من يقرأ مأساة كاتب القصة القصيرة يدرك أن إبراهيم نصر الله لا يكتب عن كاتبٍ وحيد، بل عن الإنسان كلّه حين يُسجن داخل حدوده، ويطوف حول شكوكه. في هذه الرواية، يصبح المربّع والدائرة أكثر من أشكال هندسية، إنهما مجازان لوجودٍ متصدّع بين النظام والفوضى، بين الاطمئنان والارتباك، بين كتابةٍ تعرف حدودها وأخرى تبتلع نفسها في دورانٍ لا ينتهي.
تدور الأحداث حول كاتب قصة قصيرة يعيش في ظل جائحة كورونا، حيث يجد نفسه محاصرًا بين العزلة والوباء. يُجسد نصر الله معاناة الكاتب الذي يسعى لإيجاد معنى لوجوده في عالم متغير، حيث تتداخل العوالم الواقعية والافتراضية، يحتمي من الحياة بالكتابة، ثم يجد نفسه يُعيد هندسة العالم على الورق ليقاوم هندسة الواقع عليه. عملاً متعدّد الطبقات، ينطوي على، لعبة هندسية رمزية، المربّع والدائرة. ليس كصراع مجرد بين الشكلين، بل في معركة داخلية بين الألفة والاستقرار (المربّع) وبين الحيرة والالتباس (الدائرة)، يُظهر الصراع الداخلي للبطل بين الرغبة في الانعزال والاندماج، وتُسلط الضوء على التحديات التي يواجهها.
تطرح الرواية في عمقها شكلًا هندسيًّا ما، هندسةً للوجع، هندسةً للنجاة، وهندسةً للتيه. وفي مأساة كاتب القصة القصيرة يرسم إبراهيم نصر الله عالمه بخطوطٍ مستقيمة حينًا، ومنحنياتٍ مرتبكة حينًا آخر، كأنّه يشيّد من الكتابة نفسها بيتًا ومهبطًا للعاصفة في آنٍ واحد. ينسج نصر الله مأساة كاتبه بين مربعٍ يُؤمن به ودائرةٍ تُغريه. من ثمّ، تصبح الرواية تأمّلاً في موقع الكاتب (وربّما الكاتب داخل الكاتب) من الذات والنصّ والعالم؛ كيف يعيش ضمن مربّعٍ، ويجد فيه أماناً، لكنه يُستدعى ليُدخل في دائرةٍ لا تعرف استقراراً.
دلالة مفاهيميّة واجتماعيّة
تكمن أسئلة الرواية الحقيقية في ما بين الشكلين، كيف يعيش الكاتب في مربّعٍ يشعر فيه بالألفة وكيف تتحوّل الألفة إلى سجن؟ وكيف تصبح الحركة التي في الدائرة عبئاً. من زاوية أوسع، المجاز ليس شخصياً فقط، بل يعكس وضع الأدب وثقافة النشر والعلاقة بين الكاتب والمجتمع، في “مأساة كاتب القصة القصيرة” يمسك نصر الله بقوة في يده هذين المفهومين — المربّع والدائرة — ويجعل منهما حواراً داخلياً وخارجياً، بين الكاتب ونصّه، بين المربّع الذي يشعر فيه بالأمان وبين الدائرة التي تجذبه نحو تغيير أو حيرة. الرواية ليست فقط عن الكاتب الذي “يحبّ المربّعات”، بل عن الكاتب الذي يشعر أن المربّعات تضيق به، بينما الدوّامة (الدائرة) تلوّح له بأنّ الخروج ممكن — أو أنّه اضطرار. بالنظر إلى علاقات الشخصيات، إلى لعبة النصّ نفسه، وإلى موقع الكاتب في الثقافة، نجد أن المجاز يعمل كبنية أساسية وليس مجرد زخرفة.
مربع الأمان ودائرة التيه
الكاتب، بطل القصة، يجد في المربّع ملاذاً. يشعر نحوه بالألفة، لأنه يمثل له فضاءً واضح المعالم، له زوايا وأركان تُطمئنه بأن العالم قابل للقياس، وأن العلاقات قابلة للفهم، وأن الكتابة يمكن أن تُحاط بإطارٍ يحميها من الانزلاق نحو الجنون. المربّع هنا ليس رمزاً للجمود، بل للحماية، كأنّ الكاتب يرسم حول نفسه مربّعاً كي لا تضيع ملامحه في زحمة الاحتمالات.
في المقابل، تأتي الدائرة بوصفها الشكل الذي يخيفه. لا بداية لها ولا نهاية، ولا يمكن الإمساك بها أو الخروج منها. وحين تظهر في سياق علاقة مع إحدى معجباته، تصبح الدائرة رمزاً لعلاقةٍ محكومة بالتكرار، بالتردّد، بالدوامات النفسية التي لا يُحسَم فيها شيء. إنها صورة لعالمٍ يدور حول ذاته دون قرار، تماماً كما يدور الكاتب حول معنى الكتابة دون أن يجد خلاصاً منها. بهذا المعنى، لا يصف نصر الله شكلاً هندسياً، بل يؤسّس مجازاً وجودياً، فالمربّع هو شكل من يريد السيطرة على الحياة، بينما الدائرة هي شكل من تستدرجه الحياة إلى عمقها. المربّع يقف، والدائرة تدور. الأول يُذكّر بالبيت، بالورقة، بالإطار، بالمنطق؛ والثانية تُذكّر بالعين، بالهاوية، بالزمن الذي لا يثبت.

المأساة ليست أنه لا يجد الخلاص، بل أنه كلّما احتمى بالمربّع، شعر بأنه يفقد شيئًا من روحه؛ وكلّما اقترب من الدائرة، أدرك أنه على وشك الغرق. المأساة الحقيقية في الرواية أنّ الكاتب، رغم حنينه للمربّع، لا يستطيع العيش خارجه. فالمربّع الذي يحميه هو ذاته الذي يسجنه. والخروج إلى الدائرة، أي إلى العالم، يعني الدخول في متاهةٍ من المشاعر التي لا يمكن السيطرة عليها. هنا تتحوّل المربعات والدّوائر من رموزٍ هندسية إلى خرائط للنفس، تحدّد أين يقف الإنسان بين خوفه من الفوضى وشوقه إليها.
إنّ رواية مأساة كاتب القصة القصيرة هي، في جوهرها، رحلة من الأشكال إلى الإنسان، حاجته وخوفه. في النهاية، لا تبقى مأساة كاتب القصة القصيرة رواية عن الكتابة، بل عن الكائن الذي يخاف فراغ الكون، فيُسرع ليبني له مربّعًا يسكُن فيه. نحن أبناء المربّعات كلّنا: نرسمها حولنا كي نطمئن، نرسمها داخل عقولنا كي نُدرك، ونرسمها في قلوبنا كي لا نفقد المعنى. فالمربّع وعدٌ بالأمان، لكنه أيضًا اعترافٌ بالخوف؛ والخوف ليس ضدّ الحياة، بل دليلٌ على شدّة التعلّق بها.
نحتمي بالأشكال لأننا نخاف الاتساع. نخاف أن ننفلت من الزوايا فنضيع في دائرةٍ بلا مركز، لكن، كما يُشير نصر الله ضمنيًا، أن الاتساع وحده هو ما يمنح المعنى. فالخوف يحرسنا من الجنون، لكنه أيضًا يحرمنا من التجربة؛ والحاجة تدفعنا إلى التماس الآخر، بين الخوف والحاجة يتقلّب الإنسان كما لو كان في رقصةٍ كونيةٍ لا تتوقّف — يحتاج إلى الحواجز ليعرف حدوده، ثم يشتاق إلى تجاوزها ليعرف نفسه. وهنا، تبلغ الرواية معناها الأعمق، إنّ الحاجة والخوف إشارتان إلى طبيعتنا المزدوجة، تلك التي تبحث عن الطمأنينة في عالمٍ لا يهدأ. ففي النفس أماكن نخاف أن نراها، وأحيانًا الشجاعة ليست في تغيّرها، بل في أن نسمح لأنفسنا بالجلوس فيها، بسلام، ونكتشف أنها كانت تنتظرنا دائمًا لنرى حقيقتنا.
