"وقائع سنين الجمر": ليس للمضطهدين سوى الثورة

شفيق طبارة

ناقد من لبنان

من أجل وضع نفسه خارج الأحزاب، يجسّد على الشاشة شخصية المجنون الذي يعلّق على كلّ الأحداث. كشف حمينة المجتمع الاستعماري بأكمله، ويبرز ميلود كمرشد للضائعين، يستحوذ على نظرات الجميع،

للكاتب/ة

على الرغم من مدته الطويلة، إلا أن الفيلم سريع الوتيرة، بدون المبالغة في تفويت أي تفصيل. تُنقط الكلمات الأولى في الفيلم، وتتهاوى كجمل لم تتبلور بعد، كأنها تبحث عن شكلها وسط جفاف الحُلوق. 

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

الأكثر قراءة

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

21/08/2025

تصوير: اسماء الغول

شفيق طبارة

ناقد من لبنان

شفيق طبارة

ناقد سينمائي، يكتب في عدة صحف ومجلات عربية، يغطي سنويا عدداً من المهرجانات السينمائية العربية والعالمية. عمل كمدير فني لمهرجان "نورينت" في سويسرا. ويعمل مستشاراً فنياً لعدد من شركات الإنتاج العربية والعالمية. أصبح هذا العام مصوت دولي لجوائز الغولدن غلوب.

ميلود راوي قصص، شاعر، أشبه برجل مجنون أو نبي يتجول في مقبرة تُعتبر بالنسبة إليه ساحة لموته. هناك، يقود فرقة من المقاتلين الذين يُحاضرهم بينما تتكشف الأحداث التي تُمثل حياة الجزائريين.

الحكواتي صاحب الرؤية هذا ليس سوى المخرج الجزائري محمد الأخضر حمينة (1934 – 2025)، الذي أصبح بفيلمه «وقائع سنين الجمر» (1975)، أول مخرج عربي وأفريقي ومغاربي يفوز بجائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي. 

الفيلم الذي أُعيد ترميمه هذه السنة، وعرض في المهرجان احتفالاً بذكراه الخمسين، ولد من أعماق روح قارته ومخرجه، ومن خلال شخصياته، ينظر حمينة إلى واقع الاستعمار الفرنسي للجزائر، ليؤكد أنّ الثورة ليست وليدة اللحظة، بل عملية بطيئة من الانتفاضات والمعاناة. يستحضر حمينة الجفاف الشديد الذي ضرب البلاد بسبب استيلاء المستعمر الفرنسي على المياه، ثم يستحضر وباء التيفوس الذي اجتاح السكان المحليين، قبل أن يتحدث عن الحرب العالمية الثانية، وعهد فيشي، وأخيراً بدايات الثورة و«توسان روج» يوم عيد جميع القديسين. جدول تاريخي مزدحم، يُجبر المخرج على تخصيص ما يقرب ثلاث ساعات لهذه الملحمة التاريخية الضخمة.

ينظر حمينة في الفيلم إلى واقع الاستعمار برمته، والكارثة التي يمثلها على شعبه. وفي هذا، يُهزّنا. إنه البؤس الذي يتجلّى في قرية غير بعيدة عن المدينة، حيث يعيش أحمد (يورغو فوياجيس)، الأب الشاب الذي يكافح لإعالة أسرته. تُمثل هذه الفترة الأولى تقلب ظروفهم المعيشية، وهشاشتها الشديدة في مواجهة مخاطر مناخية واجتماعية. هذه «سنوات الرماد» كما يسميها المخرج، وهي سنوات هجرة، وتخلي عن قيود العائلة أملاً في بشائر خير. أول آفة تعزز خلود القصة هو المرض، الذي يُبعد أصغر وأضعف الناس.

 

 

يراقب أحمد بفزع الجفاف، كثيرون يغادرون، وأحمد نفسه يدعم هذه المبادرة. في رحلته، يلتقي بميلود، الذي يتنبأ بسنوات من البؤس والظلم. ومن خلال أحمد وهذا الشاعر المجنون الحكيم، تسري الحكاية، على ستة فصول، لينغمس حمينة في نضال استعادة الجزائر، متعمقاً في الروح الوطنية لفهم ربع قرن سبق التحرير.

تحت هالة ملحمية، كشف حمينة آفة الاستعمار بشكل عام، ولكن قبل أي شيء، خصوصيات هذا الاحتلال في الجزائر. سعى حمينة لتصوير كلّ مشهد بأقصى درجة من الأمانة لما حدث بالفعل، سواء من منظور تاريخي أو اجتماعي.

على الرغم من مدته الطويلة، إلا أن الفيلم سريع الوتيرة، بدون المبالغة في تفويت أي تفصيل. تُنقط الكلمات الأولى في الفيلم، وتتهاوى كجمل لم تتبلور بعد، كأنها تبحث عن شكلها وسط جفاف الحُلوق. 

عندها يتحوّل الفيلم إلى عمل بصري تشكيلي، حيث يوجه المخرج عدسته نحو ضخامة المشهد الجزائري: جبال مترامية، وحقول خضراء مروية بعناية، محروثة لهذا الآخر الذي سوف يُهزم. جمال الصورة هنا ليست للزينة، بل أداة احتجاج وتنوير. فالمشهد نفسه يكتب اللامساواة بدون حاجة إلى التعليق، بينما الشخصيات تنشد: «أخذوا كلّ شيء، ولم يتركوا لنا شيئاً»، صرخة تختصر تاريخاً من النهب والتهميش. جمال صور الصحراء، والضوء على الوجوه الصامتة، والقوة الساحقة للحشود في الشوارع تبقى في الذاكرة. يُبدع المخرج لوحة جدارية تجمع بين الملحمة والشاعرية، حيث تبرز الثورة كمخرج وحيد للمُضطهدين. 

«وقائع سنين الجمر»، ليس مجرد فيلم تاريخي، بل نموذج لكيفية بناء سرد واقعي آسر مشحون بالوعي، من دون اللجوء إلى الحيل الدرامية. يختار حمينة أن يواجه التاريخ كما هو، خاماً، متوتراً ومليئاً بالتناقضات. 

في هذا العمل، تُستبدل الحبكة التقليدية بمسار زمني، حيث تتراكم المشاهد كأنها شظايا ذاكرة جماعية. لا بطل خارقاً، بل شعب بأكمله يتحوّل إلى شخصية مركزية. 

مع ذلك، الفيلم أبعد ما يكون عن كونه مجرد كتيّب معاد لفرنسا، ولا يزال يجرؤ على الإشارة إلى أنّ فرنسا استطاعت الحفاظ على مكانتها بفضل تعاون العديد من السكان المحليين. 

الفيلم شديد الضراوة بشكل خاص تجاه القادة ومساعديهم، الذين يهيمنون على السكان، بينما يستمدون مزايا كبيرة من فرنسا. وبالمثل، عندما تكون الانتفاضة قيد الاعداد، يُظهر حمينة بوضوح المعارضة التي تحتدم بين أولئك الذين يريدون الحوار مع فرنسا (حلول الحركة الوطنية الجزائرية، مصالي الحاج)، وأولئك الذين يرغبون في حمل السلاح (جبهة التحرير الوطني).

من أجل وضع نفسه خارج الأحزاب، يجسّد على الشاشة شخصية المجنون الذي يعلّق على كلّ الأحداث. كشف حمينة المجتمع الاستعماري بأكمله، ويبرز ميلود كمرشد للضائعين، يستحوذ على نظرات الجميع، وخصوصاً نظرة الكاميرا التي تراه بعين مخرجه/ الممثل الذي يتولى مهمة الإمساك بيدنا وسط العتمة، بعينين تفيض بالمشاعر.

كقطعة من التاريخ، وكعمل سينمائي ضخم، يترك الفيلم أثراً لا يُمحى في وجدان المشاهد. اعتمد حمينة على لغة سينمائية ملحّة، كثيفة بصرياً، تتوسّل الرمزية، وتستدعي التاريخ الشعبي المقاوم كقوة سردية. «حاولت أو أروي، بكرامة ونبل، هذه الانتفاضة التي أصبحت في ما بعد الثورة الجزائرية، ثورة لم تكن ضد المستعمر فحسب، بل ضد حالة إنسانية معينة. أردتُ تجنب أي نهج مانوي أو كاريكاتوري أو ديماغوجي، من شأنه أن يُحوّل «وقائع سنين الجمر»، إلى نوع من أفلام الغرب الأميركي، حيث الأخيار في مواجهة الأشرار، الجزائريون في مواجهة الفرنسيين. ما قادني هو البحث عن الصدق: بحثت في داخلي عن صدق طفل، ونظرة الطفل الذي كنته يوماً، وذكريات طفولتي».

 

 

سيرة سينمائية ثورية

وُلد حمينة في مدينة المسيلة، في منطقة الأرواس، كان ابناً لمزارعين متواضعين. درس الزراعة قبل أن ينتقل إلى فرنسا. خلال حرب الجزائر، اختطف والده وعُذّب وقُتل على يد الجيش الفرنسي. ورغم استدعاء حمينة للجيش نفسه، إلا أنه فرّ من الجيش وانضم إلى المقاومة الثقافية والإعلامية للنخبة الجزائرية ضد الاستعمار في تونس. هناك بدأ العمل على نشرات الأخبار، وتفاعل مع العالم السمعي البصري، وبدأ بكتابة الأفلام القصيرة. طوّر حمينة سيرة ذاتية غنية وملتزمة، استكشف فيها جوانب مختلفة من التاريخ والمجتمع الجزائري.

طوّر محمد الأخضر حمينة سيرة ذاتية غنية وملتزمة استكشفت جوانب مختلفة من التاريخ والمجتمع الجزائري، وبدأ الربط بين الفنّ والسياسة كأدوات مقاومة. أفلامه ليست مجرد سرد للثورة، بل تفكيك للوعي الشعبي، وتحليل للزمن الثوري، شارك في مهرجان كان أربع مرات، وفاز بجائزة أفضل فيلم روائي أول سنة 1967 عن فيلم «ريح الأوراس»، عمل رائد يصوّر المأساة خلال الاحتلال الفرنسي ومعاناة عائلات الفلاحين. 

سنة 1972، كتب فيلم «هروب حسان الطيرو»، وهو فيلم ساخر يجمع بين الفكاهة والنقد الاجتماعي، كاشفاً عن نفاق بعض قطاعات المجتمع الجزائري خلال حرب الاستقلال.

 بعد «وقائع سنين الجمر»، أخرج «رياح رملية» سنة 1982، وفيلم «الصورة الأخيرة» سنة 1989، الذي يركّر على علاقة بين أستاذ فرنسي وطلابه الجزائريين عشية الاستقلال. هنا، يقدم حمينة نظرة تأملية وشاعرية إلى الاستعمار والتعليم، معززاً أسلوبه الإنساني الملتزم. آخر فيلم له كان «غروب الظلال» (2014)، ودائماً قصة على خلفية ثورة التحرير. كلّ عمل من أعمال حمينة شهادة على تاريخ الشعب الجزائري كصانع للحرية والمقاومة والهوية.

 

الكاتب: شفيق طبارة

هوامش

موضوعات

GOOGLE AD

نكـتـب لفلسطين

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع

اختيارات المحرر

من أجل صحافة ثقافية فلسطينية متخصصة ومستقلة

اشتراكك بنشرتنا البريدية سيحمل جديدنا إليك كل أسبوع