فوقَ أرصفةٍ تبتزُّنا كأُمومَةِ الثَّوراتِ
تُفرِغُ القناديلُ حُمولَتَها الضَّوئيَّةَ
_ قشدةً تُهدهِدُ حليبَ الرُّوحِ _
فتنكشِفُ ضفافُ الشَّوارعِ
كأكُفِّ الهَوى إذا اضطَّربَ
وهُنا..
على مقرُبَةٍ من آخِرِ مرآةٍ غادرَتْ
تُخفِي دمعةٌ بُؤبؤَ الغَريبِ كأنَّهُ الكُسوفُ
وتَلتحِقُ خُطواتُهُ الهادِرَةُ بحزبِ الغُبارِ:
] يُلملِمُ الكُرومَ في كأسِ حُلْمٍ
يُعبِّئُ الفراغَ في زُجاجةٍ
يُدحرِجُ الأرضَ على الأرضِ
يُطلِقُ السَّماءَ نجمةً نجمةً
يبصِمُ على صَدرِ كوكبٍ قصِيٍّ
وينهَضُ.. مُتزلِّجاً فوقَ الغُيومِ [
...
لم تختلِفْ عقاربُ ساعتِهِ عن أسنَّةِ الرِّماحِ
لكنَّهُ كانَ يُزرِّرُ مِعطَفَ الرِّيحِ بالمَشاعرِ
فارِشاً ذكرياتِهِ على ورَقِ الرُّوزنامة
كأنَّ كُلَّ ما صنعَتْ يداهُ
فخَّارةُ سَرابٍ مُحقَّقٍ
ونحيبُهُ عطرٌ تتأبَّطُهُ اللَّيالي
وتُطلِقُهُ..
كالصَّرخةِ في الكونِ
كالأغاريدِ المُجنَّحةِ.. كالأيَّامِ..
كالحَاراتِ خلَعتْ سراويلَها الإسمنتيَّةَ
مُتيمِّمةً بحُمَّى شُعراءَ
ذبَحُوا أعمارَهُم في أنخابِ القصائدِ
وهامُوا في نظَراتهِم الغائرَةِ
أبخرَةً بينَ أغصانِ الغواياتِ.
...
لم يعثُرْ على وسادةٍ "نيئةٍ كالماءِ"
لكنَّهُ توخَّى حِضْناً في الفِرَارِ الغَاضِبِ
كالمقاهي..
قذفَتْ عن ظَهرِها
كُلَّ الكَراسِي والطَّاولاتِ والزَّبائنِ
رمَتْ خارِجَ حمَّالاتِ أثدائِها
كُلَّ المَشاريعِ والأحلامِ المُتراكمَةِ
ومضَتْ إلى رَحِمِ الصَّحراءِ
جامِعةً على طولِ الطَّريقِ
ما سقَطَ سَهواً
من كُسالى المُدنِ
ومن فُقرائِها الأبطالِ
بثرثراتِهِم الزَّاحفَةِ تحتَ شَرايينها
بكُسورِهِم الخفيَّةِ بينَ العُيونِ
ومظلَّاتِ سجائرِهم الدُّخانيَّةِ
حيثُ بلادٌ تشِفُّ خلفَهُ
وتنتفِضُ "سمكةُ سانتياغو ضخمةٌ"
في دورَةِ المَوجِ
صاعداً خَرُّوبَ الحَناجرِ
صُعودَ اللِّقاءِ، أو صُعودَ الهَاجسِ
صُعودَ الدُّموعِ في نَواعيرِ الذَّاكرةِ
كأنَّهُ:
بُرتقالَةُ مِدادٍ أخضَرَ
وسُنبلةٌ مُستنفِرَةٌ في الأقفالِ.
...
على الأريكَةِ الكُحليَّةِ
حيثُ يقومُ المِزاجُ المارِقُ ببعضِ جولاتِهِ
لا يُفرِّقُ النَّهارُ نفسَهُ عنِ اللَّيلِ
والسَّماءُ أقرَبُ من تجاعيدَ مُرصَّعَةٍ بالسُّعالِ
هُناكَ يبداُ الحنينُ النِّداءَ كالباعةِ الجوَّالينَ
يموءُ حيُّ المزرعةِ تحتَ شَرشفٍ
تشمَّعَتْ غلاصمُهُ بالفوضَى
ويهرَعُ اللهُ باكياً؛
مُتعكِّزاً كافَ التَّشبيهِ المُشتعلَةِ
كبُروقٍ ذاتُ جِنٍّ.
...
على الأريكَةِ الكُحليَّةِ
الألوانُ تتبادَلُ مُناوَباتِها
والقصائدُ أقلُّ شاعريَّةً من الشَّاعرِ
الأوردةُ تنكمِشُ على ذاتها
كدَوائرِ المطَّاطِ في الحَرارةِ
والأدويةُ المُتزاحمَةُ فوق المِنضَدةِ
تتدافَعُ على بوَّابَةِ قلبِكَ
خائنَةً كُلَّ المُتسمِّرينَ في العام1957
على شُبَّاكِ تَذاكِرِ سينما
كانَتْ تنثُرُ دهشَتَها كالياسَمينِ.
...
قاحلٌ هذا الوجودُ
مثلَ تعليماتٍ طُبِّيَّةٍ تُحاصِرُ وجبةَ الفطورِ
مثلَ كرسيٍّ مُتحرِّكٍ يفتخِرُ بمَنْ يحمِلُ من ندىً جَريحٍ
وحيدٌ صوتُ المذياعِ كالجَاثمِ في بئرٍ منسيَّةٍ
أبواقُ السَّيَّاراتِ العابِرَةِ في الخارِجِ
أمَّهاتٌ ينفُضنَ الوَساوِسَ
ويُمسِّدنَ حَرائِقَ الرَّعشَةِ الغامضَةِ
السَّقفُ المُتهالِكُ أصدَقُ من مئةِ خطابٍ رنَّانٍ
والجُدرانُ أحَنُّ من ألفِ صديقٍ.
...
لبُصاقِكَ المَكلومِ مواعيدُ داميةٌ في الطَّشتِ
تخلَعُ الأماسي أقنعَتَها
وتذهَبُ لمُراقصَةِ القَهرِ المُضِيءِ
ومرَّةً تلْوَ مرَّةٍ
يتعرَّقُ الفنُّ بمَسامَّ مُلتبِسَةٍ
وتهجُرُ السَّناجِبُ مَجازاتِها
حيثُ يتمدَّدُ الرَّملُ تلالاً تلالاً.
...
/ السَّجائِرُ سنواتٌ احترَقتْ من قبْلُ
لكنَّ الويسكي موعظةٌ لتَرشيقِ الجنَّةِ /
...
كُلُّ شيءٍ يُزوِّدُ "حدَبَةَ العُصفورِ" بالتَّرقُّبِ
وقريباً مِنَ الأثيرِ إذ يَفتِنُهُ الرَّفضُ
يقطُفُ بستانيُّو المَدى يمامةَ نارٍ
يصبِغُونَها بنَرجسِ الصَّوتِ المُملَّحِ بالأعاصيرِ
وبها..
يرفَعونَ الشَّمسَ بكَرَةَ خيطانٍ
مُتدلِّيةً من أناملِ الحُرِّيَّةِ.
...
... أو رُبَّما يُحصُونَ أشعَّةً لم تولَدْ بعدُ
مُتدافعينَ على جُسورِ نايَاتٍ ريفيَّةٍ
يَعبُّونَ نكهةَ التَّشرُّدِ
ويَثملُونَ حتَّى صَهيلِ الأقاحي اليابسَةِ
في العِظَامِ.
...
... والبَعيدُ في بَراكينِهِ
بَعيدٌ في المَناظيرِ المُقرِّبَةِ..
ولا يَعترِفُ أبداً
كم ألَماً حصَدَ
في زنزانةِ الأرضِ
والجوُّ الغَائِمُ
لا يكادُ يصحو
حتَّى يتعثَّرَ
بعباءَةِ حُزنِهِ البَاسِقِ.
...
كم كتاباً حفَرَ بدمِهِ
ليَعرِفوا..
كيفَ جنحَتْ باخرةُ شِعرِهِ
خارجَ مَخالبِ المَوتِ
كيفَ غادرَ سِربُ المطَرِ
عُشبَ يديهِ
وأصبَحَ حِبْرُ العالَمِ
كُلُّ العالَمِ
مُستنقعَ مَشانِقَ وجُنونٍ.
...
في العُزلةِ الوَاهنَةِ مثلُ جناحٍ أعزَلَ
في مِزَقِ الوُريقاتِ المُستعدَّةِ للنَّشرِ
على رُقُمٍ من غيابٍ مُضاعَفٍ
في ترنُّحِ الوَجدِ البَطيءِ
كالسَّحالي في ظَهيرَةٍ مُملَّةٍ
في نسيجِ السَّأمِ الثَّقيلِ
كالسَّوادِ على ظُهورِ عَقارِبَ لَئيمَةٍ:
تكونُ..
...
في كُلِّ طَرْقةِ بابٍ مُباغِتَةٍ
في يقَظَةِ الصَّوتِ الأجَشِّ مُتحفِّزاً
كالمُحاصَرِ بينَ الأسلاكِ
بانتظارِ مِفكَّاتٍ طوعيَّةٍ قد تشحَذُها الحياةُ
إنْ بقيَتْ فيها مُفاجآتٌ:
تكونُ..
...
في عاصِفَةٍ مُرهَقَةٍ لا تُغيِّرُ طريقَها
ألو.. أَهْلاً
ألو.. سَيْلاً:
تكونُ..
...
في الوَطنِ المُلتصِقِ بالنَّأيِ
كالثِّيابِ بالجسَدِ الحسَدِ
في التَّمرُّغِ بألسنَةِ الهَزائِمِ
والتَّنكُّرِ للطَّعناتِ بكبرياءَ
بينَ جَواسيسِ الجَرائِدِ وأشواكِ الشِّعاراتِ
وقُربَ أطيافِ التَّمرُّدِ وعرَباتِ المُعتقَلاتِ العسكريَّةِ:
تكونُ..
...
في حُشودِ عبد الناصر الشَّاردَةِ
وتعليقِ السَّراجِ زقزقاتِ الحَداثةِ
على أعمدَةِ الذُّعرِ
في نُزولِ كمال خير بك
من الصُّورةِ إلى القلبِ
ومن القلبِ إلى الدَّمعِ
وفي رقصةِ سنيَّةَ الجنائزيَّةِ
مُتواليةً من غُروبٍ كتقمُّصٍ عَذبٍ تائِهٍ:
تكونُ..
...
في الغَرابَةِ البَنفسجيَّةِ
ورسائلِ العِرفانِ الأخيرةِ
للمُعلِّم سليمان عوَّاد
في البَريدِ المُموَّهِ
بينَ مجلَّتيْ شِعر والآداب
في المُصافَحةِ الحَارَّةِ المَشلولَةِ
بينَ دمشقَ وبيروتَ
في الظُّهورِ الكَافرِ لسيَّابٍ مَنهوبٍ
وفي "خَواتِمِ" أُنسي النَّحيلَةِ كاليَنابيعِ:
تكونُ..
...
في النُّدماءِ الذينَ استيقظوا
فجأةً في حانةِ الرَّأسِ
وقد عشَّشتْ أمانيهِم المَكسورةُ
في حُطامِ النَّوافذِ
حيثُ لا يُمنَحُ الزُّوَّارُ
إلَّا مزيداً من نياشينِ الوَحدةِ
ولا يُقطِّرونَ سوى الحِدَادِ:
تكونُ..
...
قربَ شَجرةِ المَعرفةِ
حيثُ أغرَتْ حوَّاءُ آدمَ
بتُفَّاحةِ نثرٍ
وتملَّصَ (جاحظونَ) جدُدٌ
قبلَ سُقوطِ المَكتباتِ عليهِم
وسُقوطِ بغدادَ علينا:
تكونُ..
...
عندَ إشارةِ المُرورِ
في تشابيهِكَ المُرتجَّةِ
كآلامِ ساحةِ المالكي
في أُرجوانِ المَراكِبِ الأوغاريتيَّةِ
وغرَقِ ديوانِ المُتنبّي
بينَ دجلةَ والفُراتَ:
تكونُ..
...
/ ... وتكونُ حيثُ لا يكونُ أحدٌ:
في دمشقَ؛
يومَ لن يُودِّعكَ سوى بردى المُحتضرِ
حيثُ الغريبُ يسنُدُ الغريبَ بوَردةٍ
حيثُ المُختنِقُ هواءُ المُختنِقِ
والخِذلانُ شرابُ السُّوسِ
مُنسكِباً كقَصائدِ غزَلٍ
في أقدمِ أزقَّةِ التَّاريخِ /
...
/ ... وتكونُ حيثُ لا تكونُ سَكِينَةٌ:
في سلميَةَ؛
يومَ تهرولُ في مُنتصفِ الغَيبوبَةِ
كي تشُدَّ أزْرَ ابنتِها القاهرَةِ
ثُمَّ تمضي إلى صَحرائِها المُوحشَةِ
كنَجمةٍ مَثقوبَةٍ بفلسطينَ
الجَدائلُ قد تَؤوبُ
ولا تَؤوبُ القُبَلُ المُعتَّقةُ /
...
حينَها.. فقط..
تُغادِرُ أريكتَكَ الكُحليَّةَ
للمرَّةِ الأخيرةِ
فتُغادِرُكَ مُستنسِخَةً ما ضاقَتْ بهِ الخَلايا
مُتلهِّفَةً كحَقلٍ خارِجٍ للتَّوّ من سجنِ المزَّةِ
وخالدةً كعَجزِ اللُّغةِ عن وَصفِ شام وسُلافة في عينيكَ
فاتحةً شِقَّاً في أرواحِ الصَّالون
ومُخبِّئةً أعمالَكَ الكاملةَ
كوَشمِ بدَويٍّ على كَعبِ آخيل
قافزةً من الشُّرفَةِ إلى الشَّوارعِ الرَّحبَةِ
ومُدرِّجةً سجائِرَكَ معها
رافضةً أن يُروِّضَها أحدٌ بعدَكَ
أنتَ الذي لم تنَمْ بيجامتُكَ
إلَّا على صَهوتِها كالفُرسانِ.
...
/ ... والآنَ.. أخبِرْهُم..
وأخبِرْ ذوي الوُجوهِ الحَجريَّةِ
لماذا تصفَعُهُم نسَمَةٌ كُلَّ مساءٍ..؟!!
أمَا علِمُوا..
أنَّها تبحَثُ عن هياكلِ الأحلامِ المَسروقَةِ
لتنثُرَها..
فوقَ مَصابيحِ السَّاهرينَ على صحَّةِ قصيدةٍ..؟!! /
...
والآنَ.. ككُلِّ آنٍ..
دأبُكَ كدأبِ الغُرباءِ الرَّاسخينَ في الأُفُقِ
قلبُكَ مدينَةُ هجرةٍ
انتصَبَتْ عماراتُها على أعوادِ ثِقَابِكَ
نبضُكَ فيضانٌ
يلتَفُّ كحَاوٍ على أسوارِ الحَديدِ
وقد "تَمتهِنُ الفرَحَ" _ذاتَ أُغنيةٍ_
أو ترتدي رحيقاً
لتُذيبَ غابةً خرساءَ
وعلى جانبَيْ سُطورِكَ
تُنجِبُ
دُفلى
عاشقةٌ
صرختَها:
] لا تستأذنْ ملاكَ الكتابةِ
ولا تمْضِ..
إلى
قُطبِ
الصَّمتِ
الجَنوبيِّ [.
كُتبَتْ الصِّيغة الأُولى من هذهِ القصيدة في العام 1997 إثر وعكةٍ صحِّيَّة ألمَّت بالشَّاعر الرَّاحل محمَّد الماغوط دخلَ على إثرها إلى المُستشفى، وأهداها المُؤلِّف لهُ شخصيَّاً في منزلهِ بحيّ المزرعة الدمشقيّ في شُباط 1998. ثُمَّ أعادَ المُؤلِّف صياغتَها خلالَ فتراتٍ مُتفرِّقة حتَّى العام 2005، حيثُ أخذتْ أخيراً هذا الشَّكل المَنشور هُنا.
