رمانة

خمسة مواقف مربكة مع الياس خوري

سليم البيك

محرر المجلة. روائي وناقد سينمائي فلسطيني

كان ذلك ثاني أكبر إرباك لي مع خوري، أما أكبر خمستها فهو آخرها وأحدثها. في حديث على التليفون لا أذكر موضوعه، سألني إن كنت قد قرأت روايته الأخيرة "رجل يشبهني"، وكانت صدرت حديثاً، ٢٠٢٣. رمى سؤاله قاطعاً به الحديث، مباغة ربما كي لا أجد منفذاً لتفادي إجابة صريحة.

للكاتب/ة

لخيبتي، لم أكن قد قرأتها، ولا أذكر بما أجبت، كان شيئاً أحمق مثل "لا أعرف إن قرأتها". عادة أقول "ليس بعد"، هنا كان الإرباك في قمته. لكني استدركت وقلت ما كان في ذهني مسبقاً فعلاً، وما فعلته لاحقاً. أني لم أحصل عليها بعد في باريس، وأني أنتظرها فعلاً لإعادة قراءة أول كتابين من الثلاثية دفعة واحدة.

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

10/09/2026

تصوير: اسماء الغول

سليم البيك

محرر المجلة. روائي وناقد سينمائي فلسطيني

سليم البيك

روائي وناقد سينمائي فلسطيني، وباحث في السينما الفلسطينية. مقيم في باريس. مؤسس ومحرر "رمان الثقافية". يكتب أسبوعياً في "القدس العربي". له الروايات: «عين الديك» و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفورية»، و«سيرة لسينما الفلسطينيين: محدودية المساحات والشخصيات»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٢٠٢٥.

عامان مرّا على رحيله. عامان من الكارثة على لبنان وفلسطين. مرّا سريعاً إلى درجة أني عدت لأتأكد إن كان عاماً واحداً لا اثنين. إلى درجة أن المساحة الخاصة بأرشيف "رمان"، أسفل صفحتها الأولى، لا تزال تعلّق مواد مع وعن الياس خوري، لم أغيرها لعامين. إلى درجة أني كتبت إشارات من هذه المقالة، إثر رحيله، وبقيت الإشارات جانباً، خجلاً من نشرها، لأحولها اليوم إلى مقالة.

هي إشارات مربكة، أخجل منها اليوم، وأُحرجت منها حينها. لكني، أسمح لنفسي بتمريرها الآن، ربما، لأن الإحراج متى قدمَ يصبح ذكرى جميلة، أو على الأقل طرفة ودعابة. لكني، تحديداً، أستطيع تمريرها، اعتقاداً مني بأن هذه الكلمات يمكن أن تصل إلى خوري، حيث هو الآن، بالقول إن هديتي الأولى لحبيبتي كانت روايته "باب الشمس" بترجمة فرنسية. هي رواية الحب العظمى، كذلك كتبَها وكذلك قرأتُها وأهديتُها. يمكن لهذه الحقيقة أن تسمح بقليل من الحياء لأن أمرر خمسة مواقف مربكة مع الياس خوري.

١

لقائي الأول به كان في معرض الكتاب في أبو ظبي، عام ٢٠٠٦، وكنت سعيداً بنفسي، إذ انتقلت عامها للكتابة من صفحة بريد القرّاء إلى الصفحة الثقافية في "القدس العربي"، وما زلت أكتب فيها إلى اليوم، بعد عشرين عاماً. كان خوري وقتها، ولا يزال، وإلى الأبد، روائيَّ المفضَّل. رأيته واقفاً أمام جناح "دار الآداب". كنت مع صديقي، ترددت، بقيتُ متردداً، إلى أن اقتربتُ وقلت ما كان أوّل وآخر مرّة أقولها لأيٍّ كان، إنّي معجب بكتاباتك. نظر إليّ من فوق نظاراته، وكان في يديه كتاب يوقّعه لأحدهم، نظر بما معناه: "وإذا"، "شو بعملّك". حاولت الاستدراك فقلت إني أحب ما يكتب من مقالات وروايات. كأني حاولت التوضيح والتفصيل. أسأت التقدير، تدهورَ الوضع. لا أعرف إن قال شيئاً، سمعت تمتمة، قد تكون تمنياً كي أبتعد، شيئاً مثل "شكراً حبييبي"، وأراد العودة إلى الكتاب في يده لكني قلت متحامقاً: "أنا أكتب معك في الصفحة الثقافية للجريدة"، نظر إليّ مجدداً، صامتاً، بمعنى "شو بدّك عمّو". أرادني فعلاً أن أبتعد من دون أن يقول شيئاً، أردتُني فعلاً أن أبتعد من دون أن أقول شيئاً.

٢

عام ٢٠١٧، بعدها بسنوات راكمتُ فيها كتابة ثقافية وسياسية، وكان خوري يقرأ لكتّاب شباب، روايات ومقالات، وكنت، كما عرفتُ وبكثير من الحظ، من بينهم. التقينا في برلين، لمؤتمر "كتابة (في) المنفى". قرأت كلمتي بعنوان "منفى فلسطينيي سوريا المتعدد". وكانت لحظة وقوفنا معاً ومع آخرين من بعدها، واحدة من تلك التي تنطبع في ذهن كاتب شاب مدى حياته. أخذني جانباً وقال إنه يريد نشر المادة في "مجلة الدراسات الفلسطينية"، وإنه يريد مني تغييراً بسيطاً في المقدمة. كان ذلك جائزتي من كل المؤتمر، وكانت مقالتي الأولى في المجلة.

لم يكن ذلك موقفي المربك الثاني، بل آخَر تخللَ أيام المؤتمر، إذ كنا جالسين إلى طاولة عامرة بكؤوس البيرة، وكنت إلى جانبه، سألته بصوت واطئ إن كان قد قدّم رأياً في غلاف روايته الجديدة في حينه، "أولاد الغيتو-اسمي آدم"، نفى ذلك، قلت إنه بصراحة غير جميل. وإن أغلفة "الآداب" جميلة ومتميزة لكن غلاف كتابه هذا لا يشبهها. كذلك رماني بنظرة تقول "وشو بعملّك". لم يعرف كيف يرد على هذا الأخرق الذي ما عرف كيف يخرج من الموضوع أخيراً، سوى بالغبّ من كأس "البانْت" أمامه.

٣

في ٢٠٢٠، كنت نشرت للصديق رائف زريق مقالة عن محمود درويش، هي واحدة مما أفخر بنشره إلى اليوم في "رمّان"، ولأني أولي اهتماماً خاصاً بالصور المرفقة بالمقالات، استغرقني وقت في إيجاد صورة تلائم المقالة بشساعتها ونوعيّتها. وليس لدرويش الكثير من الصور ذات الجودة العالية، حجماً على الأقل، ولم أرِد التكرار، وضعت صورة مساءً وبرمجتُ المادة للنشر صباحاً، استيقظت وقد قررت تغيير الصورة، ما أجبرني في حينها على إيقاف نشر المادة لدقائق. خلالها، اتصل بي الياس خوري ومن دون المرحبا سأل: "أين هي مقالة رائف". حلفت ألف يمين أني أزلتها فقط لدقائق وأني أختار صورة أكثر ملاءمة لدرويش. لا أذكر أخيراً إن كنت قد غيّرت الصورة أم لا، لكني أعدت نشر المقالة فوراً.

٤

أكبر الإرباكات كانت آخر اثنين منها. في لقاء عام ٢٠٢١ في فيينا، لمؤتمر ثقافي هناك، تحدثت فيه عن "رمّان"، وكان ذلك تشريفاً لم أتوقعه للمجلة، أن أجلس إلى جانب معلّم بحجم خوري، في الندوة ذاتها عن الصحافة الفلسطينية، متحدثاً هو عن "مجلة الدراسات الفلسطينية". خلال تلك الأيام، في العودة مشياً إلى الفندق في مركز المدينة، كنا نتحدث، وأنا كعادتي من دون مواربة، بل أسرع في التصريح، أقول عن أي اسم جديد إني لم أعرفه بعد، لأي روائي أو رواية أو مخرج أو فيلم. في الطريق كنا نتحدث وأتى خوري على ذكر اسم روائي إسرائيلي، أظنّ أن أحداً غيره لا يعرفه. ذكر اسمه وسألني مستدركاً مستبقاً الإجابة بأني أكيد قرأت من كتاباته. أجبت بالنفي متردداً كأني أثبت التهمة، فأنّبني لكوني روائياً فلسطينياً ولم أقرأ لـ $٪&#*@!.

٥

كان ذلك ثاني أكبر إرباك لي مع خوري، أما أكبر خمستها فهو آخرها وأحدثها. في حديث على التليفون لا أذكر موضوعه، سألني إن كنت قد قرأت روايته الأخيرة "رجل يشبهني"، وكانت صدرت حديثاً، ٢٠٢٣. رمى سؤاله قاطعاً به الحديث، مباغة ربما كي لا أجد منفذاً لتفادي إجابة صريحة. لخيبتي، لم أكن قد قرأتها، ولا أذكر بما أجبت، كان شيئاً أحمق مثل "لا أعرف إن قرأتها". عادة أقول "ليس بعد"، هنا كان الإرباك في قمته. لكني استدركت وقلت ما كان في ذهني مسبقاً فعلاً، وما فعلته لاحقاً. أني لم أحصل عليها بعد في باريس، وأني أنتظرها فعلاً لإعادة قراءة أول كتابين من الثلاثية وأختمها بـ "رجل يشبهني" دفعة واحدة. كان ذلك أول ما فعلته حالما حصلت على الرواية. وكتبت مقالة عنها بعد رحيله. وستكون الثلاثية، وأخرها لم يترجم بعد إلى الفرنسية، ثاني هديّة حبّ أنتظر تقديمها، من بعد "باب الشمس".

الكاتب: سليم البيك

هوامش

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع