كتبها هنري إليوت ونشرتها "الغارديان" في ٥ نوفمبر ٢٠٢٦.
وُلد جون بيرجر قبل مئة عام في مثل يوم الخميس . كان فناناً وناقداً وروائياً وشاعراً وكاتباً سجالياً ومسرحياً، قدّم على مدى ستة عقود إسهامات حماسية ومتفردة، تتسم بانتباه شديد وإنسانية عميقة، في طيف واسع من المجالات الفنية والفكرية. والواقع أن تنوّع إنتاجه قد يجعل "الإحاطة به أمراً صعباً"، كما يلاحظ جيف داير في مقدمته لكتاب "مقالات مختارة". ويضيف: "حتى المعجبون به لا يعرفونه عادة إلا في واحدة أو اثنتين من تجلياته الكثيرة".
آمل أن توفّر التوصيات التالية مدخلاً يمثّل، إلى حد ما، اتساع عالم بيرجر وتنوّعه. وقد اقتصرتُ على الكتب التي جمعها بنفسه، ما يعني أنني استبعدت المختارات، مثل كتاب "فهم صورة فوتوغرافية" الممتاز، الذي حرّره داير، أو مجموعتي "مناظر طبيعية" و"بورتريهات" اللتين أعدّهما توم أوفرتون، أو المختارات الحديثة "عبر الحدود"، التي اختار نصوصها تيجو كول، الناقد والمصوّر والروائي الذي تتداخل اختصاصاته على نحو مماثل.
ثمة طرق كثيرة للاقتراب من بيرجر، لكن أياً تكن نقطة البداية التي تختارها، فإنك ستلتقي، كما قالت عنه سوزان سونتاغ، "فناناً ومفكراً رائعاً".
نقطة البداية

يُذكر بيرجر، قبل كل شيء، بعمله "طرائق الرؤية" (Ways of Seeing)، وهو المسلسل التلفزيوني الذي قدّمته هيئة الإذاعة البريطانية عام 1972، والكتاب الذي أصدرته دار بنغوين بالتزامن معه. جمع بيرجر، في مقاربة جذرية، بين النقد الفني والنقد الاجتماعي، متناولاً الأعمال الفنية في علاقتها بالإعلان، وإعادة الإنتاج على نطاق واسع، والجسد الأنثوي العاري، والنظرة الذكورية، والمكانة الاجتماعية. وكان شكل الكتاب ثورياً بالقدر نفسه، إذ يبدو النص وكأنه يبدأ من الغلاف الأمامي، فيما تتألف ثلاثة من فصوله السبعة من الصور وحدها. يُعدّ "طرائق الرؤية" عملاً كلاسيكياً متفرداً في تصميمه، ومدخلاً سريعاً إلى اهتمامات بيرجر المستمرة بالفن والجنس والسياسة.
الفائز بالجائزة

في العام نفسه الذي نُشر فيه "طرائق الرؤية"، فاز بيرجر بالدورة الرابعة من جائزة بوكر عن روايته "جي" (G.) (1972). لكن الرواية نفسها طغى عليها، إلى حد ما، خطاب قبوله الجائزة، الذي هاجم فيه الشركة الراعية، "بوكر ماكونيل المحدودة"، بسبب "مصالحها التجارية الواسعة" في منطقة الكاريبي، معلناً أنه سيتبرّع بنصف قيمة الجائزة إلى حركة الفهود السود البريطانية. تتتبّع هذه الرواية التجريبية شاباً يُدعى "جي"، وحياته الجنسية النشطة، خلال تنقّله في أنحاء أوروبا عشية الحرب العالمية الأولى. ويظل "جي" غافلاً إلى حد بعيد عن الأحداث التاريخية الكبرى التي تجري من حوله، رغم ارتباطه الوثيق الذي لا فكاك منه بتلك الأحداث.
التحفة الهادئة

ثمة نقطة انطلاق ممتازة أخرى، هي كتاب "رجل محظوظ" ( A Fortunate Man) (1967)، أول تعاون بين بيرجر والمصوّر السويسري جان مور. إنه بورتريه يبدو بسيطاً على نحو خادع لطبيب عام يعمل في منطقة ريفية بغابة دين، يُروى من خلال صور فوتوغرافية صارمة ونثر يترك أثراً عميقاً في النفس. تتشابك الكلمات والصور لتُحدث تأثيراً قوياً، إذ تعكس التفاصيل الدقيقة لمهنة رجل واحد المجتمع بأسره على نحو آسِر. وقد أصبح بيرجر ومور صديقين مقرّبين خلال عملهما على هذا المشروع، وتعاونا مرات عدة على امتداد السنوات الخمسين التالية.
الكتاب الموجّه إلى الكتّاب

من بين عناوين بيرجر الأقل شهرة كتاب "نسخ فوتوغرافية" (Photocopies) (1996)، الذي يقدّم سلسلة من المشاهد النثرية القصيرة والبديعة، تحمل عناوين كما لو كانت صوراً فوتوغرافية. يلتقط بيرجر لحظات حقيقية ويعيد إنتاجها، أو بالأحرى يستنسخها، بانتباه بالغ الدقة إلى التفاصيل. يسود الكتاب إحساس بالسكون الرقيق، وهو درس نموذجي في الوضوح ومصدر إلهام للكتّاب المهتمين بصقل أساليبهم النثرية.
الكتاب الموجّه إلى الفنانين
ربما كان "طرائق الرؤية" هو العمل الذي صنع شهرة بيرجر، لكن جانباً كبيراً من أفضل كتاباته في النقد الفني جُمع في كتاب "عن النظر" (About Looking) (1980)، الذي يضم مقالات عن تيرنر وجاكوميتي وماغريت وفرانسيس بيكون ووالت ديزني. ويضم أيضاً مقالته الشهيرة "لماذا ننظر إلى الحيوانات؟"، التي تتأمل حقيقة أننا نادراً ما نتفاعل اليوم مع الحيوانات، رغم أننا نعيش في عالم تغمره صورها.
لأول مرة بالإنكليزية: "الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال" لغسان كنفاني
أفضل كتبه عن التصوير الفوتوغرافي
كان كتاب "طريقة أخرى للسرد" (nother Way of Telling) (1982)، ثالث تعاون بين بيرجر ومور، بحثاً كاشفاً في فن التصوير الفوتوغرافي. ورغم عنوانه الفرعي المتحفّظ، "نظرية محتملة للتصوير الفوتوغرافي"، فإن هذا العمل المفصلي يقف إلى جانب أعمال والتر بنيامين ورولان بارت وسوزان سونتاغ. يكتب بيرجر: "الصورة الفوتوغرافية مكان للقاء، غالباً ما تتعارض فيه مصالح المصوّر، والشخص المصوَّر، والمشاهد، وأولئك الذين يستخدمون الصورة".
أفضل كتبه عن السياسة
إلى حد ما، كان كل ما كتبه بيرجر سياسياً، إذ ظل منشغلاً دائماً بالتجربة الإنسانية في علاقتها بالمجتمع. وكانت الهجرة من الموضوعات التي عاد إليها مراراً، وأبرز ما كتب عنها كتاب "الرجل السابع" (A Seventh Man) (1975)، وهو تعاون لافت آخر مع مور. يوثّق هذا الكتاب المؤثّر، عن قرب، تجارب العمال المهاجرين الذين كانوا يبحثون عن عمل في أوروبا الغربية خلال أوائل السبعينيات، لكنه لا يزال حتى اليوم محتفظاً براهنيته المثيرة للتأمل والقلق.
الكتاب الذي سيجعلك تبكي

ربما فازت رواية "جي" بجائزة بوكر، لكن "إلى الزفاف" (To the Wedding) (1995) هي أعظم روايات بيرجر. من خلال شذرات من الحوارات والأغاني والصمت، نتابع أماً وأباً افترقا منذ سنوات طويلة، وهما يسافران عبر أوروبا لحضور زفاف ابنتهما نينون. إنها قصة تفطر القلب، وفي الوقت نفسه احتفاء متفائل ومنتصر بالحب والحياة. ويصفها كولوم ماكان بأنها "واحدة من أعظم قصص الحب وأكثرها صدقاً في عصرنا".
الكتاب الذي يستحق مزيداً من الاهتمام
كتاب "هنا نلتقي" (Here Is Where We Meet) (2005) الرائع هو عمل تخييلي، أم هل هو كذلك حقاً؟ في ثمانية فصول ونصف الفصل، يخوض "جون" سلسلة من اللقاءات مع أشخاص رحلوا عن الحياة. يلتقي والدته جالسة على مقعد في حديقة بلشبونة، ويلتقي مرشده في الطفولة في سوق بمدينة كراكوف، ويقف أمام قبر خورخي لويس بورخيس في جنيف. هنا نرى بيرجر في أكثر حالاته مرحاً ولعباً، وهو يمزج بسلاسة بين الرواية والمقالة والنقد والمذكرات وأدب الرحلات. إنه إنجاز باهر يستعصي على التصنيف.
الكتاب الذي تحمله في جيبك

"هذا كتاب أحمله معي أينما ذهبت"، يكتب الممثل والمخرج سايمون ماكبيرني في مقدمته الجديدة لكتاب "ووجوهنا، يا قلبي، عابرة كالصور" (And Our Faces, My Heart, Brief as Photos ) (1984). ويضيف: "إنه يتّسع في الجيب الداخلي لسترتي، فهو أكبر قليلاً من جواز سفر". يضم هذا العمل الوجيز، المشبع بإحساس روحاني غامض، شذرات ومشاهد عن الفناء والفن والجنس والانتماء. ينقسم إلى جزأين، "ذات مرة"، الذي يتناول الزمن، و"هنا"، الذي يتناول المكان، وينجح في تكثيف حكمة حياة كاملة في ما يزيد قليلاً على مئة صفحة.
