توثق المجموعة القصصية مساحة ضيقة بين القلق والسكينة، وتختبر أسس السلم المجتمعي في مدينة رام الله، وآليات تشكله، ومحدداته، كما تحاور الطبيعة الهشة للحدود الفاصلة بين الخاص والعام فيها، وتستكشف فضاءات زمانية ومكانية لحظية بين ساكنيها، والتي تتشكل مؤقتاً عند تقاطعهم إثر تحركهم الدائم بين أحيائها المتباينة، وتبحث عبر الخريطة إشكالية إعادة إنتاج ذوات مستقلة داخل عجلة مدينة مقيدة، ويتناول رتابتها، وانكفاءها على هويات وصور مسبقة متراكمة.
يشكل تطبيع المدينة المستمر لتحولاتها دافع كتابة الخريطة القصصية، فنتعقب من خلالها عنف حلم المدينة وكوابيسها، من تقلبات اقتصادية واجتماعية رافقت نموها الطبيعي، وتجلي فشل مشروع منظمة التحرير الفلسطيني بين أحياءها.
ربما كانت رام الله حالة دراسية لمدن عالم الجنوب كافة، وربما كانت أزمة المشروع التحرري الفلسطيني هي أزمة الحراكات الحقوقية كافة.
لا أسماء في خريطة المدينة القصصية أو عناوين، كي تقترب رام الله من مثيلاتها في العالم، حيث تتشابه بريبة أدوات الطغم الحاكمة، والسياسات الاقتصادية المفروضة رغم الاختلافات الطفيفة في الأسماء والتبريرات، فمقرات الحكم والبعثات الأجنبية ما تزال معزولة في مربعاتها الخضراء، ومخيمات اللاجئين كما العشوائيات صنوان على الهوامش حتى وإن كانت وسط المدينة.
المُشاهَد الخامس
تحميل، تنزيل
يمسك عامل النقل بجهاز حاسوب لوحي خاص بشركة التوزيع، يراجع كافة المنتجات التي حمّلها في صندوق شاحنته من مستودع على أطراف المدينة.
لم يعد قلقاً من نقص في طلبية أي التجار في أزنخ شارع في برنامجه ذاك اليوم.
تكررت جولته هناك مرتين أسبوعياً.
الشارع ضيق، ولا يوجد متسع لشاحنته متوسطة الحجم.
نادراً ما ركن مرتاحاً على جانبي الطريق منذ أن أعادت البلدية تأهيل الشارع.
ست وقفات، ولم تصدف معه حتى الأن أن يجد ستة مواقف مناسبة في الشارع لشاحنته.
ستة نقاط في خط التوزيع، وكل نقطة تطلبت قائمة منتجات مختلفة، أعدها مسبقاً على الترتيب حتى لا يربك ضيق الشارع.
الشاحنة متوقفة قرب الشارع المزدحم، وعلى سائقها وعامل النقل أن يتما طقوساً تطورت بشكل طبيعي قبل أن يخوضا الشارع.
في البداية عليهما التأكد من المنتجات وترتيبها داخل الشاحنة، بحيث تستغرق أقل وقت لتسليمها وتوقيع الأوراق والفواتير، وقد قاما بذلك.
الآن كأسي قهوة وسيجارتين.
رشفا آخر كأسي القهوة، وسحبا النفس الأخير الأطول من سيجارتيهما.
أطفأها في تفل القهوة، وألقيا الكأسين الفارغتين من نافذة السائق قرب حاوية القمامة.
رشق التفل حاوية القمامة الخضراء، فساهم في تحولها المحتوم إلى البني القاتم.
أدار السائق محرك الشاحنة وانخرط في حركة السير.
قاد مركبته عدة مترات من الموقف العام ودخل الشارع الضيق.
الشارع قصير،
سبق عامل النقل الشاحنة راجلاً ليسلم الصناديق بالسرعة القصوى دون إضاعة الوقت بالصعود والنزول إلى جانب السائق.
يستجمع عامل النقل سماته الرجولية، ويدفعها لتبدو واضحة حادة على ملامحه، يخيف بها كل من نظر إليه من السائقين والسائقات خلف الشاحنة حال توقفها المفاجئ.
يكسب بعض الوقت ويدفع بعض المتنمرين عنه.
تعايش أصحاب المحلات مع أبواق السيارات المتكررة.
لم يتجاوز عامل النقل الثلاثين من عمره بعد، تزوج بداية عشرينياته وعلم بعد انقضاء بضعة سنين أن ثلاثة أطفال هم كفايته وزوجته من وجع الرأس.
فكر فيهم وفي طفله الرابع، الصدفة، القادم على الطريق.
يمشي باتجاه الموقف الأول محدثاً نفسه.
- ممكن ضروري مرتي تشتغل عشان نعيش حياة كريمة.
لازم أتنازل وأغض الطرف واسمحلها تشتغل.
لكن ...
شو يحكو عني الناس؟
رفض عامل النقل اسهاب زوجته بالحجج المنطقية، رغم إصرارها الدائم.
العمل ضرورة، قالت له حتى لا يتقطع بنا الحال، وخروجي من البيت بعيداً عن المنزل لازمٌ كلزوم محبتنا لطفلنا القادم.
يعلم عامل النقل جيداً أن ذلك هو الحال الوحيد، ولكن طالما كان ماهراً في إخفاء إي لين في هذا الموضوع أمام زوجته.
نظر يمينه ولاحظ امرأة افترض أنها موظفة، تسحب النقود من الصراف الآلي ففكر حينها، لو عملت زوجتي وصار لها حساب في البنك، ستقف مكانها أمام هذا الصراف أو أي صراف آخر في المدينة، سيكون لنا دخل إضافي يمكن الوصول له من إي مكان.
قال مبدياً إعجابه بفكرة الصراف الآلي
- علّم الإنسان ما لم يعلم.
أسرع سائق الشاحنة ليركن أمام نقطة التوزيع الأولى، وابتسم كلاهما احتفالاً بالموقف الأول. سلما بعض الصناديق براحة امتدت على دقائقها اللازمة.
صوب النقطة الثانية، تحرك كلاهما.
بسرعة،
أنزل عامل النقل صندوقين خفيفين إلى محل صغير يجلس أمام بابه رجلين بدت عليهما آثار الزمن واضحة.
انحدرت الشاحنة دون أن تتوقف في تلك النقطة، ببطء تحركا صوب النقطة الثالثة حيث توقف جانباً لإنزال الصناديق.
الشارع الآن يسمح فقط بمرور السيارات الصغيرة، أو المتوسطة إن كان السائق متمرساً.
في حال كانت السيارة حديثة أو كان السائق جديداً فالشارع في ورطة.
مخاطرة ضرورية.
عليهم إنزال العديد من الصناديق في هذه النقطة، هي الأكبر في خط التوزيع هذا، وظن السائق أن ركن الشاحنة بتلك الطريقة مراهنة جيدة.
توقف دون أن يطفئ المحرك، ونزل حتى يوقع الإرسالية لكسب بعض الوقت ولمساعدة عامل النقل.
حسب قانون مورفي فإن أي شيء بإمكانه أن يسير بالاتجاه الخاطئ، سيسير بالاتجاه الخاطئ.
وقف سائق تكلم لغة المدينة بلهجة طرية خلف الشاحنة، ورفض العبور خوفاً على سيارته المستأجرة.
طلب من سائق الشاحنة أن يحركها قليلاً، لكن السائق أصر أن باستطاعته المرور بسهولة، وحسب قول السائق هناك مساحة كافية لعبور "تريله".
تجمد السائق الغريب، الذي ندم على زيارته أرض أجداده حينها وقال
Impossible, there is no law in this country
قبل أن يؤفف ضجراً محاولاً إظهار غضبه للمارين وللسائق، لعل أحدهم أبدى اهتماماً.
لم يبدي أحدهم اهتماماً.
تجاوز الموقف الوقت المخصص له في ذهن الشارع، فتصاعدت أبواق السيارات معلنة الأزمة.
تسابق السائق وعامل النقل على إنجاز المهمة، وقفزا إلى الشاحنة، ولم ينسى سائق الشاحنة أن يظهر بأس نظرته الغاضبة للسائق نصف الأجنبي وهو يمرّ ناحيته.
مشى عامل النقل أمتار قليلة نزولاً صوب النقطة الرابعة حيث توفر موقف مناسب للتنفيس عن غضبها وللتخلص من صناديق إضافية.
لعنا الشارع، والبلدية، والناس، والبلد بشكل عام قبل المتابعة صوب النقطة الخامسة.
قابلهم صاحب مطعم صغير وتناول معهم الصناديق، وأعاد بعضاً من هدوئهم عندما أحسّا بتضامنه معهم، ففكر السائق
- لسّا الدنيا بخير.
تاه عامل النقل في سؤاله بعدها.
- شو راح تحكي عائلتي إذا سمحت لمرتي تشتغل؟
مشى نحو النقطة السادسة وهو حائر بين قساوة سؤاله عليه وضرورته.
أجاب نفسه
- أبوي ولا ممكن كان يرضى لأمي الشغل، وسيدي كان قتل ستّي لو
فكرت بالموضوع.
هدّء نفسه عندما تابع خيط أفكاره، فلم تكن جدته لتفكر بذلك أصلاً، فالحياة وقتها كانت غير.
تابع حديث نفسه حتى وصل مطعم راقي نهاية الشارع، حيث الزي الرسمي، وموقف المخصص للتحميل والتنزيل.
طمعاً بنصيحة أو وجهة نظر جديدة استشار عامل النقل زميله السائق بعد أن صعدا إلى الشاحنة.
جاوبه زميله السائق بكل ثقة قائلاً
- خليها تشتغل يا زلمة، أخف مصاريف وأخف نقّ.
أبدى عامل النقل اعجابه بحكمة زميله السائق، وبان على وجهه الرضى.
ازداد سائق الشاحنة ثقة، وحرّك الشاحنة نزولاً نحو إشارة المرور دون إعطاء حق الأولوية للأخرين في الشارع، أو حتى التفكير بذلك.
المُشاهَد السادس
في انتظار صحن الفَتّه
مفصلات الباب صدئة والدرفة الأولى تسامحت في حركتها معه.
يفتح الدرفة الأولى من باب محله الحديدي الكائن بين مطعمين شعبيين.
صوت حاد بعد محاولاته زحزحة الدرفة الثانية، التي عافت مفصلاتها وظيفتها منذ سنين واعترضت كلما لامسها أحد ما.
الدرفة الثالثة أبت الحركة دون ركلة من قدم صاحب الخامسة وستين عام.
حال الدرفة الرابعة كان أكثرهم تصلباً، وتطلب عدة ركلات.
اهترأ الطلاء عن هذا الباب عشرات المرات وتقشر، ليتساقط كأوراق الشجر في بحر شهر خريفي أو أقل، أْعاد طلائه المكتفي بنفسه صاحب الخمسة وستين عام العديد من المرات في محاولة منه لمحو تراكم آثار الزمن عنه، والحفاظ عليه ما أمكن.
غطى هدوء اللون الأزرق السماوي العديد من النتوءات تحت وجه الطلاء الأخير؛ بقايا ملصقات وحواف صدئة، وطبقات من الطلاء السابق. تأخذ جميعها اللون ذاته كلما تجدد طلاء الباب.
على مصراعي الباب تيبست الدرفات الأربعة، وهكذا ستبقى حتى يغلق المكتفي بقالته الهامشية في بداية شارع مركزي.
سيجيب أيهم حلّ أولاً، النعاس، أو البرد، أو الوحدة.
يأخذ كرسيين بلاستيكيين ويضعهما باب محله في انتظار صديقه حتى يؤنس مجلسهما اليومي، ثم يعود داخله لإضاءة شمعات النيون التي ترمش بعضها في تحالف معلن مع مفصلات باب محله الحديدي.
يعرف المكتفي بنفسه أغلب زبائن محله، هم كأبناء العائلة الممتدة، بعضهم يأتي كلما أراد شيئاً، وبعضهم جميل الطلة يحاوره بانتظام، ومن كلا الصنفين من يعتبره المزود الرسمي المعتمد لزيت الزيتون البكر والجبنة البلدية البيضاء.
عقد سقف بناء المحل القديم ضارب بالطول، وتحتاج أن تمعن النظر فيه لترى نهايته. تحاول ذلك لتكتشف أنه لا ينتهي بل ينعقف إلى اليمين في استمرارية تغالط منطق رفوف محله القليلة الظاهرة.
تدعي ورقة ملصقة على بابه توفر عدة جرائد محلية يومية لديه.
يستفزه حدث صباحي شبه دوري، طفل آخر في طريقه إلى المدرسة يسأله عن سعر قطعة شوكولاتة، يجاوبه ثلاث شواكل ونصف، فيراقب يد الطفل تشد بعدها على عملات نقدية في جيبه، قبل أن يمشى نزولاً نحو مدرسته حائراً يفكر في قيمة الشوكولاتة وإلحاح ضرورتها.
لم يبع المكتفي أي معروضاته بعد. وود أن يعطي الطفل قطعة الشوكولاتة، لكن الطفل سريع الخطى، رحل قبل أن تغلب المكتفي عاطفته.
بعد رحيل الطفل وفاصل تفكير قصير خاضه المكتفي، برر لنفسه الموقف وقال، لو اعطيته لاعتاد عليّ وجلب أقرانه كل يوم.
تاجر خاسر من غلبته العاطفة، خصوصاً إن باع الحلويات قرب مدرسة ابتدائية.
الساعة العاشرة صباحاً
يجلس المكتفي على كرسيه البلاستيكي أمام زجاج محله الذي فقد بعضاً من شفافيته، يقلّب صفحات الجريدة بسرعة معقولة ليتدارك أكبر العناوين فيها.
تسرق انتباهه عجقة السيارات للحظات في الشارع الذي توقف بشكل متكرر، يراقبه ثم يعود لمطالعة العناوين الأصغر حجماً في جولته الثانية في الجريدة
هو جالسٌ يخوض الجريدة حتى أتاه صديقه، صاحب المحل المقابل. يتخذ مجلساً جانبه حتى قاطعه
- بدك تفطر
أجاب بنعم فاقترح صديقه الفَتّه، فأجاب بنعم مرة أخرى.
نادى صديقه على صبي المطعم عن يساره وأوصاه على صحن فَتّة حمص، وكأسي شاي بالنعنع، وشدد ألا ينسى التصليحة.
المطعم مزدحم، ربع ساعة جاوبه صبي المطعم.
لطالما انشغل المكتفي بشأنه ولم يحشر انفه في مكان أبعد من عائلته الصغيرة وبيته القريب، وأنكب على محله بعد أن ورثه عن والده قبل ما يقارب الثلاثين عاماً. صديقه على الجهة المقابلة من محله يبيع المشروبات الكحولية وما يرافقها، طويل الأنف المجتمعي وصاحب وجه باسم.
ربما كان عَرَق المدينة هو سبب ابتسامته المريبة الدائمة.
تشاركا المجلس أمام المحل وتحدثا براحة كأن الزمن يسير صالحهما وحيث يرضيان. منذ وقت طويل تقبّل كلاهما الآخر في واقعية، دون إسقاطات إضافية على شخصياتهما.
قَبِل كلاهما وجود الآخر الدائم على الجهة المقابلة من الشارع.
مكتفٍ بنفسه يجاور طويل أنف، صيغة مجتمعية محببه لما هو يومي.
يلقي عامل نقل عجول أمامهما صندوقين خفيفين بسرعة، ويطلب من المكتفي توقيع الإرسالية قبل أن يختفي ويمشي نزولاً، فيبدي طويل الأنف استغرابه من سرعة الناس حولهم. أهو كبرهم في السن تساءل أم هي مراهقة المدينة الصغيرة؟
تعلم طويل الأنف منذ سنين أن التساؤلات المقلقة لا تجلب سوى وجع الرأس، لذلك عاد لمراقبة العابرين تحت أعينه الجاحظة. تضحكه طريقة ربط شعر شاب عابر، فيخبر صديقه بشيفرة حديث صامتة الحركات فائقة الفعالية قائلاً
- زي كيس الزبالة
فابتسم المكتفي لصديقه.
يقف المكتفي وهو يلملم نهايات ضحكته ليدفع الصندوقين الخفيفين داخل المحل. لن يفرغ محتواهما على عجل ولن يراجع محتواهما قبل رحيل صديقه إلى الجانب الآخر من الشارع.
يعود ليجلس مستخدما كلتا يديه سانداً ظهره على عظام فخذيه، يستقر على كرسيه ويستنشق نفس هواء أنعشه.
أثناء ذلك، كان صبي المطعم قد أحضر كأسي الشاي ليشتري الوقت حتى تجهز الفَتّة، وكان أنف صديقه قد طال وانحشر بين طاولات خارجية لمقهى قريب، توزعت على رصيفي الشارع.
كرر صاحب الأنف الطويل كلمة "خُدلك" عدة مرات حتى وقعت عينا المكتفي حيث شاء صاحبه. فقال بعدها "شايف صاحب طاقية البيريه والغليون" فرد المكتفي مؤكداً "شفته"
فقال "أبوي الباشا رحمة الله عليه استحى يقعد ويعجق هيك"
سخيف بدى الشاب وهو يدخن الغليون، يحاول ترميم رجولته أمام مجموعة من أصدقاء سنة أولى جامعة، مُفرغاً غضبه عبر الجوال على عامل شركة الاتصالات، يخبره أنه مشغول جداً ولا يريد منهم سماع أية عروض ولا حتى مراجعتها عبر البريد الإلكتروني، واستخدم أثناء ذلك بعض الكلمات الإنجليزية الضرورية.
قال صاحب الأنف الطويل مستغرباً "أمّا جيل" ثم عاد وصديقه إلى وضيعة الانتظار.
انتظار صحن الفَتّة.
