الرأسمالية وتشييء الطبيعة (ترجمة)

Frans Snyders (1579–1657). Draped table laden with game, fruit, vegetables and a boar's head. Between 1609 and 1657

رمان الثقافية

مجلة ثقافية فلسطينية

تجادل باتيستوني بأنه حتى الآن كان من الصعب دفع رأس المال إلى إلحاق سعر بأشياء مثل الهواء النظيف أو الماء النظيف، لأنه لم يكن ثمة ربح يُذكر، قياسًا باستثمارات أخرى، يمكن جَنْيه منها. لكن ريكاردو يمنحنا أسبابًا للاعتقاد بأن ذلك قد لا يبقى صحيحًا.

للكاتب/ة

فهناك سيناريوهات يمكن أن يجد فيها رأس المال نفسه في وضع شبيه بوضع مالك الأرض الريعي. ففي عالم يزداد فيه تلوث الأرض والماء والهواء، تصبح الأرض الخصبة والمياه العذبة والهواء النظيف نادرة، ومن ثم مصادر هائلة للدخل والثروة، تُجنى لا كأرباح قائمة على الإنتاجية أو الاستثمار، بل كريوع مولودة من الندرة.

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

08/01/2026

تصوير: اسماء الغول

رمان الثقافية

مجلة ثقافية فلسطينية

رمان الثقافية

كتبها كوري روبن ونشرتها "جاكوبين" في ٢٨/١٢/٢٠٢٥.

 

يوم الجمعة الماضي، شاركتُ في ندوة في جامعة نيويورك حول كتاب أليسا باتيستوني الجديد «الهدايا المجانية: الرأسمالية وسياسات الطبيعة» (Free Gifts: Capitalism and the Politics of Nature). كانت القاعة ممتلئة، وهو أمر غير مألوف إلى حد ما لكتاب أكاديمي في النظرية السياسية. لكن إذا كنت قد قرأتِ/قرأتَ كتاب باتيستوني أو تعرف/تعرفين أعمالها، فستفهم السبب.

فالكتاب ليس مجرد تركيب لافت لمجموعة واسعة من الأدبيات حول البيئة، وتغير المناخ، والعمل، وكارل ماركس، والنسوية، وسياسات الرعاية - وإذا كنت تبحث فقط عن عرض ممتاز لخمسين عامًا من النظرية السياسية، مضافًا إليها ماركس وكثيرًا من اقتصاديات القرن العشرين، فهذا هو كتابك - بل هو أيضًا تدخل فكري بليغ في هذه النقاشات. لقد منحني طرقًا جديدة عديدة للتفكير في الروابط بين كيفية تعاملنا مع البيئة وكيفية تعاملنا مع عالم رعاية الأطفال، ورعاية المسنين، والأسرة؛ وبين الحسابات الاقتصادية للآثار الخارجية السلبية ومرض كلفة بومول؛ ورؤية ماركس للطبيعة؛ وغير ذلك. إنه نموذج لما ينبغي أن تكون عليه النظرية السياسية، وعلامة على نهضتها في أيدي جيل جديد من الباحثين.

أنشر هنا مداخلتي في الندوة، لكن كان هناك الكثير مما كان يمكنني قوله لو توفّر وقت أطول. وبينما أواصل التفكير في هذه الموضوعات الإضافية، آمل أن تشتروا الكتاب وتقرأوه.

تقدّم الكتب الجيدة حججًا جديدة. أمّا الكتب الممتازة فتطرح أسئلة جديدة. كتاب أليسا باتيستوني «الهدايا المجانية» كتاب ممتاز. يطرح سؤالًا واحدًا استثنائيًا وجديدًا - إذا كانت الرأسمالية تدفع نحو تشييء كل شيء، فلماذا لم تُشيِّئ هذا العدد الكبير من عناصر الطبيعة؟ - وهو سؤال يفضي إلى أسئلة استثنائية أخرى.

وفي الإجابة عنها، تقوم باتيستوني بعدد كبير من التحركات الفكرية المثيرة للاهتمام، قد يفوتك بعضها. سأذكر اثنين فقط، وكل واحد منهما يصلح ليكون كتابًا قائمًا بذاته.

في التحرك الأول، تحلّل باتيستوني حقلًا من الاقتصاد السائد نشأ في القرن العشرين تحت مسميات الآثار الخارجية، والتكاليف الاجتماعية، ومرض الكلفة. وبعد أن تشير إلى أن لكل واحد من هذه القضايا عنصرًا مشتركًا - إذ كلها تنشأ في مجالي الطبيعة أو الجسد - تقوم باتيستوني بشيء يذكّر بما فعله ماركس مع آدم سميث وديفيد ريكاردو. فبدل تجاهل هذا الأدب أو رفضه، كما فعل كثير من رفاق ماركس مع اقتصاديات عصرهم، تستخرج منه حقائق يتجنبها الاقتصاديون، والأخلاقيون، والبيئيون.

تلفت باتيستوني نظر الاقتصاديين إلى أن نظريتهم حول الآثار الخارجية تنبثق مما سمّاه آرثر سيسيل بيغو «مفارقة عنيفة»: فالمجتمع الذي يستخدم «مِسطرة المال» أداةً للتقييم سينتج، بصورة منهجية لا عرضية، إخفاقاتٍ في السوق، ولا سيما في العالم الطبيعي، لا يمكن حلها عبر السوق.

وللأخلاقيين والبيئيين الذين يرون أن تسعير النفايات السامة أو المتاجرة بحقوق التلوث أمرٌ لا أخلاقي، تجادل باتيستوني بأن النفايات والتلوث جزء من الإنتاج والتبادل. إنهما تكاليف، مثل الأجور أو الإيجارات. والسؤال هو كيف نُسعِّر تلك التكاليف ومن الذي ينبغي أن يدفعها. وإذا كان السعر مرتفعًا جدًا، فربما يخبرنا ذلك بشيء نحتاج إلى تغييره في طريقة تنظيمنا للاقتصاد.

أما التحرك الثاني لباتيستوني فيتمثل في كيفية جمعها بين البيئة وإعادة الإنتاج الاجتماعي. ففي حين يجادل التقدميون غالبًا بأن الخيط الرابط بين كيفية تعاملنا مع الطبيعة وإعادة الإنتاج الاجتماعي هو اعتقادنا بأنهما مجالان «مُرمَّزان أنثويًا»، تُصر باتيستوني على أن أفعالنا هناك ليست نتاج المعتقدات، بل نتاج وقائع مادية تُضغط عبر منخل التقييم الرأسمالي.

في ظل الرأسمالية، تعتمد القيمة على زيادات في إنتاجية العمل. وسواء تحققت هذه الزيادات عبر التكنولوجيا أو الإدارة، فإنها تقلّل عدد العمال. وسيُقبل الرأسماليون دائمًا على الصناعات التي يمكنهم فيها رفع إنتاجية العمل أو خفض عدد العمال، ومن ثم زيادة الربح.

ومهما حاول الرأسماليون، فإن الأنشطة التي تعتمد بكثافة على عمليات فيزيائية وبيولوجية - مثل الزراعة أو إعادة الإنتاج الاجتماعي - ليست قابلة لزيادات في إنتاجية العمل أو لتقليص عدد العمال بالقدر نفسه الذي تتسم به أنشطة أخرى. إن القوة المزدوجة لهذه الحدود - على زيادة الإنتاجية وعلى تقليص العمل - تعني أن الطبيعة وإعادة الإنتاج الاجتماعي ستُقيَّمان على نحوٍ منهجي بقيمة أدنى في الرأسمالية. وبما أنهما مُنخفضتا القيمة، فإنهما تسلكان مسار كل ما هو منخفض القيمة في المجتمع الرأسمالي: يُتجاهلان أو يُتخلَّص منهما.

والآن لديّ سؤالان.

أولًا، تقدّم باتيستوني حجة قوية مفادها أن الطبيعة لا «تصبح هدية مجانية» إلا في ظل الرأسمالية. «الهدية المجانية شكل اجتماعي رأسمالي بامتياز». إنها تنشأ في مجتمعات يمكن فيها لشيء أن يكون نافعًا، بل ضروريًا للحياة ذاتها، ومع ذلك عديم القيمة - أو، على العكس، وبالاستناد إلى نظرية سيان نغاي عن «الخدعة»، في مجتمعات يمكن فيها لشيء أن يكون عديم الفائدة، غير ضروري للحياة، ومع ذلك ذا قيمة.

لكن هل هذا صحيح فقط في ظل الرأسمالية؟ فمنذ اليونان، انشغل الناس بما يسميه الاقتصاديون مفارقة القيمة: أشياء نادرة لكنها غير نافعة تكون باهظة؛ وأشياء وفيرة لكنها حيوية تكون رخيصة. يستشهد أفلاطون ببيندار، الشاعر اليوناني، قائلًا: «إن الشيء النادر… هو النفيس، والماء أرخص الأشياء، مع أنه… الأفضل». ويستشهد صموئيل بوفندورف بالمتشكك الإغريقي-الروماني سكستوس إمبيريكوس: «تُثمَّن الأشياء النادرة؛ أما تلك التي تنمو بيننا وتوجد في كل مكان فالأمر على خلاف ذلك تمامًا. لو كان الماء عسير المنال، فكم سيكون أثمن من الأشياء التي نُثمِّنها اليوم؟ أو لو كان الذهب ملقى في الشوارع شائعًا كالحجارة، فمن تظن أنه سيقدّره أو يخزّنه؟». ويستشهد هوغو غروتيوس ببلوتارخ وأوفيد وفيرجيل على النحو نفسه، حتى إنه يصف الماء بأنه «هبة عامة».

قد ترد باتيستوني بأن الرأسمالية وحدها هي التي تحوّل هذا التوتر المُنظَّر بين القيمة والهدية المجانية إلى تجريد واقعي، لكنني لست متأكدًا من أننا نعرف أن ذلك صحيح. إن مسألة مدى انتشار السوق في العالم القديم مثار جدل، لكن على الأقل ثمة أدلة كثيرة على أنه قبل الرأسمالية كانت الطبيعة تُفهم ويُتعامل معها بوصفها هدية مجانية. وقد ترد باتيستوني بأن الرأسمالية، قياسًا بالأنظمة الاقتصادية التي سبقتها، تفعل بالطبيعة ما تفعله لاحقًا تحسينات الإنتاجية في التصنيع بعمل المنزل: تجعلها أقل ربحية وأقل قيمة نسبيًا. لكن إذا كان ذلك صحيحًا، فهو يوحي بأن الرأسمالية، حين يتعلق الأمر بالطبيعة، تُحدث تغييرًا في الدرجة أكثر مما تُحدث تغييرًا في النوع.

وهذا يقودني إلى سؤالي الثاني. ثمة شخصية/فكرة لا تحظى بحضور كبير في كتاب باتيستوني لكنها تعقّد السرد، وهي ديفيد ريكاردو ونظريته في الريع. ففي كتاب باتيستوني، تظهر نظرية ريكاردو في الريع وعلاقتها بالطبيعة فقط عبر ماركس، الذي يستمد حجته من ريكاردو لكنه يحذف سمة حاسمة من تلك الحجة.

كما تشير باتيستوني، يدّعي ماركس أن الريع ينشأ من عاملين: أحدهما الملكية، أي الحقيقة القانونية بأن الناس يملكون أصولًا محددة ويتحكمون بها؛ والآخر أن قيمة ذلك الأصل تُنتَج بالكامل بواسطة الطبيعة. فالريع لا يعكس أي عمل أو استثمار من قِبل المالك. إنه مجرد هدية مجانية من الطبيعة صادف أن تكون مملوكة.

وتقول باتيستوني إن الهدية المجانية للطبيعة «قليلة التنظير على نحو لافت» لدى ماركس. قد يكون ذلك صحيحًا بخصوص ماركس، لكنه ليس صحيحًا بخصوص ريكاردو.

فريكاردو، وإن كان يرى أن هبات الطبيعة يمكن أن تكون مجانية، فإنها لا تكون مجانية إلا بالمعنى الذي تقصده باتيستوني وفي ظرف محدد: حين تكون تلك الهبات وفيرة ومتساوية الجودة. ينشأ هذا الظرف في الأيام الأولى لتطور المجتمع. ومع ازدياد السكان، يُدفَع المجتمع إلى زراعة أراضٍ أكثر هامشية. وتتطلب الأراضي الهامشية عملًا أكثر، ما يرفع قيمة منتجات ذلك العمل ومن ثم سعرها. ومن دون أي جهد منهم، يستفيد مالكو الأراضي الأصلية الأكثر خصوبة من القيمة الأعلى والسعر الأعلى للمنتج المزروع في الأراضي الهامشية. وتعود تلك المنفعة، الناتجة عن ارتفاع الأسعار، إلى المالك في شكل ريع.

وكما هو الحال لدى ماركس، يرى ريكاردو أن الريع ينشأ من حقيقة الملكية الاجتماعية ومن الهدية المجانية للطبيعة. لكنه، بخلاف ماركس، يرى أن تلك الهدية المجانية تصبح ذات صلة اقتصادية في سياق الندرة. حينها فقط، وفقط حينها، تكتسب سعرًا، في شكل ريع.

وتهم نظرية ريكاردو لسببين.

أولًا، تشير إلى وجود تقليد داخل الاقتصاد السائد يُنظّر للطبيعة بوصفها هدية مجانية. هذا التقليد، بتركيزه على الندرة، لا يحظى بالحضور الذي يستحقه في كتاب باتيستوني.

ثانيًا، في حين تُبدي باتيستوني تشككًا، لأسباب وجيهة، في أن الملكية والريع قادران على حل مشكلة تغير المناخ أو البيئة، فإنها لا تتناول ما أراه الدلالة الأشد قتامة في حجة ريكاردو. فبقدر ما تكون الندرة نتاجًا لنمو السكان، فإنها تُنتَج أيضًا بواسطة الملكية. عندما تُملَك الطبيعة وتُوزَّع هباتها على نحو غير متكافئ، تُخلَق الندرة، ويُخلَق معها الريع. ويُجبَر الناس عندئذ على الدفع مقابل فوائد كانوا يتمتعون بها سابقًا مجانًا.

تجادل باتيستوني بأنه حتى الآن كان من الصعب دفع رأس المال إلى إلحاق سعر بأشياء مثل الهواء النظيف أو الماء النظيف، لأنه لم يكن ثمة ربح يُذكر، قياسًا باستثمارات أخرى، يمكن جَنْيه منها. لكن ريكاردو يمنحنا أسبابًا للاعتقاد بأن ذلك قد لا يبقى صحيحًا. فهناك سيناريوهات يمكن أن يجد فيها رأس المال نفسه في وضع شبيه بوضع مالك الأرض الريعي. ففي عالم يزداد فيه تلوث الأرض والماء والهواء، تصبح الأرض الخصبة والمياه العذبة والهواء النظيف نادرة، ومن ثم مصادر هائلة للدخل والثروة، تُجنى لا كأرباح قائمة على الإنتاجية أو الاستثمار، بل كريوع مولودة من الندرة.

لا أعتقد أن هذه القصة الريكاردية تتطلب من باتيستوني التخلي عن نظريتها. إنها فقط تجعل حجتها من أجل الملكية الجماعية للمشاعات أكثر قوة.

هوامش

موضوعات

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع