في رثاء ابن خالتي، ابن خان يونس الاسماعيلاوي

YAZAN ABU SALAMEH. GIFT BOX (2022)

عمرو عاشور

روائي وصحفي مصري

تعرفين يا سيناء حين شرعت في الكتابة عن ابنك لرثائه لم أستطع سوى الحديث عنك، أعرف جيدًا مقدار حبك لابنك، وأن المرارة في جوفك كالريق لا تفارقك، وهذا ما يوجع قلبي أكثر.. أمي تردد: "ليتها لم تتزوج من الفلسطيني، ليتها تزوجت من ابن عمها الاسماعيلاوي... كفانا حروب وهجرة".

للكاتب/ة

قالوا أنه ذهب مع الشباب ليحصل على المساعدات التي تلقي بها الدول المتضامنة مع غزة، لم يحمل سلاح ولا حتى طوبة، ولم يكن في نيته الأذية لأحد... إنه قانون البقاء الذي دفعه إلى الطعام، وقود الحياة، لم يكن يعرف وقتها أنه سيكون وقودًا للحرب،

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

03/08/2025

تصوير: اسماء الغول

عمرو عاشور

روائي وصحفي مصري

عمرو عاشور

لا زالتِ تدفعين ثمن حبك العظيم لابن خان يونس.. ذلك الحب الذي كنتُ -ولا أزال- شاهدًا عليه.. سيناء، أمي الصغرى، التي أفتقدها بشدة، أفتقدها وأفتقد أيامها القديمة، الذكريات العامرة بشقة جدتي حيث الرعاية والدفء والمودة، كنتِ -كما تعلمين- أمي الحقيقية، أمي البديلة التي علمتني القراءة والكتابة، وانشغلتِ بي ليس لكوني ابن أختك الكبرى فحسب. ولكن من أجل الرابط المقدس الذي ربطني بكِ، رابط المحبة الخالصة، هذا الرابط الذي لم ينقطع رغم سنوات الهجرة الطويلة.

كان حبك لسليمان الذي أصبح زوجك ووالد أولادك الخمس أقوى من كل التحديات، من أجله واجهتي تعنّد أخوتك الصبيان، ووقفتِ في وجه الجميع، وتحملتِ المصاعب والآلام، وتجاوزتها أيضًا، تجاوزتها بقلبك المحب الشجاع وروحك النقية المقاتلة، كانت الأسرة تخشي عليكِ من الهجرة والحروب، وهي الأسرة نفسها التي عانت من حرب العدوان الثلاثي على مدينتها الأم الاسماعيلية، وعانت كذلك من التهجير القصرى إلى القاهرة، تلك المدينة الضخمة والمزدحمة بخلق الله وبالمشاكل التي قهرت كل أفراد الأسرة، فبددت أمنهم وأغرقتهم في المصائب المتتالية، والتضحيات المستمرة، والمعاناة الملازمة لهم.. إنها مدينة قَاهرة فعليًا، تقهر الضعفاء والفقراء بلا رحمة. في ظل ذلك الوجع الأصيل أتيتِ أنتِ، يوم تحرير تراب سيناء من العدو الصهيوني، لذلك اسموكِ سيناء نسبة إلى هذا اليوم المجيد.. اعتقد العرب أن للإنسان نصيب من اسمه، وهذا اعتقادي أيضًا.. وأنتِ خير دليل على صحة تلك المقولة، فأحيانًا يحمل الإنسان قدره من اسمه، وربما هذا ما حدث ويحدث لكِ.. لعل ذلك ما جعلكِ تميلين إلى الفلسطيني دونًا عن باق شباب بلدك، اتبع قلبك قدره المحتوم، لا أحد يهرب من قدره، ولا أحد يستطيع أن يغير مصيره.. وهذا هو قدرك، قدرك الذي أسقطك في حب ابن خان يونس، قدرك الذي ساقكِ نحو الهجرة إلى فلسطين ومعاصرة الحرب الدائرة هناك، وهو القدر ذاته الذي اصطفى ابنك الأكبر (أيمن) ليكون شهيدًا تروى دماؤه تراب الوطن المغتصب.. ابنك الأكبر، فلذات كبدك راح ضحية الجوع والبحث عن الطعام، إطعام أسرته/ أسرتك.    

منذ أن اندلعت الحرب في السابع من أكتوبر، ونحن نعيش في قلق متواصل، نراقب أخبارك بشجن وقهر، وتدعو أمي الله عند كل صلاة ليحمي أسرتك ويرفع عنك البلاء. غير أن الشدة طالت، والكرب ازداد مع تدهور الحياة عندك، منزلك الذي تم قصفه، وإقامة أسرتك الصغيرة بالمدارس، وتعرض المدرسة للاقتحام، ونزوحك للعيش بالمخيمات كلها أحداث كفيلة لاستشعار الخطر المحاط بكِ، خاصة مع اختفاء زوج ابنتك، واليوم رحل ابنك، ابن السبعة والعشرون عامًا، عريس السماء، هو أيضًا لا بد وأن يكون له نصيبًا من اسمه (أيمن) فـ بالضرورة سيكون من أصحاب اليمين يوم المحشر العظيم.. كانت تحكي لنا نانسي، أصغر بناتك، وزوجة أخي، عن الحياة الشاقة بالمخيم، وعن ندرة المياه، والطعام الشحيح، واعتياد مشاهد القتل. كنتُ أقول لها: "اكتبي كل ما تعاصريه كي تحكيه يومًا على أبناء وأحفادك". وكانت هي تقول أن الكتابة لا تعني شيئًا، فكل لحظة تعيشها محفورة في القلب والذاكرة، ولن تنساها أبدًا حتى ولو اعتمدت النسيان. وجاء استشهاد الأخ الأكبر ليجعل النسيان مستحيلاً.. كيف لها أن تنساه وهو الأخ والسند؟ 

قالوا أنه ذهب مع الشباب ليحصل على المساعدات التي تلقي بها الدول المتضامنة مع غزة، لم يحمل سلاح ولا حتى طوبة، ولم يكن في نيته الأذية لأحد... إنه قانون البقاء الذي دفعه إلى الطعام، وقود الحياة، لم يكن يعرف وقتها أنه سيكون وقودًا للحرب، وأن الكمائن المترصدة للباحثين عن الطعام ترقبه وتنتظر وحضور لتقضي عليه برصاصاتها الغاشمة.. بالتأكيد كانت أسرتك في حاجة شديدة وموجعة للطعام. وربما أصابكم الجوع لعدة ليالي، وكان عليه كرجل يتحمل مسئولية عائلته أن يوفر لهم الطعام اللازم عوضًا عن ذلك حطمهم بالحزن العميق. 

تعرفين يا سيناء حين شرعت في الكتابة عن ابنك لرثائه لم أستطع سوى الحديث عنك، أعرف جيدًا مقدار حبك لابنك، وأن المرارة في جوفك كالريق لا تفارقك، وهذا ما يوجع قلبي أكثر.. أمي تردد: "ليتها لم تتزوج من الفلسطيني، ليتها تزوجت من ابن عمها الاسماعيلاوي... كفانا حروب وهجرة". غير أنها لا تعرف أن كل شيء مكتوب، وأن ما تمرين به اختبار من السماء، ولعله يكون شفعيًا لكِ يوم يشهد شهيدك عن ظلم العدوان وخذلان الدول له/ لكم.. لم يقتله العدو وحده، قتله كل متخاذل ومتعاون وصاحب مصلحة، استحلوا دماءه، ووضعوا جثته على مائدتهم الزاخرة بشهداء غيره من أطفال وشيوخ ومساكين بلا حول ولا قوة، تناوبوا على أكل جثثهم الطاهرة والدماء تسيل مع لعاب الطغاة.. كان يريد أن يأكل فأكلوه. غير أنهم لا يعرفون أن لحوم الشهداء مسمومة، وأنها حين تسري في أجسادهم المترهلة ستنبت بداخلها أزهارًا سامة تقتلهم في يوم ما... ستقتص أرواح الشهداء من القتلة، ستطاردهم في اليقظة والنوم، ستكون حافزًا لأرواح أخرى تسعى نحو الثأر، الثأر لأرواح الشهداء/ الأبناء/ الأطفال/ العجائز/النساء.. لا تحزني يا أمي الصغرى لقد اصطفى القدر ابنك كي يموت بطلاً حقيقًا.. فنحن الموتى بالفعل وهو من الأحياء. وعليكِ أن تحتفظي بقلبك المحب الشجاع وروحك النقية المقاتلة للنهاية.  

الكاتب: عمرو عاشور

هوامش

موضوعات

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع