«بوم!»، تصرخ كاميليا ذات العامين كلّما ارتجّ البيت بدويٍّ بعيد، ثم تضحك. في مشهد آخر في فيلم «حكايات الأرض الجريحة» (2025)، تعبر العائلة مدينة النبطية المهدّمة، وتقول الأم، وهي تنظر إلى الركام، إن كل هذا سيُعاد بناؤه. بين لهو الطفلة وأمل الأم، تتركّز سينما عباس فاضل. فاللغة البصرية عند المخرج العراقي الفرنسي ليست مجرّد وسيلة لنقل الدمار، هي فضاء تنفجر فيه الحرب داخل اللغة نفسها، وفي اللاوعي قبل الصورة، فتتحوّل سينماه إلى مساحة للذاكرة والمقاومة. تعكس أعماله رغبة متنامية ومؤثرة في تصوير الحياة اليومية لأفراد يعيشون وسط الفوضى والحروب. ولعل لهذه الرغبة جذراً شخصياً، فصاحبها غادر بلداً قبل أن تشتعل فيه الحرب، ويعرف أن مغادرة بلد يعيش حالة حرب تولّد شعوراً بالذنب. يقول: «من الواضح أن الأمر لم يكن خطئي، لكن كل ناجٍ يشعر بالذنب». بنى فاضل مسيرة سينمائية يمتزج فيها الذاتي بالسياسي، توثّق أفلامه لحظات الأزمات التاريخية دون أن تغفل التفاصيل اليومية والإنسانية، بأسلوب يجمع بين البساطة غير المتكلّفة والشاعرية.
بدأ هذا الطريق عام 2002، حين عاد فاضل إلى بابل، مسقط رأسه، بعد خمسة وعشرين عاماً قضاها في فرنسا، حاملاً كاميرا وسؤالاً: ماذا حلّ بأصدقاء الطفولة؟ وماذا كانت ستكون حياتي لو لم أرحل؟ في «العودة إلى بابل» استعاد صلته بوطنه وهو يبحث عن وجوه الماضي ليستكشف واقعاً لم يعد يألفه. وفي العام التالي، ومع اقتراب حرب جديدة، عاد من جديد، فكان «نحن العراقيون» (2004)، حيث تقدّم كاميرته صورة وصوتاً للعراقيين بمنظور مختلف، وتنقل آمال ومخاوف أولئك الرجال والنساء الذين خرجوا من كابوس الديكتاتورية ليجدوا أنفسهم في وسط الفوضى.

سنة 2015، قدّم فاضل ملحمته الأكبر والأطول «وطن: العراق سنة صفر». صوّر عائلته وحيه وبغداد عموماً على مدار 17 شهراً مستخدماً كاميرا صغيرة وبسيطة، في المرحلتين السابقة واللاحقة للغزو الأمريكي للعراق. ومن خلال هذه اللقطات، صاغ ما يُعد في نهاية المطاف تحفة فنية، توثيق يتسم بكثافة وقوة وواقعية خام ومؤلمة نادراً ما نراها، حتى في الأفلام الوثائقية الحربية. كانت الحصيلة فيلماً تبلغ مدته قرابة ست ساعات، مقسماً إلى جزأين: «قبل السقوط» (الذي يعرض استعدادات السكان للغزو الأمريكي الوشيك) و«بعد المعركة» (الذي يكشف عواقب الهجوم وحالة الفوضى الاجتماعية التي سادت في ظل السيطرة الأمريكية).
يسجل فاضل الحياة اليومية، نتعرف عن كثب على أبناء إخوته وعائلته وأصدقائه، حيث يُعد ابن أخيه حيدر، البالغ من العمر 12 عاماً، أحد الشخصيات الرئيسية. يُروى كل هذا من منظور. يتميز جو هذا الجزء الأول بجمال وهدوء الحياة في هذه المدينة، ولكنه في الوقت نفسه مُهدد، ومُشوب بنوع من عدم اليقين. يتحول القلق إلى ظل مع اقترابنا من نهاية الجزء الأول وبداية الجزء الثاني المدمر. «وطن: العراق سنة صفر» فيلم مترامي الأطراف، وسجلٌّ قاسٍ ودقيق ومدمّر للضرر الذي لحق بنسيج المجتمع، بالعالم الحميم الذي يُشكّله.

ومن العراق إلى لبنان حيث يقيم منذ عام 2017، لم تتغير كاميرا فاضل، بل انتقلت من الحيّ والمدينة إلى البيت الذي يسكنه مع زوجته الفنانة التشكيلية اللبنانية نور بلوق وابنتهما. من هنا جاء «حكايات البيت الأرجواني» (2022)، فيلمٌ لا يبحث عن حرب، فيجدها تتسلل من النافذة إلى مطبخ البيت. في الفيلم يقدّم فاضل وزوجته عملاً مشتركاً يوثق يوميات حياتهما خلال الحجر، ومن خلال تلك النافذة الصغيرة في بيتهما في جنوب لبنان، ينقلان لنا شهادتهما عن العالم الخارجي الذي يتداعى من حولهما. يتناول الفيلم تفاصيل الحياة المنزلية: الطقس والرسم والكثير من القطط، ويتطرق أيضاً إلى التداعيات الصادمة للجائحة وأزمة اللاجئين السوريين، وانفجار مرفأ بيروت.
يأتي فيلمه الأخير «حكايات الأرض الجريحة» (2025، جائزة أفضل مخرج في مهرجان لوكارنو)، تكملةً لـ«حكايات البيت الأرجواني». يتخذ الفيلم شكلاً سردياً دائرياً، يبدأ في 28 شباط/فبراير 2025، ثم يعود إلى الوراء ليفسّر ذلك الموكب الأصفر الذي يشق طريقه وسط الملابس السوداء للحشود. ثم ينتقل السرد بالزمن إلى الوراء، ليركز على منزله وحياته، وعلى حياة أفراد أسرته المباشرين الذين عايشوا بدايات الحرب الإسرائيلية على لبنان وسط أعمدة الدخان المتصاعدة عالياً جراء الانفجارات وهدير الطائرات والمسيّرات وصرخات الفزع، بينما كانت كاميليا تلهو في أرجاء الشرفة. يوثق كل شيء، عارضاً لقطات من منزله في جنوب لبنان جنباً إلى جنب مع مشاهد لمدينة تحولت إلى أطلال، وفتك بها الغبار والنيران.

موضوعية هي كاميرا فاضل، بعيدة عن العواطف المفرطة، محافظةً دائماً على مسافة متوازنة كي لا تقع في فخ التكلّف المفرط. تتمتع الصور التي يلتقطها من سيارته ببلاغة آسرة. نشاهد لقطات طويلة مرعبة تجوب مبانيَ منهارة تماماً، وسيارات محترقة، وشوارع خالية من أيّ روح. يُجبر حشد غفير من الناس على إخلاء فوضوي، يُناشدون عبر مكبرات الصوت، بينما يقف كلب عاجز عن الوقوف بسبب إصاباته، وحصان وحيد تائه، رمزاً لعدم اليقين الذي يكتنف منطقة مهجورة رمادية اللون.
العودة، عقب وقف إطلاق النار، تُوقظ المدينة. من هذه اللحظة فصاعداً، يسود الفيلم جوّ من الأمل، يعكس سكاناً اعتادوا النهوض بثبات. في الواقع، يُقدّم الفيلم نفسه كسجلّ لعملية إعادة البناء بعد الفوضى، وقدرة الناس على خلق شيء من لا شيء والمضيّ قدماً، ويُركّز على صمود السكان الذين قابلتهم نور.
يُسجّل فاضل المأساة من منظور مخرج يعرف تماماً ما يريد من كاميرته، مُلمٍّ بالتاريخ. لا يُخفي الألم أو الحزن، بل يُرافقهما باستمرار بمشاهد لأشخاص يزرعون المحاصيل، ويُرمّمون، ويُعيدون بناء الجدران، ويُساندون الأطفال. على امتداد ساعتين تقريباً، يربط «حكايات الأرض الجريحة» الألم المباشر للحرب بتأمل أوسع حول الصمود الثقافي والروحي لسكان جنوب لبنان. وتمنح هذه الرؤية التي يقترن فيها الألم دائماً بإعادة الإعمار الفيلم طابعاً إنسانياً وفلسفياً أعمق.
يُعرض «حكايات الأرض الجريحة» ضمن مهرجان الفيلم اللبناني في فرنسا (13 إلى 18 تشرين الأول أكتوبر)
