس تعقيد التجربة الإنسانية داخل بنية السيطرة.

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

23/04/2026

تصوير: اسماء الغول

مهيب الرفاعي

كاتب من سوريا

مهيب الرفاعي

كاتب وباحث في مجال الإعلام والدراسات الثقافية، مدرس سابق في جامعة دمشق، ومترجم في مجلة جامعة دمشق. حاص على ماجستير الإعلام والدراسات الثقافية؛ بالإضافة إلى ماجستير الترجمة التحريرية. يركز على دراسات الإعلام العربي المعاصر وقضاياه السياسية. تُنشر مقالاته في عدة مواقع أبرزها موقع و صحيفة العربي الجديد و ألتراصوت والمدن.

 يكشف مسلسل "الخروج إلى البئر" عن تصور مركّب للدولة السورية عمومًا و لمخابرات نظام الأسد خصوصًا بوصفها كتلة تشغيل مرنة تتحرك عبر شبكات متداخلة من الفاعلين الرسميين وغير الرسميين، حيث تتجاوز السلطة شكلها المؤسسي التقليدي لتعيد توزيع الوظائف والأدوار داخل منظومة إدارة الصراعات في المنطقة، فيتحول السجين والمقاتل ورجل الدين والتاجر إلى وحدات وظيفية تعمل ضمن شبكة واحدة تضبط التفاعل الأمني والسياسي والاجتماعي في آنٍ معًا، ويتجسد هذا المسار بوضوح في تطور شخصية سلطان الغالب التي تنتقل من موقع الاعتقال إلى موقع الوساطة العملياتية في العراق ضمن صفقة استخباراتية مركبة تعكس سطوة نظام الأسد في إعادة تدوير الأفراد وتوظيفهم داخل سياقات جديدة تخدم بنيته العميقة.

يأتي هذا البناء ضمن أعمال شركة "ميتافورا" التي تتقدّم بوصفها شركة هادفة تعبّر عن تطلعات الإنسان العربي وقيم الحرية والجمال، وتستقطب أبرز الفنانين والمواهب الشابة وتجاربهم الجديدة، وهو ما ينعكس بوضوح في الطموح البصري والسردي للعمل وقدرته على الجمع بين البعد الجمالي والعمق التحليلي.

يعيد العمل صياغة فهم هرميات السلطة السورية بوصفها منظومة تشغيل متعددة المستويات تتقاطع فيها أدوات المخابرات السورية مع الامتدادات الاجتماعية والاقتصادية، وتتحرك عبر فضاءات عابرة للحدود تعيد تشكيل الإقليم بقدر ما تعيد ضبط الداخل، حيث تكتسب الفوضى وظيفة تنظيمية داخل هذه التركيبة، وتتحول الجماعات المسلحة إلى أدوات تفاوض، وتغدو العلاقات غير الرسمية مسارات نفوذ مستمرة تعيد إنتاج التوازنات مع القوى الدولية، كما يظهر في توظيف الفصائل العراقية ضمن معادلة ضغط مع الأميركيين تعكس قدرة هذه الشبكة على العمل خارج الحدود التقليدية للدولة.

تفتح تجربة مشاهدة المسلسل أفقًا تحليليًا واسعًا يتجاوز الحكاية المباشرة نحو تفكيك طبقات المعنى التي يزرعها سامر رضوان في بنية النص، حيث تتقدّم "البئر" كإطار رمزي كثيف يحيط بمصائر الشخصيات ويدفعها نحو اختبارات حادة تتقاطع فيها السلطة مع الخوف، ويتداخل فيها القرار مع الضرورة، ويتحوّل فيها السقوط إلى مسار يعيد تشكيل الدور داخل الشبكة. وتتجسد قوة هذا البناء عبر حضور تمثيلي متماسك يقوده جمال سليمان (سلطان الغالب) في شخصية تتدرج من الهدوء إلى الانفجار، بينما يقدّم عبد الحكيم قطيفان (اللواء ناصيف) نموذجًا مركّبًا لشخصية رجل المخابرات تتقاطع فيها القسوة مع هشاشة داخلية عميقة، ويتحرك إلى جانبه غطفان غنوم ونضال نجم وقاسم ملحو ضمن فضاء جدلي يعكس تنوّع التيارات والتوترات الفكرية، في حين يضيف مازن الناطور بعدًا إنسانيًا يعمّق شبكة العلاقات، وتمنح كارمن لبس ونانسي خوري حضورًا نسائيًا يشتبك مع الخوف والقلق ورغبة النجاة.

 

 

 سجن صيدنايا وهندسة السيطرة

يتقدّم سجن صيدنايا في هذا العمل بوصفه أكثر من فضاء احتجاز، حيث يتحول إلى مختبر مكثّف يعيد إنتاج بنية الدولة السورية عبر أدوات الضبط غير المباشر، ويستحضر لحظة الاستعصاء عام 2008 كمدخل درامي يكشف عمق التوترات البنيوية داخل هذا الفضاء المغلق. 

يعالج المسلسل تمثيل الإسلاميين بطريقة مركّبة تتجاوز التنميط التقليدي، حيث يبرز التباينات الفكرية والتنظيمية بين الإخوان المسلمين، والسلفيين، وتنظيم القاعدة، والجهاديين الإيديولوجيين، والإسلاميين المتشددين، ضمن سردية تُظهر هذه التيارات كشبكات متعددة المستويات تتصارع على المعنى والشرعية داخل فضاء السجن. وتتمركز هذه المقاربة حول شخصية سلطان الغالب (جمال سليمان)، الذي يُقدَّم بوصفه نموذجًا ديناميكيًا يجمع بين الدافع القومي والخطاب الديني المتوازن، الذي يهاجم المتشددين وأولهم ابنه " فهد"، ويحتفظ بمسافة نقدية تجاه الغلوّ، ما يمنحه موقعًا وسيطًا داخل شبكة الصراع.

يعكس التكوين الاجتماعي لسجن صيدنايا صورة مكثفة للمجتمع السياسي السوري، حيث تتجاور داخله التيارات اليسارية والقومية والبعثية، إلى جانب الإسلاميين بمختلف أطيافهم، فضلًا عن الناشطين المدنيين والأكراد والفلسطينيين واللبنانيين والفئات الجنائية والعسكرية، ما يخلق فضاءً متشابكًا تتقاطع فيه الهويات والخلفيات الأيديولوجية، وتتحول فيه تجربة الاعتقال إلى نقطة التقاء لصراعات متعددة المستويات.

تستثمر إدارة السجن هذا التنوّع بوصفه أداة استراتيجية لإدارة السيطرة، حيث تعيد توزيع السجناء بطريقة تُبقي التوترات نشطة، وتغذّي الشكوك بين الإسلاميين والعلمانيين، كما تعمّق الانقسامات داخل التيار الإسلامي نفسه بين الإخوان والسلفيين الجهاديين والتيارات الدعوية، بما يحوّل الاختلاف الفكري إلى صراع يومي منظم داخل المهاجع. وتدعم هذه المنظومة عبر شبكات الوشاية الداخلية، وآليات التمييز في المعاملة، ما يعيد إنتاج بيئة قائمة على انعدام الثقة والتنافس المستمر.

تتصاعد هذه الديناميكيات مع صعود التيار السلفي الجهادي داخل السجن خلال سنوات الألفية، حيث تتكثف الاستقطابات، وتتحول الخلافات الأيديولوجية إلى مواجهات مباشرة تصل إلى التكفير والعنف، خاصة تجاه السجناء من الخلفيات اليسارية والعلمانية، ما يخلق حالة احتقان دائم تستخدمها الإدارة كذريعة لإعادة فرض السيطرة، ويؤسس لاندلاع الاستعصاء بوصفه نتيجة لتفاعل التوتر الداخلي مع هندسة الضبط الأمنية.

يشكّل سجن صيدنايا العسكري، منذ إنشائه في ثمانينيات القرن الماضي، إحدى الركائز المركزية في بنية الضبط الأمني في سوريا، حيث صُمّم كمؤسسة احتجاز عالية الانضباط تؤدي وظيفة احتواء الخصوم السياسيين ضمن منظومة أمنية محكمة، قبل أن يتحول تدريجيًا إلى عقدة أساسية داخل شبكة الاعتقال السياسي مع توسّع تركيبته البشرية واحتوائه أطيافًا متعددة من المعارضين. 

يندرج هذا الدور ضمن سياق تاريخي بدأ مع وصول حافظ الأسد إلى السلطة عام 1970 عبر "الحركة التصحيحية"، حيث عمل على إعادة تشكيل المجال السياسي عبر الإقصاء والسجن، في مواجهة معارضة يسارية وقومية، قبل أن تتصاعد المواجهة مع جماعة الإخوان المسلمين وجناحها المسلح "الطليعة المقاتلة" خلال أواخر السبعينات، وصولًا إلى حسم عسكري دموي في حماة، ما رسّخ نموذج الدولة الأمنية التي تعتمد الاعتقال طويل الأمد كأداة لإدارة الصراع.

يُدار السجن بعقلية عسكرية صارمة تعكس طبيعته كمؤسسة أمنية مغلقة، حيث تتكامل بنيته المادية مع وظيفة الردع والسيطرة، ويُعاد تنظيم حياة السجناء ضمن أنماط دقيقة من العزل والانضباط، ما يحوّله إلى امتداد مباشر لأجهزة الاستخبارات، ويمنحه دورًا مزدوجًا يجمع بين الاحتجاز وإعادة تشكيل الفاعلين السياسيين عبر القمع المنظم.

يتجسّد هذا الطابع في بنيته المادية، حيث يمتد السجن على مساحة تقارب 1.4 كيلومتر مربع فوق تلة محصّنة بثلاثة حواجز أمنية ومناطق مزروعة بالألغام، ويضم السجن الأحمر الذي أُنشئ عام 1987 بوصفه النواة الأساسية، والسجن الأبيض الذي أُضيف لاحقًا لتوسيع القدرة الاستيعابية. ويعكس تصميم السجن الأحمر، القائم على ثلاث كتل موزعة على خمسة طوابق، قدرة عالية على التحكم والمراقبة، حيث تُفصل الفئات المختلفة من السجناء ضمن تقسيمات دقيقة تسمح بالإشراف الكامل على الحركة داخل المبنى.

يتبع السجن إداريًا للشرطة العسكرية مع حضور مباشر للأجهزة الأمنية، خاصة المخابرات العسكرية وأمن الدولة، التي تفرض رقابة صارمة على تفاصيل الحياة اليومية، ويقود هذه المنظومة ضابط برتبة عقيد يعاونه ضباط وصف ضباط وعناصر يشكّلون شبكة تنفيذية واسعة، مدعومة بحماية خارجية مشددة تعزز عزلة السجن وتحكم السيطرة عليه.

شهد السجن منذ افتتاحه عام 1987 تحولات متتالية في تركيبته البشرية، حيث استقبل في البداية معتقلين يساريين من حزب العمل الشيوعي، قبل أن يضم لاحقًا بعثيين محسوبين على الجناح العراقي، ومناصرين لحركة فتح، ومعتقلي الإخوان المسلمين، ما جعله فضاءً جامعًا لتيارات سياسية وفكرية متباينة. وشهدت تسعينات القرن الماضي حالة استقرار نسبي انعكست على ظروف الاحتجاز، حيث تطوّرت داخل السجن أشكال من التنظيم الذاتي والتعليم وتبادل المعرفة، في ظل هامش محدود من الانضباط الأقل قسوة مقارنة بمراحل سابقة.

عاد السجن مع مطلع الألفية إلى مركز جذب لموجات جديدة من المعتقلين، خاصة من التيار السلفي الجهادي المرتبط بساحات أفغانستان والعراق، ما خلق بيئة مشحونة بالصراعات الأيديولوجية داخل السجن، سواء بين الإسلاميين أنفسهم أو بينهم وبين التيارات الأخرى، وترافقت هذه المرحلة مع تشدد إداري وتدهور في الظروف المعيشية، واعتماد آليات قمعية قائمة على الوشاية والانقسام الداخلي.

بلغ هذا المسار ذروته في استعصاء عام 2008، الذي شكّل نقطة تحوّل مفصلية، حيث اندلع احتجاج واسع نتيجة تراكم القمع، وتحوّل سريعًا إلى مواجهة مفتوحة بعد اقتحام قوات الشرطة العسكرية السجن، ليتمكن السجناء من السيطرة على أجزاء كبيرة منه واحتجاز عناصر أمنية، في حدث كشف قدرة السجناء على التنظيم وإعادة تشكيل موازين القوة داخل أكثر البيئات انغلاقًا.

تطوّر الاستعصاء إلى حالة سيطرة شبه كاملة للسجناء لعدة أشهر، حيث أداروا شؤونهم الداخلية ونقلوا ما يجري إلى الخارج، في مقابل حصار مشدد فرضته السلطة، التي عملت على استعادة السيطرة عبر مزيج من التفاوض والضغط التدريجي. وقاد هذا التمرد عدد من السجناء الإسلاميين الجهاديين، قبل أن ينتهي باتفاق أعقبه تدخل أمني أعاد فرض السيطرة عبر إعادة هندسة بنية السجن وتشديد العزل والرقابة.

يعيد هذا المسار تعريف سجن صيدنايا بوصفه أكثر من موقع احتجاز، حيث يتحول إلى ساحة صراع مركّب تعكس التوترات السياسية والأيديولوجية داخل سوريا، وتعمل كأداة لإعادة إنتاج السيطرة عبر مزيج من القمع المباشر وإدارة العلاقات داخل الفضاء السجني، بما يجعل السجن نموذجًا مصغرًا للدولة الأمنية في أكثر صورها كثافة وتركيبًا.

يشكّل استعصاء 2008 نقطة تحوّل مركزية، حيث يتحول السجن إلى ساحة صراع مفتوح تعيد تشكيل موازين القوة، وتكشف حدود السيطرة التقليدية، وتدفع النظام إلى اعتماد أدوات أكثر تعقيدًا تقوم على التفاوض والاختراق وإعادة توزيع الأدوار داخل السجن. لا سيما في مدة الانفتاح على العرب واستضافة القمة العربية العشرين في دمشق رغم مقطعتها من عدد من الدول العربية مثل السعودية والعراق والمغرب والأردن بسبب حساسيات سياسية وامنية مع نظام الأسد حينها. ويتطور هذا المسار في استعصاء 2009 نحو مستوى أكثر تركيبًا، حيث تُستخدم بعض الشخصيات كوسطاء داخل منظومة الضبط، كما في حالة "سلطان" الذي يُعاد توظيفه ضمن معادلة تجمع بين احتواء الانفجار الداخلي وحماية عائلته، ما يعكس انتقال السيطرة من القمع المباشر إلى إدارة العلاقات داخل البنية السجنية.

يقدّم المسلسل السجن كنموذج مصغّر للدولة، حيث تتكرّر داخله أنماط السلطة والصراع والتحالف، وتتشكل سلطات موازية أبرزها شخصية "أبو حذيفة" (غطفان غنوم) التي تمثل إعادة إنتاج للديكتاتورية ضمن خطاب ديني جهادي يحتكر القرار ويعيد تعريف الشرعية وفق منطق القوة ووفق مبدأ إمارة السجن. وتكشف هذه البنية عن فكرة مركزية تتمثل في تحوّل الاستبداد إلى نمط سلوك يعيد إنتاج نفسه داخل أي فراغ سلطوي، حيث يعاد تشكيل السلطة بدل تفكيكها.

يتعامل العمل مع التيارات الإسلامية بوصفها بنى متعددة المستويات، تتوزع بين مستوى عقائدي يمثله "أبو عبيدة" (نضال نجم) و"أبو عبد الله" قاسم ملحو ، ومستوى براغماتي يتجسد في "هشام الغزّال"، ومستوى سلطوي يحتكره "أبو حذيفة"، ما يعكس فهمًا عميقًا لهذه الحركات باعتبارها شبكات داخلية متنافسة. ويبرز في هذا السياق تحوّل بعض هذه الجماعات من أدوات ضمن استراتيجية الدولة إلى فاعلين مستقلين قادرين على إعادة توظيف اللعبة لصالحهم.

يتعرّض هذا التوازن للاهتزاز عبر المسار الشخصي لسلطان الغالب، حيث يدفعه الضغط والصدام مع اللواء ناصيف إلى الانتقال من خطاب عقلاني إلى انفعال شخصي، ما يكشف هشاشة التوازنات الفردية تحت الضغط، ويقدّم الشخصية بوصفها كيانًا متحوّلًا يتفاعل مع السياق.

في المقابل، يقدّم المسلسل شخصية "فهد" (خالد شباط) كنموذج للتشدّد الأصولي، حيث يتبنى فهمًا حرفيًا مغلقًا للدين، ويتحوّل هذا الفهم إلى ممارسة قسرية داخل المجال العائلي، ما يعكس انتقال التشدد من مستوى فكري إلى سلوك يومي يعيد إنتاج العنف داخل العلاقات الاجتماعية.

تبلغ التباينات داخل التيار الإسلامي ذروتها خلال الاستعصاء الثاني، حيث تقود شخصية أبو حذيفة عملية إلقاء عناصر من النظام من أعلى المبنى، في مقابل اعتراض حاد من أبي عبيدة المنتمي إلى الإخوان المسلمين، في لحظة تكثّف صراعًا عميقًا حول حدود العنف ومعناه، وتكشف عن انقسام داخلي حول تعريف الشرعية والوسيلة.

ينجح العمل عبر هذا التنوّع في تفكيك الصورة النمطية عن الإسلاميين، حيث يعيد تقديمهم كطيف واسع من التجارب والمواقف التي تتراوح بين الاعتدال والتشدّد، وبين العقلانية والانفعال، وبين الالتزام الأخلاقي والانزلاق إلى العنف، ما يعيد الإنسان إلى مركز السرد بوصفه كائنًا معقّدًا مشروطًا بسياقه وقابلًا للتحوّل. فعليًا، كان نظام الأسد يؤمن بتنوع الإسلاميين وأنهم ليسوا على قلب واحد ولا يعتنقون ذات الفكر، ويتجلى هذا في حديث اللواء ناصيف عن فكرة ضرب السجناء ببعضهم عبر تشتيتهم وزرع الفتنة بينهم؛ لا سيما وأنهم يمتلكون معلومات ول اختلافاتهم الجذرية ورغباتهم المتنوعة.

ويظهر سجن صيدنايا في هذا الإطار كركيزة أساسية ضمن بنية الضبط الأمني السوري، حيث يتحول من فضاء لاحتواء الخصوم السياسيين إلى عقدة مركزية داخل شبكة إدارة الصراع، تعيد إنتاج الانقسام داخل المجتمع في أكثر صوره كثافة، وتؤسس لنموذج سيطرة قائم على هندسة العلاقات بين الأفراد بقدر ما يعتمد على القمع المباشر.

الفصائل العراقية والعلاقات السورية الأميركية 

تكشف العلاقة بين نظام الأسد والولايات المتحدة خلال مرحلة ما بعد 2003 عن نمط تشغيل معقّد يقوم على إدارة التوتر عبر وسائط غير مباشرة، حيث تتحول الحدود السورية–العراقية إلى منصة استراتيجية لإعادة إنتاج التوازن، وتُعاد صياغة الجغرافيا بوصفها شبكة عبور وتوظيف للفصائل بدل أن تبقى خط فصل تقليدي بين دولتين.

تفعّل الأجهزة الأمنية السورية ضمن هذا السياق مسارات منظمة لعبور المقاتلين الأجانب إلى العراق، وتبني قنوات اتصال مع شبكات جهادية تتقاطع مع تشكيلات مثل الدولة الإسلامية في العراق بحيث تؤدي هذه الشبكات وظيفة مزدوجة تقوم على استنزاف القوات الأميركية داخل العراق، وتخفيف الضغط الاستراتيجي عن الداخل السوري، ما يحوّل الفوضى العراقية إلى أداة ردع مرنة تُدار عبر فاعلين غير رسميين وتُنتج كلفة مرتفعة على الخصم دون انخراط مباشر.

تظهر هذه الديناميكيات في الخط الدرامي لمسلسل الخروج إلى البئر عبر علاقة اللواء ناصيف بشخصيات مثل الشيخ هشام الغزّال و“أبو البراء”، حيث تُبنى شبكات لنقل المقاتلين والانتحاريين من الداخل السوري إلى مدن مثل الموصل وبغداد، وتُنشأ مكاتب دعوية تعمل على استقطاب العناصر وتعبئتها وتدريبها قبل إعادة توجيهها إلى ساحات القتال، في عملية تتقاطع فيها الاستخبارات مع الفصائل، ويجري فيها توظيف بقايا شبكات نظام صدام حسين ، خاصة من الضباط السابقين الذين يمتلكون خبرة ميدانية وشبكات محلية داخل العراق.

يتقاطع هذا التشغيل الأمني مع تحولات البيئة السنية العراقية، حيث تتشكّل مجالس الصحوة بوصفها استجابة عشائرية لمواجهة التنظيمات الجهادية، وتبرز أسماء مثل عبد الستار أبو ريشة في الأنبار، قبل أن تتفكك هذه البنية لاحقًا إلى كيانات متنافسة، فينشأ مجلس إنقاذ الأنبار بقيادة حميد الهييس، وتظهر الجبهة الوطنية لإنقاذ العراق بقيادة الشيخ علي حاتم السليمان، التي تستند إلى ثقل عشائري ضمن قبيلة الدليم، وتتحرك ضمن فضاء سياسي يتقاطع فيه منطق القبيلة مع منطق الدولة.

تعيد هذه التكوينات تشكيل المجال السني عبر شبكة من التحالفات القبلية والسياسية التي تمتد من الأنبار إلى الموصل، حيث تلعب عشائر الدليم والجبور وشمر أدوارًا محورية في إعادة توزيع النفوذ، وتتحول الصحوات من أدوات أمنية مدعومة أميركيًا إلى فاعلين يسعون لامتلاك تمثيل سياسي مستقل، ما يدفعها للدخول في تحالفات انتخابية مع قوى مثل ائتلاف دولة القانون، ويكشف عن انتقالها من وظيفة محلية مؤقتة إلى عنصر ضمن إعادة تشكيل الدولة العراقية.

تتحرك العلاقة بين هذه الفصائل ومخابرات الأسد ضمن بنية مشبعة بالشك، حيث تمتلك الفصائل قدرة ميدانية ووصولًا مباشرًا إلى القوات الأميركية، ما يمنحها وزنًا يتجاوز دورها الوظيفي، ويجعلها في الوقت ذاته عرضة للاختراق وإعادة التوظيف، فتتحول العلاقة إلى معادلة مركبة تقوم على التشغيل والاحتواء والاختراق في آن واحد.

يعكس الخط الدرامي هذا التعقيد عبر شخصية اللواء ناصيف الذي يدير لعبة مزدوجة تقوم على دعم الفصائل ظاهريًا، بالتوازي مع تسريب معلومات دقيقة عن مواقعها وتحركاتها إلى القوات الأميركية، ما يؤدي إلى استهدافها في بغداد والموصل، ويكشف عن نمط تشغيل يقوم على استنزاف الفصائل نفسها بعد استثمارها، وإعادة ضبطها عبر الضغط الأمني.

يفكك الشيخ هشام الغزّال هذه المنظومة عندما يكتشف شبكة المخبرين داخل الفصائل، ويعمل على تفكيكها واعتقال عناصرها، ثم يعيد توظيف هذا الكشف كورقة تفاوضية في ملف سجن صيدنايا، ما يربط بين الساحة العراقية والداخل السوري ضمن شبكة واحدة من الصراع، ويحوّل المعرفة الأمنية إلى أداة لإعادة التوازن داخل بيئة شديدة التعقيد.

يتقاطع هذا المسار مع البنية الداخلية للنظام كما يعرضها المسلسل، حيث تُبنى السيطرة على مبدأ تعليق الوعود وإعادة تدوير الأفراد داخل منظومة لا تستقر، ويظهر ذلك في مسار سلطان الذي يتحول إلى أداة تفاوضية تُعاد برمجتها باستمرار، في نموذج يعكس طبيعة الدولة بوصفها شبكة تُدير العلاقات بدل أن تحسمها.

يكشف هذا الترابط بين العراق وسوريا عن نموذج متقدم لإدارة الصراع، حيث تتحول الفصائل والعشائر والشبكات الجهادية إلى أدوات ضمن منظومة أوسع تعيد توزيع الكلفة والمخاطر، وتنتج توازنًا غير متماثل يقوم على تشغيل الفوضى وتوجيهها، ما يجعل الجغرافيا نفسها جزءًا من آلة سياسية وأمنية تعمل على إعادة إنتاج السيطرة عبر مستويات متعددة ومتشابكة.

العائلة كمساحة انهيار موازية

يُكثّف مسلسل الخروج إلى البئر بنيته التحليلية حين ينقل منطق السلطة من مستواه السياسي المباشر إلى داخل العائلة، بحيث تتحول الأسرة إلى وحدة تشغيل مصغّرة تعيد إنتاج نفس آليات السيطرة والانقسام، وتعمل كحيّز وسيط تُختبر فيه قدرة الدولة على إعادة تشكيل المجتمع من الداخل، حيث لا تعود العائلة مجرد ضحية لانهيار الدولة، بل تصبح إحدى أدوات تجلي هذا الانهيار وإعادة تدويره في مستويات أكثر حميمية وتعقيدًا.

يبني العمل هذا الطرح عبر تفكيك البنية الأسرية إلى خطوط توتر متداخلة، حيث يتقدّم الابن المتشدد بوصفه سلطة أخلاقية بديلة تعيد تعريف الشرعية داخل المنزل، ويتحرك شاب آخر ضمن هشاشة اقتصادية وأمنية تدفعه إلى اضطراب عاطفي دائم، بينما تدير الزوجة حياتها عبر استراتيجيات التكيّف مع الخيانة والضغط، وتسعى الفتاة إلى انتزاع مساحة للحب داخل بيئة مغلقة تضيق بها، لتتشكّل من هذه المسارات شبكة علاقات تُظهر كيف تنتقل السلطة من المجال العام إلى البنية العميقة للعلاقات اليومية، وتعيد صياغة الأدوار داخل الأسرة بوصفها مواقع صراع لا روابط استقرار.

تتجسد هذه الديناميكية بكثافة في مسار "سمية (كارمن لبّس)، التي تتحول إلى نقطة تقاطع بين الاقتصاد والسلطة والعائلة، حيث تبني موقعها عبر إدارة معقدة للموارد والعلاقات تبدأ بإخفاء طلاقها من "سلطان" قبل شهرين من سفره الى العراق، وتمتد براغماتيتها نحو الرغبة بالحصول إلى الإرث ونحو الرغبة بتثبيت موقع مالي مرتبط بشبكات عقارية عبر مطالبة " فاضل" (علي كريم) باسترداد أموال “ سلطان" وصالون نسائي ، قبل أن تدخل في زواج جديد بوصفه محاولة لإعادة إنتاج الاستقرار ضمن شروط متغيرة. ويتعمّق هذا التعقيد حين يعيد اللواء ناصيف إدخالها في بنية التشغيل الأمني، ويطلب منها توظيف حياتها الخاصة ضمن خطة أوسع، فتجد نفسها داخل معادلة ضغط مركبة تتقاطع فيها سلطة الدولة مع رقابة الأسرة ومع سلطة الابن "فهد"، الذي يعيد تعريفها أخلاقيًا ويضعها تحت نظام ضبط يصل إلى مستوى العقاب الجسدي، ما يحوّل العلاقة بين الأم والابن إلى صراع سلطات داخل المنزل، ويكشف انتقال أدوات القمع من المؤسسة إلى الأفراد.

يتقدّم "فهد" هنا بوصفه نموذجًا لتحوّل الأيديولوجيا إلى جهاز ضبط داخلي، حيث يعيد إنتاج منطق الدولة الأمنية و منطق المحكمة الشرعية داخل الفضاء العائلي، ويستمد شرعيته من خطاب ديني منغلق يمنحه سلطة إعادة ترتيب العلاقات وفق معايير قسرية، ويعمل ضمن منطق جماعي يتقاطع مع شبكات سلفية أوسع، ما يحوّل العائلة إلى حقل تطبيق مباشر لهذه المنظومة، فتغدو الأم موضوعًا للتقويم و التهم و الشكوك و تتعرض للجلد بأمر من الشيخ و جماعته، والأخت موضوعًا للمراقبة، والأخ موضوعًا للتقييد بحجة عدم وجود محرم في المنزل، والعلاقات الإنسانية مجالًا لإعادة فرض السيطرة، في انعكاس واضح لانتقال السلطة من شكلها المؤسسي إلى شكلها الاجتماعي المعاد إنتاجه.

تتحول العلاقات العاطفية ضمن هذا السياق إلى مساحات مقاومة مشروطة، حيث تكشف قصة "خلود" (جفرا يونس) عن صراع يتقاطع فيه العنف الرمزي مع السيطرة الأبوية و العنف الاسري و النكاية، إذ يعيد "رشيد" إنتاج سلطته عبر خيانته لها مع زوجة صديقه، و من ثم يلفق لها التهم بالاتصال نمع شخص غريب و هذا من المحرمات في عرف عائلة " ابي الحارث"، فتختار الهروب بوصفه فعل كسر لبنية الضبط، وتدخل في علاقة مع "فراس" (مصطفى سعد الدين) تقوم على الحماية والتكافؤ، لتتحول هذه العلاقة إلى محاولة لإعادة بناء الذات داخل بيئة مفككة، ويكتسب الحب هنا معنى يتجاوز العاطفة ليصبح أداة لإعادة تعريف الموقع داخل شبكة العلاقات و تتزوج منه لاحقًا.

يتخذ هذا المسار شكلاً أكثر هشاشة في تجربة "هنادي" (نانسي خوري)، التي تعيش علاقة حب سرية مع "محمود" تحت ضغط أخيها، حيث تتحول السرية إلى شرط وجود للعلاقة، ويلتقيان في سيارة والدها المرمية إلى جانب المنزل، ويصبح الزمن عنصر استنزاف يفرغ الحب من مضمونه، بحيث تأتي لحظة القبول بعد أن يفقد الشعور قدرته على الاستمرار، ما يكشف كيف تعمل البنية الاجتماعية كأداة ضغط غير مباشرة تعيد تشكيل العاطفة وتحدد مساراتها.

يتجلى البعد البنيوي لهذا التفكك في عائلة "أبو الحارث" (مازن الناطور)، حيث تعمل الذكورية كمنظومة ضبط متكاملة تعيد إنتاج مفاهيم الشرف والعار بوصفها أدوات لإدارة العلاقات، ويرتبط موقع المرأة ضمن هذه البنية بشروط الطاعة والانضباط، ما يجعل العنف جزءًا من آلية التنظيم الداخلي للأسرة. ويتعرض هذا البناء للاهتزاز مع تصاعد التوتر، خاصة حين تتحول "خلود" إلى عنصر تهديد للصورة الاجتماعية للأب، فتدفعه إمكانية الانكشاف إلى إعادة ضبط سلوكه، ما يكشف أن هذه السلطة، رغم صلابتها الظاهرية، تقوم على توازن هش مرتبط بقدرتها على الحفاظ على صورتها أمام الخارج. يتضح هذا في مشهد اتصال "خلود" مع ابيها وتهديدها له بأن تصبح " راقصة" وترسل مقاطع الرقص لجميع التجار المحيطين به وعمال المصانع التي يمتلكها؛ فتضع بذلك علاقتهما على المحك قبل ان يراجع ذاته ويفتح صفحة جديدة مع اسرته.

يفتح المسلسل مسارًا موازياً عبر العلاقة بين اللواء ناصيف و" كاتيا" (ريم علي)، وهنا تتكشف مفارقة عميقة في بنية السلطة، إذ يظهر ضابط المخابرات الذي يمتلك أدوات السيطرة الأمنية و السطوة و القدرة على فرض أي قرار بوصفه شخصية تعاني اختلالًا عاطفيًا، يحاول استعادة علاقة دمّرها بفعل خيانة شخصية، في مقابل موقف رافض يعكس قدرة الطرف الآخر على مقاومة هذه الهيمنة. ويكشف هذا التوتر أن السلطة، رغم تماسكها المؤسسي، تحمل داخلها هشاشة إنسانية عميقة، تعيد تعريفها كحالة مركبة تتداخل فيها القدرة على السيطرة مع قابلية الانكسار.

ينتهي هذا المسار إلى إعادة تعريف العائلة بوصفها امتدادًا مباشرًا لبنية الدولة، حيث تُعاد داخلها إنتاج نفس أنماط الضبط والتفاوض والصراع، ويتحول الأفراد إلى فاعلين داخل شبكة أوسع من السيطرة، بما يجعل العلاقات الإنسانية نفسها جزءًا من منظومة إدارة القوة، ويحوّل التفكك الأسري إلى نتيجة منطقية لبنية سياسية تعمل على إعادة تشكيل المجتمع من داخله عبر الضغط المستمر وإعادة توزيع الأدوار داخل أكثر وحداته حميمية.

الاقتصاد ولعبة المخابرات 

أدارت مخابرات نظام الأسد ومؤسساته الأمنية مفاصل الاقتصاد بوصفها امتدادًا مباشرًا لمنظومة السيطرة، حيث تتداخل التجارة مع الأجهزة الاستخبارية ضمن شبكة نفوذ تتحكم بحركة السوق وتعيد توزيع الفرص والموارد وفق معايير الولاء والانضباط. تفرض المخابرات حضورها عبر قنوات متعددة تشمل منح التراخيص، تسهيل الصفقات، التحكم بسلاسل التوريد، وتوجيه الاستثمارات، فتتحول العلاقة مع التاجر إلى علاقة وظيفية قائمة على الامتثال مقابل الحماية والترفيق المني والابتزاز. تستخدم هذه المنظومة أدوات ضغط مباشرة مثل الإتاوات والرسوم غير الرسمية، وتفعّل شبكات "التشبيح" كأذرع ميدانية لفرض السيطرة، حيث يجري التدخل في عمليات النقل والتوزيع والتخزين، ويُعاد ضبط الأسعار والتدفقات السلعية وفق اعتبارات أمنية وسياسية.

تُنشئ هذه البنية سوقًا موازية تعمل كأداة ضغط مستمرة، حيث تُفتح مسارات غير رسمية للتجارة والتهريب تمنح امتيازات لفئات محددة، وتُستخدم هذه المسارات لإعادة تشكيل توازن السوق وإضعاف الفاعلين غير المنخرطين في الشبكة، ما يدفع التجار إلى الانخراط ضمن منظومة النفوذ لضمان الاستمرار. يتحول الابتزاز إلى آلية تنظيم غير معلنة، تُدار عبر التهديد الأمني أو التعطيل الإداري أو الاستهداف المالي، فتُعاد صياغة الملكية والتنافس ضمن بيئة تُنتج احتكارات مرتبطة بالأجهزة، وتُقصي الفاعلين غير المنسجمين مع منطقها. ينتج عن ذلك اقتصاد موجّه أمنيًا، تُدار فيه السوق كمساحة للضبط وإعادة توزيع القوة، وتتحول فيه الثروة إلى أداة لتعزيز السيطرة وإعادة إنتاجها داخل المجتمع.

يقدّم المسلسل الاقتصاد بوصفه طبقة خفية من طبقات السيطرة، حيث يغيب السوق كحيّز مستقل تحكمه قواعد العرض والطلب، ويظهر كامتداد مباشر للمنظومة الأمنية يعمل ضمن منطقها ويخضع لإيقاعها، بحيث تتحول العلاقة بين رجال الأعمال والأجهزة الأمنية إلى شبكة تبادل براغماتي تقوم على الحماية مقابل التمويل، وعلى الامتياز مقابل الولاء، ضمن بنية تبدو ظاهريًا تعاقدية وتحمل في جوهرها علاقة تبعية غير متكافئة.

يكشف العمل أن هذه العلاقة تتحرك ضمن تراتبية واضحة تحتفظ فيها الأجهزة الأمنية باليد العليا، حيث تُمنح الحماية للتاجر بقدر التزامه بالدور الوظيفي المطلوب منه، وتُسحب هذه الحماية في اللحظة التي يختل فيها ميزان الطاعة، ما يجعل رأس المال نفسه خاضعًا لمنطق السيطرة، ويتحول من قوة مستقلة إلى أداة ضمن شبكة النفوذ الأمني.

يتجسد هذا النموذج بوضوح في شخصية "فاضل"، تاجر العقارات الذي ينشط خلال مرحلة ما بين 2003 و2008، حيث يبني نفوذه عبر شبكة علاقات مع ضباط في أجهزة المخابرات، ويعتمد على الرشاوى والهدايا كآلية لإدارة هذه العلاقات، فتتحول الصفقات العقارية إلى واجهة لنظام تبادل أعمق يقوم على شراء الحماية وتثبيت الامتيازات. ويكشف تقديمه فيلا لزوجة ضابط في المخابرات عن طبيعة هذه العلاقة التي تتجاوز الفساد التقليدي إلى نمط من التشابك البنيوي بين رأس المال والسلطة، حيث تصبح الثروة وسيلة للاندماج داخل شبكة النفوذ، وتتحول إلى قناة عبور نحوها.

يتطور هذا المسار حين يعيد "فاضل" ترتيب ملكية الشراكة مع "سلطان"، مستفيدًا من غيابه والظروف الأمنية المحيطة به، فيستولي على حصته عبر أدوات قانونية شكلية مثل الشيكات وعقود البيع، في عملية تكشف كيف تُستخدم البنية القانونية نفسها كغطاء لإعادة توزيع الملكية تحت ضغط السلطة، بحيث يتحول القانون إلى أداة لإعادة تشكيل الثروة بما يخدم توازنات القوة.

يتسع هذا النموذج عبر شخصية "أبو الحارث"، الذي يمثل شريحة أوسع من رجال الأعمال المرتبطين ببنية السوق السورية، حيث يقوم نفوذه على تشابك عميق مع أجهزة الأمن، ويعمل ضمن شبكة مصالح تمتد بين التجارة والسلطة، ما يجعله جزءًا من المنظومة ومندمجًا في بنيتها. ويُدرك "أبو الحارث" حدود هذا النفوذ حين يتعلق الأمر بالأمن المباشر، حيث تظهر قدرته على التأثير داخل السوق والبيروقراطية، في مقابل حضور قرار أمني سيادي يحدد الإطار الأعلى للسلطة.

يتكثف هذا الإدراك في موقفه من اعتقال "فراس"، حيث يعرف أن الدخول إلى منظومة الاعتقال يعني الانتقال إلى مجال مختلف من السيطرة، وأن العلاقات والوساطات تفقد فاعليتها عند عتبة الأجهزة الأمنية، فيتحول رجل الأعمال النافذ إلى فاعل محدود القدرة داخل مجال تحكمه قواعد الضبط الأمني، ما يكشف حدود رأس المال حين يواجه سلطة تعيد تعريف موقعه ضمن بنيتها.

ينتج عن هذا التداخل نموذج اقتصادي خاص، حيث يعمل الاقتصاد كذراع وظيفي ضمن بنية الدولة الأمنية، تُستخدم فيه الموارد المالية لتغذية الشبكات، وتُعاد فيه صياغة الملكية وفق معايير الولاء، ويُدار عبر علاقات شخصية تتجاوز المؤسسات، ما يجعل السوق نفسه جزءًا من منظومة الضبط ويعمل داخلها.

يطرح العمل من خلال ذلك فكرة أكثر عمقًا، تقوم على أن الدولة الأمنية تعيد هندسة الاقتصاد ليعمل ضمن منطقها، بحيث يتحول رأس المال إلى عنصر في شبكة السيطرة، ويصبح النجاح الاقتصادي مشروطًا بالاندماج في هذه الشبكة، ما يعيد تعريف العلاقة بين الثروة والسلطة بوصفها علاقة تبعية مركبة، تنتج طبقة من رجال الأعمال تعمل داخل النظام وتعيد إنتاجه في آن واحد.

الإنسان كرهينة في لعبة أكبر

تتبلور أطروحة "الخروج إلى البئر" في ذروتها حين يُعاد تعريف موقع الإنسان داخل هذه المنظومة بوصفه عقدة معلّقة في شبكة تتجاوز قدرته على السيطرة، حيث تتقاطع السياسة والدين والاقتصاد والعائلة ضمن بنية واحدة تُعيد إنتاج نفسها عبر مستويات متعددة، وتحوّل الفرد إلى رهينة داخل لعبة تتغيّر قواعدها باستمرار دون أن تمنحه مخرجًا واضحًا.

يتجسد هذا التعقيد في مسار "سلطان"، الذي ينتقل بين أدوار متلاحقة تبدأ بالمقاتل وتنتهي بالأب الباحث عن إنقاذ عائلته، مرورًا بالسجين والأداة داخل منظومة أمنية، في مسار لا يمنحه تماسكًا بقدر ما يعمّق انخراطه داخل الشبكة، حيث يتحول كل انتقال إلى طبقة إضافية من التورط، ويصبح الفعل ذاته جزءًا من إعادة إنتاج السيطرة، لا وسيلة للخروج منها.

يكثّف العمل عبر هذا المسار نموذج الدولة بوصفها شبكة مرنة تدير الفوضى بدل احتوائها، وتعيد تشكيل أدواتها عبر الخيانة كآلية ضبط، والجماعات المسلحة كأذرع غير رسمية، والاقتصاد كامتداد أمني، والسجن كنموذج مصغّر للدولة، والعائلة كحيّز يعكس الانهيار الداخلي، بحيث تتكامل هذه المستويات لتشكّل منظومة قادرة على إعادة إنتاج نفسها داخل الأفراد قبل الفضاء العام.

في هذا السياق، تكتسب رمزية "البئر" كثافتها الدلالية بوصفها محورًا بصريًا وسرديًا يربط بداية العمل بنهايته، حيث يظهر في المشهد الافتتاحي كحافة وجودية يقف عندها "سلطان" بين السقوط والاختيار، بينما تقف عائلته على الأطراف تنظر إليه بوصفه حالة معلّقة، لا حاضرة ولا غائبة، وتجد في دخوله إلى البئر نوعًا من الحسم الذي يحررها من حالة الانتظار والتشظي، فيتحول البئر إلى أداة لفك التعليق أكثر من كونه نهاية.

يتحوّل البئر مع تطور الأحداث إلى فضاء رمزي متعدد الطبقات، يحمل في ظاهره معنى الانحدار والغرق، ويكشف في عمقه عن مسار معكوس يُعيد تعريف السقوط بوصفه محاولة نجاة، حيث يلجأ إليه "سلطان" في الخاتمة كفعل هروب من شبكة معقدة من المسؤوليات والضغوط والنجاة من عقاب الخيانة الذي فرض عليه بترتيب من المخابرات عبر تسريبات معقدة ومزيّة داخل السجن ونقضه بالوعود التي قدمها له في حال انهاء الاستعصاء، فيبدو الدخول إلى البئر كخروج من العالم الخارجي المثقل بالتناقضات، وكأن النجاة تمر عبر النزول لا الصعود.

تفتح هذه الرمزية احتمالات قراءة متعددة، حيث يتقاطع البئر مع فكرة الخيانة حين يتحول إلى مساحة سقوط أخلاقي مرتبط بلحظة التعاون مع أجهزة الأمن، ويتقاطع مع فكرة الهروب حين يصبح ملاذًا من الفشل في إدارة العائلة ومن ثقل الأدوار المتراكمة، كما يتقاطع مع فكرة الخلاص حين يُعاد تقديمه كمسار داخلي للانفصال عن شبكة السيطرة، ما يجعله رمزًا مركبًا يجمع بين السقوط والنجاة في آن واحد.

ينتهي العمل بطرح فكرة وجودية مكثّفة فيما إذا كان الخروج من البئر يتخذ معنى يتجاوز الحركة المادية، ويتحوّل إلى اختبار لإمكانية التحرر من منظومة تعيد إنتاج نفسها داخل الإنسان، حيث يصبح الخلاص فعلًا داخليًا يرتبط بإعادة تعريف العلاقة مع السلطة، أكثر من كونه انتقالًا مكانيًا خارجها، وتغدو النجاة احتمالًا معلقًا بين الإدراك والهروب، بين السقوط والصعود، في مساحة رمزية مفتوحة تعكس تعقيد التجربة الإنسانية داخل بنية السيطرة.

الكاتب: مهيب الرفاعي

هوامش

موضوعات

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع